خوارزمية السوريين للبقاء على قيد الحياة تحت خط الفقر… المدقع!

لا توجد أرقام دقيقة للواقع الاقتصادي والمعيشي في سوريا، إذ تتفاوت الأرقام بين منظمة وأخرى، وهي تعتمد بمجملها أرقاماً تقديرية، إلا أن جميع الدراسات والإحصاءات يؤكد على وجود فجوة كبيرة بين الدخل والإنفاق، وأن نسبة كبيرة من السوريين تعيش في ظل "الفقر المدقع".

يبتسم “أبو وسام” عند سماعه سؤالاً حول كيفية تأمين متطلبات الحياة لعائلته، يجيب باقتضاب “اتركها على الله”، قبل يستدرك “ما في حدا بهالبلد إلا مديون، ما حدا بيعرف أساساً كيف عايش، ليش نحنا عايشين!”.

“أبو وسام” الذي يعمل موظفاً حكومياً نهاراً، وسائق سيارة أجرة مساءً، وهو رب أسرة مكونة من أربعة أشخاص، يعتبر نفسه محظوظاً لكونه يعمل بدوامين، ولديه شقيق يعمل في الخليج يرسل إليه بين وقت وآخر بعض المال.

لا يعرف “أبو وسام”، مثل معظم السوريين، الراحة حتى في أيام العطل، حيث يستغل العطلة للعمل على سيارة الأجرة بدوامين (صباحي ومسائي)، لتأمين أساسيات الحياة. خلال حديثه إلى “180”، يرى “أبو وسام” أن الزيادة الأخيرة للرواتب “أحسن من بلا”، إلا أنه في الوقت نفسه يخشى استمرار صعود الدولار، وتراجع قيمة الليرة السورية، الأمر الذي تسبب “بتآكل الزيادة بشكل كامل”، موضحاً أن الأمر إن استمر على ما هو عليه فإن الراتب لن يكفيه وعائلته أكثر من يومين.

أقرّت الحكومة السورية، وفق مرسوم أصدره الرئيس السوري بشار الأسد، زيادة على رواتب الموظفين قبل نحو أسبوعين، حيث تمت زيادة مبلغ 20 ألف ليرة سورية لكل موظف، ورفع الحد الأدنى للأجور وسقف الرواتب أيضاً، إلا أن الزيادة تزامنت مع تراجع قيمة العملة السورية أمام الدولار بشكل كبير خلال فترة لم تتجاوز الشهر، حيث قارب سعر صرف الدولار الألف ليرة سورية، من دون أي تدخل فعلي من قبل مصرف سوريا المركزي، حتى الآن، الأمر الذي تسبب بارتفاع قيمة معظم السلع بنسب تتراوح بين 40 إلى 70 بالمئة.

ومقارنة بسعر صرف الدولار، يبلغ راتب “أبو وسام”، بعد الزيادة نحو 44 دولاراً شهرياً فقط، وهو لا يكفي أسرته لأكثر من 5 أيام، على الرغم من “التقشف” الشديد الذي يعيشه، والذي يفرضه دخله المتدني.

ذكريات “خط الفقر” الجميلة!

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا أصدر في شهر آذار الماضي تقريراً عن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لعام 2019. وذكر التقرير الأممي أن نحو 83% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهو أدنى مستوى من الدخل يستطيع به الفرد أن يوفر مستوى معيشة ملائماً، كما أن 33% من السكان في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

83% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهو أدنى مستوى من الدخل يستطيع به الفرد أن يوفر مستوى معيشة ملائماً

وقدَر التقرير أن 11.7 مليون سوري بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية المختلفة، كالغذاء والمياه والمأوى والصحة والتعليم.

وأوضحت البيانات أن العدد الأكبر من المحتاجين للمساعدات يتواجدون في حلب، يليها ريف دمشق، ثم إدلب، وأن عدد المحتاجين للمساعدة في أماكن يصعب الوصول إليها يبلغ أكثر من مليون سوري.

وأفاد التقرير بأن نحو 100 ألف طفل يعانون من نقص غذائي حاد، وهو رقم قابل للازدياد إذا لم يتم تقديم مساعدات عاجلة، كما بيَن ارتفاع أعداد النساء الحوامل والمرضعات اللواتي يعانين من سوء التغذية الحادة بنسبة 100 في المئة.

الأرقام والإحصاءات التي قدمتها الأمم المتحدة نشرت في شهر آذار الماضي، في وقت كان يبلغ فيه سعر صرف الدولار نحو 540 ليرة سورية، في حين يقارب فيه سعر الصرف في الوقت الحالي الألف ليرة، وسط تراجع متواصل لقيمة الليرة السورية.

ووفق أرقام البنك الدولي، فإن الفقر المدقع يشير إلى الأشخاص الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، أي ما يعادل 47 دولاراً في الشهر، الأمر الذي يضع قسماً كبيراً من الموظفين تحت خط الفقر المدقع حتى بعد زيادة الرواتب، في وقت توجد فيه شريحة كبيرة من السوريين خارج الوظائف الحكومية، سواء من يعمل في القطاع الخاص، أو غير المنظم، أو حتى يبحث عن عمل.

من سيء إلى أسوأ

يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة حلب حسن حزوري أنه في ظل الأسعار السائدة حالياً تحتاج الأسرة السورية المكونة من خمسة أفراد إلى أكثر من 300 ألف ليرة سورية شهرياً، لتؤمن متطلبات الحد الأدنى من المعيشة، بينما دخلها لا يتجاوز ثلث ذلك المبلغ على أبعد تقدير، ولذلك فمن أجل تأمين سبل العيش، يلجأ المواطن السوري الموظف إلى العمل خارج أوقات الدوام الرسمي، ضمن القطاع غير المنظم، لسدّ جزء من الفجوة بين الدخل ومتطلبات المعيشة، حيث ينفق معظم دخله على الطعام والشراب والملبس والسكن والمواصلات وغيرها من الأساسيات بشكل رئيسي.

تحتاج الأسرة السورية المكونة من خمسة أفراد إلى أكثر من 300 ألف ليرة سورية شهرياً، بينما دخلها لا يتجاوز ثلث ذلك المبلغ على أبعد تقدير

خلال حديثه إلى “180”، يشير الدكتور حزوري إلى أن قسماً كبيراً من السوريين يعتمد على المساعدات، سواء كانت من المنظمات والجمعيات الإغاثية، أو من خلال التحويلات الخارجية التي تَرِدهم من أقرباء لهم في الخارج، مع الأخذ بعين الاعتبار توفر بعض السلع الضرورية المدعومة من الحكومة وخاصة الخبز والمحروقات والكهرباء.

وفي ظل تفاوت أسعار صرف العملات بين النشرة الرسمية التي يعتمدها مصرف سوريا المركزي (434 ليرة)، وبين سعر الصرف الحقيقي في السوق السوداء، يرى اقتصاديون أن الحكومة السورية خسرت أحد مصادر العملة الأجنبية، حيث باتت معظم الحوالات إلى داخل سوريا تصل عبر شركات غير نظامية، أو أشخاص، بعيداً عن الحكومة، كون التحويلات وفق أسعار الحكومة ستفقد تقريباً نصف قيمتها.

في رده على سؤال حول كيفية قدرته على الحياة من راتبه كأستاذ جامعي في جامعة حكومية، يشرح الدكتور حزوري الأمر قائلاً إن “نسبة من يعيشون تحت خط الفقر والفقر المدقع في سوريا اقتربت من 85%، ويعتبر أساتذة الجامعات الحكومية هم الأعلى دخلاً، إذا حسبنا لهم جميع التعويضات التي يحصلون عليها، بين جميع العاملين في الدولة، ولكن مع ذلك دخلهم لن يكفي أكثر من نصف متطلبات الإنفاق كحد أقصى، لأسرة مكونة من خمسة أشخاص، نستثني منهم أساتذة الجامعات الخاصة”.

ويشير حزوري إلى أن “تأمين الحاجيات يكون من خلال العمل ساعات إضافية في الجامعات الخاصة والاعتماد على مدخرات سابقة في غالب الأحيان”.

لولا الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، لكان الوضع المعيشي أكثر سوءا مما هو عليه الآن

وحول مستقبل الفجوة بين الدخل والإنفاق في سوريا، يؤكد حزوري أن “الفجوة ستستمر، في ظل الحرب والعقوبات التي يقال إنها مفروضة على الحكومة السورية وهي في الواقع مفروضة على الشعب”.

وعن الحل، يذكر الأستاذ في كلية الاقتصاد أن “حل الفجوة يكون من خلال زيادة الانتاجية ودعم قطاعات الاقتصاد الحقيقي ولا سيما القطاع الزراعي والصناعي، فلولا الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، لكان الوضع المعيشي أكثر سوءا مما هو عليه الآن”.

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course

180Post