لبنان على حافة الانفجار.. بعد الانهيار

ثمة سباق محموم بين محاولة إحتواء التطورات اللبنانية، بأبعادها السياسية والإقتصادية والمالية، وبين إحتمال أن يقدم طرف داخلي على قلب الطاولة، سعيا إلى منع إنزلاق الوضع نحو مرحلة أكثر خطورة.

لم تُخف واشنطن ولا تل أبيب ولا بعض الدول العربية يوماً رغبتها بضرب حزب الله في بيئته اللبنانية. وحين زار وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو لبنان في آذار/مارس الماضي، قال صراحة أمام رئيس الحكومة سعد الحريري “ان لبنان دولة مهددة من إيران وحزب الله”، وكرر الأمر نفسه في مؤتمره الصحافي المشترك مع الوزير جبران باسيل بقوله ان لبنان بحاجة الى “شجاعة لمواجهة إرهاب وتهديد وجرم حزب الله”. كان واضحا انه جاء يشجّع ويحث الهمم.
آنذاك، سمع الضيف الأميركي من المسؤولين اللبنانيين رأيين متناقضين، أولهما، أن مواجهة حزب الله وهمٌ، ذلك انه جزء من النسيج اللبناني ويمثل ثلث الشعب تقريبا وله نواب ووزراء وانه ليس إرهابيا وانه ازداد قوة بأضعاف ما كان عليه قبل الحرب السورية في العام 2011، بينما أكد الرأي الثاني “أننا مستعدون لذلك لكن ليس لدينا إمكانيات وأنتم لا تفعلون شيئا لتعزيز امكانياتنا او قدرات الجيش”. هذا بالضبط ما يرويه مسؤول أوروبي من الذي سعوا في الأشهر الماضية لإقناع إدارة دونالد ترامب بعدم المساهمة بتدهور الوضع اللبناني.

مع انفجار الغضب الشعبي في لبنان والعراق ضد الفساد والنهب، سارع بومبيو نفسه لتلقف بذور الحراك الشعبي قائلا ان إيران هي المسؤولة عما يعيشه البلدان، فردّت عليه طهران وعلى لسان مرشد الثورة السيد علي خامنئي باتهام واشنطن وإسرائيل بالتآمر على البلدين. ثم ما ان سعى الجيش اللبناني للتدخل من أجل فتح الطرق في كل لبنان، حتى سارعت الخارجية الاميركية لمطالبته بحماية المتظاهرين.

هل ثمة أوضح من هذا الصراع الأميركي – الايراني في ساحتين تُعتبران مفصليتين في تغليب محور على آخر في انتظار تسوية ما او صفقة ما أو مواجهة ما؟
الواقع ان انتفاضتي العراق ولبنان المتزامنتين، جاءتا في ذروة التأزم بين واشنطن وطهران. ليس أكثر دلالة على ذلك من رفع إيران مستوى التخصيب النووي الى درجة جعلت كل الأطلسي يهاجمها او ينتقدها، ودفعت روسيا نفسها الى الاعراب عن القلق وحثّ القيادة الايرانية على الإيفاء بالتزاماتها في الاتفاق النووي. واضح ان طهران تلعب منذ الآن ورقة الانتخابات الرئاسية الاميركية.

بالمقابل، سارع حلف الأطلسي (الناتو) ومعه روسيا أيضا الى الترحيب بالاتفاق بين أطراف اليمن الجنوبي برعاية سعودية، ونوّه الجميع بالدور السعودي في إنجاح هذه الخطوة، فيما سرّبت الرياض معلومات عن مفاوضات سريّة تجريها منذ فترة غير قصيرة مع الحوثيين في شمال اليمن.

وفي الجانب السوري، وبعد العودة الأميركية الضاغطة عسكريا ونفطيا في شرق البلاد وشمالها، دخلت إسرائيل بشكل مفاجئ على الخط كاشفة على لسان تسيبي هوتوفلي نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي “أن إسرائيل تساعد أكراد سوريا الذين يتعرضون لهجوم تركي على مدى شهر، وتعتبرهم ثقلا يوازن النفوذ الإيراني”.

ويمكن أن نرصد أيضا وقاحة إسرائيلية في محاولة التسلل صوب مربعات الغاز اللبنانية في هذا التوقيت الحساس.

لا شك أن هذه العوامل الدولية وما أشار اليه أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله من مرحلتين في الحراك، أولاهما تعبير عن غضب الناس وثانيتهما تدخل أجهزة وسفارات، وما أتبعه نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بالحديث عن ” سُرّاق الحراك من جماعة السفارة الاميركية وبعض جماعة الأحزاب الطائفية”، يعزز القناعة بأن لدى المحور الممتد من بيروت إلى طهران قلقا جديا من اهتزاز الساحات الشعبية تحت أقدام الجميع، وسط رفع مستوى التحدي في المنطقة.

لذلك، يضع هذا المحور ومعه طبعا رئاسة الجمهورية اللبنانية استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في خانة الضغوط الخارجية. وهو ينظر بعين الريبة نفسها الى أدوار القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي ومعظم من بقي من قوى ١٤ آذار، وكادت الشكوك تطال المؤسسة العسكرية في الآونة الأخيرة.

ماذا سيفعل هذا “المحور” اذا؟

يتبين يوما بعد آخر، ان القاعدة الشعبية الصادقة لهذا الحراك هي الطاغية. يتبيّن كذلك ان عدوى الانتفاضة تكبر وتتسع وقد تتحول الى ثورة حقيقية. ويتبين ثالثا أن عددا كبيرا من الوطنيين العروبيين واليساريين هم في قلب الحراك، من أسامة سعد الى حنّا غريب ونجاح واكيم، وان العدد سيزداد حتما وقد يشمل أطرافا من حلفاء الحزب خصوصا بعد دخول الجامعات والمدارس على الخط.

من الصعب إذا التفكير بشارع ضد شارع دون صدام دموي واسع. من الصعب كذلك اقناع الناس حاليا بان ثمة مؤامرة، ذلك ان الأدوات الإعلامية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية هي مع الحراك وأيضا بيد المحور الآخر وان في الحراك من يهتف يوميا باسم المقاومة، ومن الصعب أكثر العودة الى حلول ترقيعية وتسويات هشة، ذلك ان غضب الشارع غير قابل للاحتواء.

أمام هذا “المحور” طريقان لا ثالث لهما، اما احتواء واحتضان الانتفاضة والدخول بقوة اليها شعبيا وتفاوضيا ومحاولة سحب البساط من تحت اقدام من يريد تدفيع هذا “المحور” ثمنا سياسيا للإنقاذ الاقتصادي، واما قلب الطاولة والذهاب نحو التحدي المطلق مهما كان الثمن.

مشكلة لبنان الآن أكثر تعقيدا بكثير من سوريا والعراق، ليس فقط بسبب الانقسام الحاد بين أنصار المحورين، وانما ايضا بسبب افلاس اقتصادي ومالي حاد، فلنفترض أن محور المقاومة ربح الرهان بالتفاوض او بالقوة في لبنان، فكيف سيجد حلولا لمشاكل الإفلاس الاقتصادي والمالي وهو يدرك سلفا ان كل المصادر الخارجية ستُقفل بوجهه بضغوط أميركية مباشرة؟

كل الخطابات التي ألقيت حتى الان من قبل حزب الله والعهد والرئيس الحريري لم تقنع الشارع بجدية المعالجة

لبنان انهار اقتصاديا وماليا، ومن يقول عكس ذلك واهم، لكن كل طرف من المحورين يعتبر ان أي تنازل سياسي في هذه المرحلة انتحار.. اما الدول الكبرى فما عاد يهمها إذا عمّت الفوضى او لا، ذلك انها تجد الآن فرصة ذهبية نادرة لضرب بيئة حزب الله وكسر “المحور”.

لا شك ان حزب الله وحلفاءه لا يزالون حتى الآن الأقوى عسكريا وربما لا تزال عندهم الكتلة الشعبية والبرلمانية الأكبر، لكن الأكيد انه مع كل يوم إضافي سيزداد الضغط، لذلك فربما أقصر الطرق هو عبر التجاوب مع المطالب المحقة للناس، ودفع الجميع من حلفاء وخصوم الى تقديم تنازلات فعلية وعاجلة في سياق التكليف والتأليف، لتمرير مرحلة بالغة الحساسية، فكل الخطابات التي ألقيت حتى الان من قبل حزب الله والعهد والرئيس الحريري لم تقنع الشارع بجدية المعالجة.

ثمة سباق خطير بين الاحتمالين.. لا بل خطير جدا.

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course

180Post