دبلوماسية بايدن اليمنية: إنهاء الحرب ثم التقسيم!

ست سنوات على حرب اليمن. حرب خاضتها قوات التحالف بزعامة الولايات المتحدة وبشراكة مع السعودية بدءاً من أيلول/ سبتمبر 2015. سبقها قرار الأميركي بالخروج من صنعاء في العاشر من شباط/فبراير 2015. ست سنوات، لكن ماذا بعد وصول إدارة أميركية جديدة؟

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن الأسبوع الماضي عن وقف دعم بلاده للحرب على اليمن بعدما سبق ذلك تعليقه صفقات بيع السلاح للسعودية بما فيها 3000 قنبلة “GBU -39” من “بوينغ”، وأكثر من 7000 ذخيرة “Paveway” من “Raytheon”، وغيرها من الأسلحة والذخائر. 

وفي قرار آخر، صرّح بايدن بأنه سيعيد النظر في تصنيف حركة “أنصار الله” الحوثية على قائمة الجماعات الإرهابية في اليمن. 

قد تدل هذه القرارات على تكتيك أميركي جديد في التعامل مع ملف اليمن، بعدما فشلت كل السياسات السابقة ومبادرات السلام الهزيلة في إحداث أي تغيير فعلي فيه. 

يعتمد هذا التكتيك المتلطي خلف “الوضع الإنساني” الكارثي في اليمن على جهود “الدبلوماسية القصوى”، عوضاً عن “الضغوط القصوى” لسياسة دونالد ترامب الخارجية، لذا أوكلت المهمة إلى تيموثي ليندركينغ، الدبلوماسي العريق الذي خدم معظم حياته المهنية في الشرق الأوسط، والذي يعد على دراية وثيقة بالأنظمة الملكية في الخليج، خصوصاً في السعودية.

ساحة لصراع الإرادات

يعتبر اليمن بوضعه الحالي أحجية صعبة ومعقدة لكل من يبحث عن دور فيه، إذ يشكّل ساحة اقتتال واحتراب بين الكثير من التنظيمات والتشكيلات العسكرية والسياسية مع اختلاف الداعمين لها، كحركة “أنصار الله”، المدعومة إيرانياً، والتي تسيطر على معظم مناطق اليمن الحيوية، من الوسط حتى صعدة المتاخمة للسعودية، وعلى الساحل الغربي حتى ميناء الحديدة، متخذة من العاصمة صنعاء مقراً رسمياً وشرعياً لها؛ بينما تقتتل جماعات أخرى في المناطق المتبقية من اليمن، كـ”حزب الإصلاح” المدعوم من تركيا وقطر، والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، والذي يسيطر على جنوب الساحل الغربي وعدن وما بينهما، وحكومة عبد ربه منصور هادي في المنفى المدعومة سعودياً، بالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية كالقاعدة والدولة الإسلامية  – ولاية اليمن.

إزاء ما تقدم، سيتعيّن على ليندركينغ أولاً القيام بجولات على العواصم الداعمة للقوى المتواجدة حالياً فوق الأراضي اليمنية لخلق أرضيّة تمكنه لاحقاً من الانطلاق نحو اتفاق شامل ونهائي للملف اليمني، وهذا ما بدأه وزير خارجية بلاده أنتوني بلينكين فعلاً باتصاله بنظيره السعودي فيصل بن فرحان، معلناً في تغريدة له أنه ناقش مع بن فرحان مسائل عديدة من ضمنها انهاء الحرب على اليمن. 

ستتطلب المقاربة الأميركية الجديدة من ليندركينغ أيضاً، الاتصال بالحوثيين والاعتراف بهم رسميا كقوة شرعية ودستورية، بجانب العمل مع الإمارات والقوى الحليفة للسعودية على إخراج الأخيرة من صدمة القرار وحيرته، وإفهامها بأن عهد ترامب قد انصرم، وبأن عهدا آخرا قد حل عنوانه العريض: الدبلوماسية، لا التعنت ورفع سقف الشروط والمطالب.

باب المندب ودور اليمن الإقليمي

لتلك العواصم رؤى وأهداف في اليمن. فإيران ترى أن حركة “أنصار الله” بما تتشاركه معها، أيديولوجياً وسياسياً واستراتيجياً، ضرورةً وامتداداً لنفوذ ما يسمى بـ”محور المقاومة” في الشرق الأوسط في عمق الجزيرة العربية. وبالاضافة الى قدرة ايران على التحكم بمضيق هرمز، فإنَّ تمكن الحوثيين من فرض سيطرة معلنة على مضيق باب المندب – بما يشكله من أهمية بالغة في ربط السواحل الغربية للجزيرة العربية بالمحيط الهندي جنوبا والبحر المتوسط شمالا عبر قناة السويس – سيعني الاستحواذ على حركة الملاحة البحرية العالمية، والقبض على أعناق دول الخليج والتحكم بأسعار النفط العالمية، ومن شأنه أن يقلل من جهود التمويه والاستتار في نقل السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في غزة، بحيث تصبح عملية النقل أكثر رشاقة وخفة. 

لا بد من الاشارة أيضاً إلى أن باب المندب تمر من خلاله السفن الإسرائيلية المتجهة نحو ميناء إيلات في فلسطين المحتلة، الأمر الذي يعتبر نقطة مهمة في “الأمن القومي الإسرائيلي”، وقد عبّر عن ذلك بنيامين نتنياهو في تصريح له عام 2018 حين هدد إيران من مغبة إغلاقها للمضيق عبر حلفائها في اليمن. زدْ على ذلك أن إتفاقيات التطبيع ولا سيما بين إسرائيل والإمارات تحمل في طياتها تفاهمات تتصل بالعديد من الممرات المائية ربطاً بمتطلبات أمنية إسرائيلية.

أما السعودية، وبرغم ترحيبها عبر وسائل إعلامها بالقرار الأميركي، إلا أنها لا ترى أن من مصلحتها إيقاف الحرب على اليمن، خاصة أن عدوّها الأساس في هذه الحرب لم يهزم بعد. ولذلك فإن الرياض تبدو أكثر ميلاً نحو سياسة ترامب السابقة القاسية، كتشديد الحصار حتى رضوخ الحوثيين. لكن السعودية اليوم في وضع لا تحسد عليه في ظل الحديث عن خلاف بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد حول ملفات المنطقة ولا سيما حرب اليمن، بجانب الموقف من سياسات الرئيس جو بايدن، وأيضاً بسبب التباين الخليجي في المواقف والاصطفافات الجديدة الحاصلة في جوارها. 

لذا لا بد للسعودية أن تبحث عن مخرج لها من ملف اليمن المكلف مادياً وانسانياً وسياسياً، خاصة أن بايدن أكد في أولى تصريحاته على تشدد إدارته وحزمها في التعاطي مع قضايا حقوق الانسان. 

تقسيم اليمن وتوزيع الأقاليم

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": إسرائيل تبحث عن صورة إنتصار ما!

سيكون تقسيم اليمن موضوعاً مطروحاً على طاولة المفاوضات إن إلتأمت بين القوى المتنازعة. ويعارض الطرفان الأميركي والحوثي، على حد سواء، الطرح القائل بتقسيم اليمن إلى شمال وجنوب.

تتفق الأطراف جميعهاً أيضا على أن الحل في اليمن لن يكون قريباً، بل سيكون هناك مسار طويل ومضن من الجهود الديبلوماسية والأخذ والرد قبل الوصول إلى اتفاق شامل

ينطلق الحوثيون في معارضتهم من مبدأ وطني يؤمن بيمن واحد موحد بشعبه وأراضيه وثرواته، ويحذرون من خطورة العبث بالديموغرافية اليمنية الحساسة، بينما يرتكز الموقف الأميركي الرافض على خطورة ترك الشمال بيد “أنصار الله”، ما من شأنه تحويله إلى ترسانة عسكرية واسعة تهدد أمنه وأمن الكيان الإسرائيلي، وأيضا من تركز الكتلة البشرية فيه، ما قد يجعل الجنوب فريسة سهلة للحوثيين عند أي أزمة لاحقة. 

أما ما يبدو وارداًً فهو أن الأطراف الأخرى، كالسعودية ومواليها، ستطرح تقسيما على أساس وثيقة مخرجات “مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن” (الذي اختتم في كانون الثاني/يناير 2014) باعتماد شكل اتحادي للدولة اليمنية يتألف من ستة أقاليم. 

لا بد من التذكير هنا بأنه على إثر رفض أحمد شرف الدين، ممثل “أنصار الله” لهذا الطرح في المؤتمر، قامت أميركا باغتياله في صنعاء، لتكشف قناة “المسيرة” بعد اعتقال أحمد بن مبارك عن مؤامرة كانت تعدها أميركا والسعودية لتمرير التقسيم بالاشتراك مع عبد ربه منصور هادي. 

أما اقاليم التقسيم المذكورة فهي كالتالي:

  1. أربعة أقاليم شمالية وهي: إقليم أزال (صنعاء وعمران وصعدة وذمار) وإقليم سبأ (البيضاء ومأرب والجوف) وإقليم الجَنَد (تعز وإب) إقليم تهامة (الحديدة وريمة والمحويت وحجة).
  2.     إقليمان جنوبيان هما: إقليم عدن (عدن ولحج وأبين والضالع) وإقليم حضرموت (حضرموت وشبوة والمهرة وجزيرة سقطرى).

وتتحدث مصادر أخرى عن طرح آخر في التقسيم على أساس مناطق سيطرة القوى المتنازعة فيه، ضمن أقاليم ثلاثة:

  1.     إقليم صنعاء، ويضم المحافظات التي يسيطر عليها “أنصار الله” وهي: صنعاء – أمانة العاصمة، وصعدة، وإب، وعمران، وذمار، وريمة، والحديدة، والمحويت، والبيضاء، وحَجَّة.
  2.     إقليم حضرموت، ويضم المحافظات التي تسيطر عليها حكومة هادي: حضرموت، والمهرة، وشبوة، وسقطرى، مأرب، والجوف، وأبين (المناطق الممتدة على طول الخط الواصل بين مدينة شقرة جنوبا الى مدينة لودر شمالا مرورا بمنطقة العرقوب).
  3.     إقليم عدن، ويضم المحافظات التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي: عدن، لحج، الضالع، بالاضافة إلى تعز، والجزء الغربي من أبين من مدينة زنجبار جنوبا مرورا بمديريات سرار ورصد وسبّاح شمالا.

موقف “أنصار الله”

حتى الآن، يتعاطى الحوثيون بحذر ورويّة مع قرارات الرئيس بايدن، إذ ينتظرون منه ترجمة الأقوال إلى أفعال حددتها حركة “أنصار الله” على لسان الناطق الرسمي لها محمد عبد السلام الذي قال بأن على بايدن أن يبرهن جديته في إيقاف الحرب عبر وقف الغارات الجوية وفك الحصار عن اليمن. وكما تقول أوساط مقربة من الحركة، فلن يكون من نقاش قبل أن يرفع الحصار عن اليمن وان تحترم سيادته، وأي حديث عن التقسيم لا بد وأن يكون شأنا يمنياً بحتاً وعبر حوار وطني، ولن يكون من قبول لطرحه على طاولة المفاوضات مع أميركا أو غيرها. 

تتفق الأطراف جميعهاً أيضا على أن الحل في اليمن لن يكون قريباً، بل سيكون هناك مسار طويل ومضن من الجهود الديبلوماسية والأخذ والرد قبل الوصول إلى اتفاق شامل. يبقى السؤال دائما، برغم كل النوايا والظروف، هل يمكن التوصّل إلى حل سياسي في اليمن؟ ما هي تبعات التقسيم؟ والسؤال الأبرز، ما هو دور العدو الإسرائيلي المرتقب فيه؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  MBS VS MBZ: إنتهى شهر العسل