لبنان: هذه شروط الحريري للعودة.. وهذه حسابات الآخرين

لم يدم موال محمد الصفدي أكثر من 48 ساعة. نام الرجل ليلتين رئيسا للحكومة. لم يجد الرجل نصيرا له في نهاية تلك الرحلة الريفية القصيرة، إلا زوجته الوزيرة المستقيلة وميشال عون وجبران باسيل. في توقيت ما، لا بد من التقاعد من السياسة.. مهما طالت أو قصرت رحلة السفر فيها

لبنان بلا حكومة منذ عشرين يوما. اللحظة السياسية والإقتصادية والمالية المأزومة والإستثنائية تشي بأنه لا بد من وزارة جديدة، اليوم قبل بعده. غير أن مجريات الأيام التي تلت إستقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، تدل على قصور سياسي فادح في مواجهة حراك شعبي ووضع إقتصادي ومالي وخطير. واقع يُبيّن مجدداً، وبالدليل السياسي والدستوري، عجز الصيغة السياسية (الطائف) عن أن تشكل وعاء يمتص هكذا صدمات من جهة، وعجز أهل السياسة، وخاصة من ينتمون إلى “نادي حكام الصبية” عن تحمل مســؤولياتهم، من جهة ثانية.

في الوقت نفسه، لم يعد الحراك الشعبي عنوانا جامعا كما كان في شهره الأول. الكتل الإجتماعية التي نزلت بشكل عفوي وصادق إلى الكثير من الساحات، تنكفىء يوما بعد آخر، لمصلحة حضور وازن لكتل حزبية دخلت على خط إستثمار الحراك منذ اللحظة الأولى، بدليل الشوارع الحزبية التي تتحرك بـ”الريموت كونترول”، في أكثر من منطقة لبنانية، وهو إستثمار مفتوح على حسابات سياسية وطائفية، ويلقى أحيانا تشجيعا خارجيا.

وفي الوقت نفسه أيضا، تستمر مصارف لبنان مقفلة، ومعها يرتفع منسوب القلق إزاء ما ينتظر هذه البنوك، عندما تفتح أبوابها في الأسبوع الطالع، بعد فترة إقفال لم تشهد مثيلا لها حتى في عز أيام الحرب الأهلية والإعتداءات الإسرائيلية على لبنان. وزاد الطين بلة، إقدام وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيفات الإئتمانية مجدداً على خفض تصنيف ثلاثة مصارف لبنانية هي: بنك عوده، بنك لبنان والمهجر(بلوم)، وبنك البحر المتوسط(بنك ميد) من B- الى  CCCبعد أسابيع من وضع الوكالة التصنيف السيادي للبنان قيد المراقبة لخفض محتمل.

وإذا فتحت المصارف أبوابها هذا الأسبوع، ستجد نفسها أمام ضغوط هائلة ستؤدي إلى المزيد من تآكل الودائع، طالما أن عنصر الثقة غير متوفر، ومدخله البديهي سياسياً، تشكيل حكومة جديدة توحي بالثقة للبنانيين، مقدمة لسلسلة من الإجراءات الإقتصادية والمالية والمصرفية.

هل نحن أمام معطيات تؤدي إلى حكومة جديدة؟ ومن سيكلف بتأليفها، وهل نضجت ظروف التسمية والتكليف والتاليف؟

لعل الإجابة على هذا السؤال تبدأ من عند محاولة فهم أسباب إستقالة سعد الحريري، قبل تسعة عشر يوما، ومن ثم الأسباب التي جعلته يصعب على الآخرين مهمة تكليفه مجددا، وأخيرا، تلمس إحتمالات عودته مجددا إلى السراي الكبير(مقر رئاسة الحكومة اللبنانية).

لا يملك أحد حقيقة رواية إستقالة الحريري إلا الحريري نفسه. إذا نزعنا البعد الخارجي، فإن الحريري كان يشعر، حسب بوحه للمقربين منه، قبل إنفجار الشارع، بأن حكومته تكاد تصبح عبئا عليه، فلا رئيس الجمهورية يتعاون معه أو يقدم التسهيلات المطلوبة، وكلما طلب منه أمرا محددا، كان يحيله إلى وزير الخارجية جبران باسيل، أما الأخير، فكل سلوكه منذ حكومة الحريري الأولى (2016)، يشي بمحاولة مستترة للإنقلاب على الطائف، عبر تشليح رئيس الحكومة الكثير من صلاحياته، وفي المقابل، تضخيم صلاحيات الرئاسة الأولى، وعندما يحاول الحريري الشكوى، يأتيه الجواب دائما أن الرئاسة الأولى تمارس صلاحياتها المشكو منها أساساً، وأن ما جرى في العهود السابقة، إنما يندرج في خانة الإستيلاء على ما تبقى من صلاحيات رئاسة الجمهورية.

تيقن الرجل أن الحراك الحاصل في أكثر من منطقة لبنانية، ولا سيما في عاصمة لبنان الثانية (ساحة النور في مدينة طرابلس)، عماده الأساس جمهور تيار المستقبل، وفي إحتجاجه الأول من نوعه، مزيج من السياسة والمطالب الإجتماعية

ظلت الأمور تراوح مكانها، فيما كان الشارع السني يزداد إحتقانا على وقع ممارسات نافرة، من جهة، وتأليب الرأي العام ضد الحريري، من جهة ثانية. صار الكل على يسار الحريري. حتى تمام سلام الذي كان يستخدم لغة المسايرة مع آل الحريري، راح يرتفع صوته، فضلا عن الأصوات الشاكية من داخل تيار المستقبل، وبعضها خرج إلى العلن، ناهيك عن “المتربصين بي” ممن قال الحريري إنهم “سرقوه وخانوه” و”صاروا يهاجمونني ليلا ونهارا”.

إنفجر الشارع اللبناني في 17 تشرين الأول/أكتوبر. في الأيام الأولى، كان الحريري مترددا. تيقن الرجل أن الحراك الحاصل في أكثر من منطقة لبنانية، ولا سيما في عاصمة لبنان الثانية (ساحة النور في مدينة طرابلس)، عماده الأساس جمهور تيار المستقبل، وفي إحتجاجه الأول من نوعه، مزيج من السياسة والمطالب الإجتماعية. هو تظاهر ضد محاولات مصادرة صلاحيات رئاسة الحكومة من جهة، وتوقف خدمات تيار المستقبل وإقفال حنفية المال الحريرية وعدم إيفاء رئيس الحكومة بوعوده الإنتخابية لأهل الشمال، من جهة ثانية.

وبينما كان شركاء رئيس الحكومة في الحكومة، بإستثناء القوات اللبنانية التي سارعت للإستقالة، بالتزامن مع إنفجار الشارع، يحاولون الحد من الخسائر، أراد الحريري تحول الإنتكاسة إلى فرصة، فكانت الإستقالة المفاجئة للجميع.

وعلى مدى حوالي عشرين يوما من الأخذ والرد، كان الإنطباع واحداً. الحريري يتدلل وهو يريد رئاسة الحكومة ويقول “تفوه عليها”. وجاءت مجريات تسمية محمد الصفدي لتؤكد المؤكد.

رفض الحريري تسميته مجددا رئيسا للحكومة نزولا عند رغبة الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله. فتح الباب أمام البحث عن البدائل. سقط إسم تمام سلام (ورقة بري ونصرالله الثانية)، وكان جواب الحريري أنه طرح الفكرة على سلام، فرفض الأخير. عندها، كان تفاهم الحريري واضحا مع المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل: إختيار محمد الصفدي ممره الإلزامي تغطية من الشارع السني (دار الفتوى ورؤساء الحكومات السابقين)؛ تبني الحريري سياسيا لهذا الخيار؛ أن تسمي كتلة المستقبل الصفدي لرئاسة الحكومة خلال الإستشارات النيابية الملزمة؛ أن تشارك كتلة المستقبل في الحكومة بالصيغة التي تراها مناسبة؛ أن تعطي كتلة المستقبل الثقة للحكومة الجديدة في مجلس النواب.

وبمعزل عن الإتهامات التي كيلت حول ترشيح الصفدي ومن ثم إسقاطه، وكلها غب الإستخدام السياسي ـ الإعلامي، فإن نقطتين حددتا حقيقة موقف الحريري الأصلي: الإكتفاء بإلتزامه تسمية الصفدي ومنح الثقة لحكومته لكن من دون مشاركة تيار المستقبل في الحكومة، عدم وجود غطاء من رؤساء الحكومات السابقين الذين تبنوا ترشيح الحريري. هاتان النقطتان بيّنتا أن ترشيح الصفدي كان مجرد مناورة للعودة إلى “بيت القصيد”.

وبيت القصيد أن يعود الحريري إلى رئاسة الحكومة لكن ليس بأي ثمن، بل عبر محاولة تحسين شروط تلك العودة، فتكون موافقته مخرجا سياسيا لكل قوى 8 آذار/مارس وإستجابة لرغبة تيار المستقبل وبيئته الحاضنة وللمناخات الدولية التي ترى الحريري أفضل الخيارات في هذه المرحلة. هكذا، يصبح الحريري هو “البطل”، عند الجميع، بمن فيهم الحراك.

وجود مصلحة للحريري بالعودة إلى رئاسة الحكومة لعدة أسباب أبرزها سببان متلازمان؛ أولهما، رمزية الموقع لبنانيا وعربيا ودوليا، وهو يشكل مفتاحا لحصانة دولية وإقليمية. ثانيهما، حاجة الحريري إلى الموقع لأسباب مالية

هنا، لا بد من إلقاء الضوء على ثلاث نقاط متلازمة:

الأولى، وجود مصلحة للحريري بالعودة إلى رئاسة الحكومة لعدة أسباب أبرزها سببان متلازمان؛ أولهما، رمزية الموقع لبنانيا وعربيا ودوليا، وهو يشكل مفتاحا لحصانة دولية وإقليمية تتيح له العديد من المزايا والقدرات والفرص (تعويم وإستثمار وحتى إفادة البلد إلخ). ثانيهما، حاجة الحريري إلى الموقع لأسباب مالية غير خافية على أحد، فالرجل إذا “تقاعد” من التسوية الرئاسية (“البزنس” في صلبها لا بل في أصل ولادتها)، لن يجد مدخولا يكفي لتغطية السفر والأكل والشرب والسيجار ودفع رواتب ما بقي من متفرغين، فكيف برواتب مئات العسكريين الذين يحمون بيت الوسط والمواكب الحريرية وماذا عن رواتب آلاف المصروفين المقسطة رواتبهم وتعويضاتهم من الآن وحتى العام 2023؟

الثانية، محاولة الحريري تحسين شروط العودة عبر الدلع والغنج والمناورة وحرق الأوراق والأسماء ورمي الشروط ومن ثم الشروط المعاكسة، والأمثلة كثيرة، من إبلاغه الخليلين أنه يريد حكومة من دون جبران باسيل وعندما إجتمع في اليوم التالي بالأخير قال له العكس؛ يريد حكومة من دون حزب الله وعندما إلتقى بالخليلين أبلغهما أنه لا يمانع أبدا تمثيل الحزب؛ قال إنه يريد حكومة تكنوسياسية ثم فجأة صار يريد حكومة إختصاصيين (تكنوقراط فقط) إلخ..

المؤسف أن لعبة الوقت باتت ضد لبنان وإقتصاده وأموال المودعين، كما ضد الحراك الذي أصبح بحاجة إلى إنجاز يخرجه من المراوحة القاتلة

في هذه النقطة تحديداً، يتصرف الحريري، وهو متيقن أن نبيه بري وحسن نصرالله متمسكان به أكثر من أي وقت مضى لرئاسة الحكومة، يشاركهما ميشال عون، ولو بدرجة أقل، ولذلك، هذه هي اللحظة المناسبة لفرض شروطه على هؤلاء الثلاثة مجتمعين بهدف الوصول إلى حكومة تلبي التطلعات الحريرية وأبرزها الآتي:

أ – تشكيل حكومة تكنوقراط بمواصفات (الأسماء والحقائب) تجعله يستحق مواصفات “الفدائي” و”البطل” و”المنقذ”.

ب ـ  أن يتمكن من إنتزاع الصلاحيات الإستثنائية التي طالب بها من أول الطريق (بعد إستقالته) لكن هذه المرة ليس بتنازل مجلس النواب عن صلاحياته، إنما من خلال ما يسميه “فريق عمل حكومي متناغم ومنسجم ومتماسك”.

ج – ربط “الإنقاذ المالي والإقتصادي” (بما في ذلك تنفيذ مقررات “سيدر” ومحاولة الحصول على ودائع وقروض جديدة ميسرة) بإطلاق يده وفريقه “لأن تجربة الحكومتين السبقتين تشي بعكس ذلك، وخير دليل تأخير تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر” من مطلع ربيع العام 2018 حتى يومنا هذا”.

د – وضع ملف التنقيب عن الغاز في البحر بعهدته سياسيا، وذلك حتى يتمكن من الإيفاء بإلتزاماته لصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر الذي وعده بإعطاء ضوء أخضر للمؤسسات المالية الأميركية والعالمية لتقديم قروض ومساعدات للبنان، إذا وافق لبنان على “خط هوف” في البحر. وهنا ثمة ملاحظة أن الثنائي الشيعي(حزب الله وأمل)، إعتبرا أن أقصى ما يمكن تقديمه من تنازلات في هذا الملف هو رعاية الأمم المتحدة مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية بحضور ممثلين للولايات المتحدة هدغها الترسيم الحدودي، البري والبحري المتلازم، وقد وافق الأميركيون على هذه الصيغة لكن تل أبيب نسفتها، وإشترطت ألا تكون الأمم المتحدة لا شريكة ولا راعية بل مجرد وعاء جغرافي للمفاوضات (إستضافة المفاوضات في مقر “اليونيفيل” في الناقورة).

الثالثة: يراهن الحريري على الوقت كعنصر ضاغط على الآخرين (بري وعون وحزب الله) لفرض شروطه، خصوصا في ظل الواقع الإقتصادي والمالي المأزوم (يقول الحريري إن الإنهيار حاصل حتما ولا بد من تحديد الخسائر).

يقود هذا العرض إلى خلاصة مفادها أننا، وفي حدود المعطيات الداخلية (العناصر الخارجية موجودة وتحتاج إلى مقاربة مستقلة)، ثمة لعبة وقت يمارسها الجميع، حتى يصرخ أحدهم قبل الآخر. الأكيد أن بري وحزب الله (الخليلان) قررا تبريد محركاتهما، وهما ينتظران من الحريري أن يبادر للنزول عن شجرة مطالبه وشروطه العالية، بينما يريد الحريري للعبة عض الأصابع أن تنتهي بوجع الآخرين وإستجداء عودته بشروطه لا بشروطهم.

المؤسف أن لعبة الوقت باتت ضد لبنان وإقتصاده وأموال المودعين، كما ضد الحراك الذي أصبح بحاجة إلى إنجاز يخرجه من المراوحة القاتلة، فهل ينتظر الجميع صدمة من نوع آخر، ومن سيكون ضحيتها هذه المرة؟

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download

180Post