علي شهاب, Author at 180Post

DSC_9121-1280x1038.jpg

لم يعتد اللبنانيون على مصطلح “الأمن القومي”، فأدبيات معظم السياسيين لا تلامس في العلن أدوار ومصالح الخارج في رسم مشهد الداخل، ناهيك عن أنّ اللبنانيين يختلفون على “دور” و”هوية” بلدهم تاريخيًا.

تنسحب إشكالية الهوية هذه على الإعلام اللبناني بطبيعة الحال. ليس المقصود هنا التمويل السياسي الذي تخضع له المؤسسات الإعلامية وتتساوى في التبعية له على مستوى سياستها التحريرية، بل ما يتعدى ذلك إلى التأثير على نفس أداء الأفراد العاملين في هذه المؤسسات و”موضوعيتهم”، مع أن إدعاء “الموضوعية” بات شعارا فقد بريقه ولم تعد وسائل الإعلام الذكية في العالم “تبيعه” لمستهلكي الأخبار في الفضاء المعلوماتي الرحب، و حلّت بدلًا منه نظريات التكامل والتنوع.

وعلى الرغم من أن مخاطبة جمهور الإعلام الجديد (ومنه الإعلام الاجتماعي) باتت تطلب جهدًا أكبر، فإن وسائل الإعلام اللبنانية لا تمتلك “تَرَفَ” إنتظار “مطبخ التحرير” في الأحداث الساخنة، في ظل تنافسها على “الرايتنغ” ومقاربتها الإعلام الاجتماعي بكثير من ذهنية الإعلام التقليدي. ولعلّ هذا احد الأسباب الرئيسية في عدم تخصيص الإعلام اللبناني موارد خاصة بصناعة المحتوى للإعلام الجديد، والإكتفاء بمحاولة جلب جمهور شبكات التواصل إلى الشاشة والصحيفة عبر “تهجين” المحتوى التقليدي وإطلاق حملات متزامنة تقتصر في العادة على “هاشتاغ” عبر تويتر ومنشورات مدفوعة الثمن يروّج لها “مؤثرون” و”مؤثرات”، فضلًا عن الإعتماد على العاملين في المؤسسات نفسها للترويج لما يتناسب وسياسة المؤسسة بحسب الأحداث، لا المهنية ولا الموضوعية أو غيرها من الشعارات التي تدحضها بالكامل أموال الممولين في نهاية كل شهر.

تقديم “القصة” الإعلامية هو السلاح الذي يخترق به هذا الإعلام الحواجز الجغرافية واللغوية والقومية

قد يناقش البعض في أن الحال نفسه في الإعلام العالمي الذي لا يحيد عن أجندة مموليه، ولكنهم يغفلون في أنّ تقديم “القصة” الإعلامية هو السلاح الذي يخترق به هذا الإعلام الحواجز الجغرافية واللغوية والقومية، وهو ما اختبرته بعض وسائل الإعلام اللبنانية في فترات قصيرة (تجربة الزميل خالد صاغية في إدارة أخبار المؤسسة اللبنانية للإرسال تستحق الدرس والتعميم)، فنجحت في مخاطبة “المجتمعات” اللبنانية كافة قبل أن تتحكم بأدائها مجددا حسابات مختلفة.

في الحراك الشعبي الراهن، لم يخرج المشهد الإعلامي اللبناني عن واقعه المحدود، بل يمكن القول إنه غرق أكثر في وحل الإستقطاب الحاد وبات أكثر إنكشافًا أمام الجمهور، وإن كان بطبيعة الحال لا يزال يحظى بتأثيره النابع من “سيكولوجيا الجماهير”.

من هنا يمكن تفسير حملات الشتم لوجوه إعلامية كثيرة خلال الحراك، والمغالاة في محاولات تهشيم حضورها، وهي محاولات كانت تحصل مسبقا بطبيعة الحال ولكنها صارت هذه المرة أكثر حدة.

ومن الواضح بحسب أدوات تحليل متخصصة أن الكثير من الوسوم (هاشتاغ) عبر تويتر تنطلق من حملات منظمة لا يمكن لأفراد قيادتها او التخطيط لها، بل هي صناعة “جيوش الكترونية” تابعة للأحزاب والسياسيين.

ويمكن الإستدلال على هذه المسألة حتى من دون أدنى معرفة بأدوات التحليل اللازمة عبر مراقبة المضمون واللغة والمفردات المستخدمة في هذه الحملات ليتبين الجهة التي تقف وراءها.

التغيير والإصلاح في الإعلام اللبناني هو أولوية لا تقل أهمية عن الاقتصاد، إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية بالإصلاح

أمام هذا المشهد، تصح عبارة “كلّن يعني كلّن” في معرض وصف مشاركة جميع المكوّنات السياسية اللبنانية في ما يجري من توجيه أو تحريض أو تزييف.

وبالحديث عن التزييف، فإن “التايملاين” اللبناني – كما نظيره “العراقي”- بات موضع دراسة للمتخصصين في كشف “الأخبار الزائفة”، مع وفرة هذا النوع من الأخبار إلى حد طغيانه على الوقائع تمامًا، حتى بات كل خبر مشكوك بأمره حتى تثبت صحته!

ولكن هل هي مسؤولية الإعلام والإعلاميين فقط؟ وهل المطلوب من الجمهور أن يرقى إلى مستوى الإحتراف في مكافحة الأخبار وفهم خلفيات نشرها؟

تتحمل المنظومة اللبنانية المسؤولية الأساس في الواقع الإعلامي الذي وصلنا إليه، فلا استراتيجية ولا رؤية عصرية، وكل المحاولات السابقة من مشاريع قوانين أو قوانين تم إقرارها انما جاءت متأخرة أصلًا عن سرعة التطور الذي يسير به الإعلام والفضاء الإلكتروني.

وقبل ذلك كله، يضيع الخيط الدقيق الفاصل بين “حرية التعبير” و”المسؤولية”، فتنقلب المفاهيم ويصير معها الشتم أداة التعبير لجماعة يقودها الدين، ويصير معها العنف اللفظي سلاحًا لجماعة تدعو إلى السلم.

وبإنتظار جلاء المشهد الذي سيسفر عن مطالب الحراك، فإن التغيير والإصلاح في الإعلام اللبناني هو أولوية لا تقل أهمية عن الاقتصاد، إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية بالإصلاح.

WhatsApp-Image-2019-11-17-at-12.28.11.jpeg

كغيري من عشرات الاف الشباب اللبناني الكافر بالطبقة السياسية والخائب أمله بالأداء الحكومي للأحزاب اللبنانية، كان من الطبيعي أن أقف منذ اليوم الأول إلى جانب الحراك المطلبي الصادق من دون أي تردد. لا يمكنك في بلد كلبنان أن تجد نفسك إلى جانب نظام يتغذى على الطائفية ويمتص موارد البلاد ليستمر في العيش وإعادة توليد نفسه بالتوريث والإقطاعية والتأطير.

وفي بلد كلبنان، ليس مستغربًا أبدًا أن تحاول جهات محلية وخارجية ركوب موجة المطالب الشعبية المحقة. لم يكن هذا غائبًا عن بال كثيرين ممن نزلوا إلى الساحات منذ اليوم الأول. في الواقع، إنّ التدخل الخارجي هو أيضًا أحد مآسي هذا الوطن الذي لم ينجح يومًا في تقديم “هوية” جامعة لأبنائه والإجابة على هواجسهم، وتوفير انتماء يضع حدًا لبحثهم الدائم عن مدد من وراء البحار والحدود.

وكمواطن من جنوب لبنان دمرت إسرائيل منزله مرتين، واستجوبته عدة مرات حين كان فتًى ينتظر أيامًا أمام حاجزي الذلّ في “باتر” و”بيت ياحون” ليعبر مع أهله إلى قريته الحدودية، فإنّ موقفي من عدوانية إسرائيل لا ينبع من خلفية عقائدية أو سياسية، بل هو ببساطة قضية حقوق إنسان يرفض المهانة والإستكبار وإعتباره بشرًا من الفئة الدنيا.

وبالحديث عن الهوية والإنتماء، قُيّض لي قبل سنوات أن أعود إلى المقاعد الجامعية لدراسة التاريخ، باعتبار أن فهم الماضي يتيح للعقل البشري استشراف المستقبل وأخذ العِبَر من سنن التاريخ وقواعده.

وأذكر أنه في الدرس الأول في مادة “الحضارة الفينيقية”، أخبرنا الأستاذ أن ملك “بيبلوس” (مدينة “جبيل”) أرسل رسالة إلى فرعون مصر عارضًا عليه “رشوة” من خشب الأرز والسنديان، مقابل أن يقود حاكم مصر حملة عسكرية لتأديب ملك “أحيرام” (مدينة “صور”). من يقرأ تاريخ الفينيقيين يُدرك أنهم لم يكونوا يومًا قلبًا واحدًا، ولم يتفقوا على أمر جامع، وكانوا يستمدون دائمًا العون من الخارج على الداخل، في حين كانت الهجرة بالغ آمالهم.

إدارة مكافحة الفساد تتطلب في لبنان إدارة للشارع، قبل كل شيء، ودراية سياسية وأمنية

وبالعودة إلى أيامنا، فقد كنت، حتى اليوم الخامس من الحراك الشعبي، منخرطًا بالكامل مع المطالب الشعبية التي لا يمكن لعاقل أن يعارضها أو يرفضها، لكن ثلاثة تحولات دفعتني إلى التريّث:

– تصدّي شخصيات إعلامية وناشطين لا أثق بحياديتهم للتحدث باسم الحراك، من دون أن يعني ذلك التشكيك أبدًا بمصداقية الفئات الشعبية الصادقة والمتضررة من الفساد، ولكن المشهد يتحول يومًا بعد يوم إلى “بوسطة” غير معلوم من يقودها، بل قد يقرر أفراد – لا أثق بكفاءاتهم وأشكّ في نزاهتهم – التأثير في مسارها، بحسب ما رأيت بأم العين.

– الإطلاع على “مبادرات” لتنظيم “الثورة” لا يمكن أن تصدر عن فرد أو إثنين، أو حتى جماعة لبنانية واحدة. ولست أتحدث هنا بمنطق أولئك الذين يشككّون بسذاجة بشعار “القبضة” أو يتناقلون أخبارًا زائفة عبر شبكات التواصل و”واتسآب” لتشويه الحراك وشيطنته، بل أنا أتحدث من منظور مهني خالص عارف بالجهد والوقت والموارد اللازمة لإطلاق مثل تلك “المبادرات” التي توقفت عندها. علمًا أني سأترك التفصيل في هذه النقطة إلى وقت لاحق، كون فعل البحث عن الحقيقة في بيئة متوترة يبدو ضربًا من الجنون الذي لا يفضي إلى أي نتيجة، وعلينا إنتظار مرور الوقت وهدوء الأنفس والعقول قبل التصريح عما بجعبتنا أحيانًا.

– بدء صدور المواقف الدولية، من هنا وهناك، حول حراك الشعب اللبناني، وعدم قدرة المحتجين الصادقين على التعامل بطبيعة الحال مع هذه المواقف بالشكل الصحيح كونهم ببساطة لا يمتلكون رؤية متكاملة تجيب على الهواجس “السياسية” لدى شريحة واسعة من اللبنانيين ممن يحملون مطالبهم نفسها ويعانون أضرار الفساد وتبعاته، ولكنهم معبئون سياسيًا ولهم قناعاتهم التي لا يمكن اختزالها أو تجاهلها.

ولأن “النظام” بمعنى System وOrder هو حاجة طبيعية كالغذاء لتحقيق الأمان، تصير مكافحة الفساد، في بلد هشّ التركيبة، حقًا يحتاج إلى قوة سياسية ليصبح قابلا للتنفيذ. ولعلّ هذه المسألة هي “مربط الخيل” في معظم النقاشات التي انخرط فيها أكاديميون وإعلاميون وصحافيون وشخصيات محترمة ورصينة في معرض لومهم حزب الله لعدم ملئه الفراغ في الشارع إلى جانب المتظاهرين المحقين، وإغتنام الفرصة لـ”قطف” فرصة مكافحة الفساد.

من المفارقات أن الجواب على هذه المسألة – المعضلة من السذاجة بمكان أنه يبدو غير قابل للتصديق للوهلة الأولى: تخيلوا لو تعرضت سيدة واحدة محجبة في أيام الحراك لإهانة من “مندس” أو لإعتداء من “دخيل” او لـ”خطأ” في التعامل من عنصر أمني رسمي؟ من كان بمقدوره عندها أن يضبط الشارع في لبنان؟ من يُقنع عندها بيئة مستنفرة بالكامل وشديدة الحذر وتشعر بالإستهداف صباحًا ومساء (بغض النظر عن أي نقاش في صحة ودقة الإستهداف) بأن ما يجري ليس مقدمة لحرب عليها؟

أقول أن الإجابة شديدة السذاجة لأن الناس لا تلتفت عادة إلى الإحتمالات البسيطة عند تحليلها الأحداث، كما أن العقل البشري يقع في فخ “تحليل الأحداث” عندما يتعرض للدفق الإخباري ويظنّ ذلك “تحليل سيناريوهات”.. وشتّان ما بين الإثنين.

هل يعني هذا المنطق الانسحاب من الشارع والكف عن المطالب الشعبية؟ الجواب بوضوح: كلا. لكن إدارة مكافحة الفساد تتطلب في لبنان إدارة للشارع، قبل كل شيء، ودراية سياسية وأمنية.

قد لا ينال كلامي هذا قبول الكثيرين، لكني أنصح من يعارضني الرأي أن يقرأ مقالتي هذه بعد أن يتأكد أن ذهنه غير منجرف مع تيار العاطفة، وأن من يفكر هو عقله لا حماسته.

(*) اللوحة المرفقة بريشة الفنانة اللبنانية Elodie Sonbol

depositphotos_199017994-stock-photo-lebanon-usa-two-flags-waving-1.jpg

خرج اللبنانيون إلى الشوارع متحررين من قيود المذهبية والطائفية بحثًا عن هوية ضائعة منذ قيام لبنان. هؤلاء يرفعون شعارات تبدأ من عند إسقاط النظام وتنتهي عند فرصة علم أو عمل أو ربطة خبز. ماذا عن نظرة الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة للبنان في هذه اللحظة؟

180Post