لبنان إلى التفاوض البحري مع قبرص.. وإلا التحكيم الدولي
NAQURA, LEBANON: The French navy unloads supplies in the southern Lebanese port of Naqura 26 July 2006 to provide food, water and petrol to the United Nations Interim Force in Lebanon (UNIFIL) base in the town, a dangerous zone along the border with Israel. In the background, the French warship Siroco (L) and frigate Jean Bart. AFP PHOTO/Eric FEFERBERG (Photo credit should read ERIC FEFERBERG/AFP via Getty Images)

في معضلة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية، ظهر مؤخراً طرح جديد يقتضي فرض التفاوض على قبرص لإعادة تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، ردّ خبراء وسياسيون مستغربين هذا الطرح وجدواه، واضعين إياه في خانة "التشويش" أو "إضاعة جهود وإمكانيات الوفد المفاوض".

تبدو عمليّة التفاوض غير المباشرة برمّتها مجمّدة إثر هروب العدو الإسرائيلي منها وتجميد الأميركيين وساطتهم، بعدما رسم لبنان خطاً جديداً للتفاوض البحري سمّاه خط 29. الوقت يداهم لبنان أيضاً ولا يمضي في صالحه، ففي ظل إهمال المؤسسات الدستورية اللبنانية حاجتها إلى إصدار مرسوم جديد ضامن لحقوق الشّعب اللبناني، وتغافل الأمم المتحدة عن التعدّيات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية، يتفرّغ العدو الإسرائيلي ويمعن في إعداد الخطوات الأولى لاستخراج النفط والغاز من حقل “كاريش”، غير آبه بأي اتفاق.

هذا الواقع يضفي تأكيداً بألّا جدوى ولا طائل من استكمال المفاوضات مع العدو الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال، وهذا هو بعينه ما يقال عنه إضاعة الجهود والإمكانيات. بالتالي، ينبغي على لبنان أن يستعجل في إجتراح مسار جديد لاسترجاع حقوقه وثرواته الوطنية، مراعياً القوانين والأعراف الدولية.

في سبيل وصول لبنان إلى غايته تلك، عليه أولاً أن يراجع الأخطاء التي اتّبعتها اللجان السابقة في عملية تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، ليقوم مجدداً برسم تصوّر جديد مبنيّ على أحدث وأفضل المعطيات والمنهجيات والتقنيات لتزويد وفده بها.

في ما يلي نورد الأسس التي اعتمدتها لجنة حكومة فؤاد السنيورة 2008-2009 في ترسيم الحدود البحرية:

  1. منهجية خط تساوي البعد البحتيّ (Strict Equidistant Line) على كامل الحدودالبحرية من الجهة الشمالية (مع سوريا) والغربية (مع قبرص) وحتى حدود المياه الاقليمية عن الجهة الجنوبية (مع فلسطين المحتلة) بحيث تكون كل نقطة على طول امتداده متساوية الأبعاد مع أقرب نقطة على خط الأساس (Base Line) للبنان وللدولة المجاورة.
  2. الخط المنصف العمودي (Line Perpendicular Bisector) للإتجاه العام للشاطئ على الحدود البحرية الجنوبية (مع فلسطين المحتلّة) اعتبارا من حدود مياهه الاقليمية الجنوبية وحتى الالتقاء بالحدود الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة (من إثني عشر (12) ميل بحري إلى النقطة 23).

وفي المنهجيّتين أعلاه أخطاء ارتكبتها اللجنة من خلال الآتي:

– عدم اعتمادها الترسيم المنصف (Equitable delimitation)، فرق طول الشاطئ اللبناني كعامل جغرافي يزيد من حقوق لبنان في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، ما أدى إلى خسارته 2643.85 كلملصالح قبرص.

– عدم اعتماد مبدأ امتداد الحدود البحرية للحدود البرية، مما أدى إلى خسارته لـ865 كلممن منطقته الاقتصادية الخالصة لصالح العدو الإسرائيلي.

– تجاهل الظروف ذات الصلة.

لبنان لا يزال عالقا في شباك مرسومه الواهن 6433/2011 مُعرضاً وفده المفاوض للمزيد من التنازل والخسران في أيّة مفاوضات قادمة

اللجنة الثانية، أي لجنة حكومة نجيب ميقاتي التي شكّلها عام 2012، لم تكن أفضل حالاً من سابقتها، إذ كرّرت الخطأ ذاته، بتطبيقها منهجية الخط الوسطي (Median Line). قامت اللجنة بتحديد خط الأساس (Base Line) على امتداد الشاطئ اللبناني باستخدام الخرائط المتوفّرة لديها آنذاك، بحيث اعتبرت حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة من الجهة الشمالية والغربية بمثابة خط تساوي بُعد بحتيّ (Strict Equidistant Line) تكون كل نقطة على طول امتداده متساوية الأبعاد من أقرب نقطة على خط الأساس للبنان وللدولة المجاورة أو المقابلة، أما حدود منطقته الاقتصادية الخالصة من الجهة الجنوبية، فاعتمدت فيها الطريقة ذاتها اعتبارا من النقطة B1 حتى حدود مياهه الإقليمية (إثنا عشر ميلاً بحرياً)، ومنها اتَّبعت منهجية الخط المنصف العمودي (Line Perpendicular Bisector) للإتجاه العام للشاطئ (بين رأس بيروت ورأس حيفا). تكون اللجنة بذلك، قد استرجعت 850 كلم2، ولكن خسرت حوالي 900 كلم2 بتجاهلها مبدأ أن الحدود البحرية هي امتداد للحدود البرية عند احتسابها للخط المنصف العمودي، علما أن حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة تبدأ من خط الأساس وليس من حدود المياه الإقليمية.

أطلّ بعد ذلك الدييلوماسي الأميركي فريدريك هوف باقتراحه، كمسعى أميركي يهدف إلى إيجاد مناخ استثماري في ما يتعلق باستخراج الغاز من البحر. نشأ ما يسمى (خط هوف)، وهو خط فصل بحري على طول الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة، نقطة انطلاقه تبدأ من مسافة 3 أميال بحرية من الشاطئ وصولا إلى حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، اتُّبِعَ في رسمه منهجية خط تساوي البعد البحتي (Strict Equidistant Line)، مستندا إلى ثلاث نقاط أساس من الجهة اللبنانية، كان قد تحقق منها الجيش اللبناني بتقنية الـ GPS، وعلى نقطة أساس في فلسطين المحتلة لم يتم التأكد من احداثياتها ميدانياً.

إلى هنا وصلت المفاوضات، وإلى هنا يكون لبنان لا يزال عالقا في شباك مرسومه الواهن 6433/2011 مُعرضاً وفده المفاوض للمزيد من التنازل والخسران في أيّة مفاوضات قادمة.

موجبات التفاوض مع قبرص

أولاً، في القانون الدولي، فإن ترسيم الحدود، بريّة كانت أم بحرية، بين الدول يتمّ إما بالتفاوض المباشر بينها أو باللجوء إلى التحكيم، ولا دور للأمم المتحدة فيه.

ثانياً، الاتفاق اللبناني – القبرصي غير مبرم، بالتالي ليس له من مفاعيل على أي من البلدين، وكذلك الاتفاق الإسرائيلي – القبرصي الذي وفقا لقانون المعاهدات الدولية ليس له من مفاعيل على لبنان لكونه قد تمّ دون إبلاغ لبنان وأخذ مشورته فيه.

ثالثاً، شدّدت محاضر اتفاقية 2007 (المحاضر القبرصية) بأن النقطتين 1 و6 هما غير نهائيتين، وأتاحت التفاوض حولهما مستقبلا. كل هذه الملاحظات، تسمح للبنان بالمطالبة بإعادة التفاوض حول حدود منطقته الاقتصادية الخالصة بغية الوصول إلى أتفاق أوسع وأشمل وأكثر تقدما.

أما تقنيا، ومع أن منهجية الخط الوسطي هي المنهجية الوحيدة التي اتبعت في تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، إلا أن الاتفاقية الدولية لقانون البحار 1982 تجاهلتها (بعكس اتفاقية جنيف 1958) وتركت خيار اعتماد أي طريقة تؤدي إلى حل منصف على أساس القانون الدولي، أي مع مراعاة جميع الظروف ذات الصلة والظروف الخاصة الموجودة.

بتجاهله هذه الظروف، يكون لبنان في اتفاقية 2007، قد تعاطى مع جزيرة قبرص على أنها مساحة متصلة قاريا في الوقت الذي لا تخلق الجزر مناطق بحرية كاملة في تنافسها المباشر مع المناطق المتصلة قاريا، ولا تطبَّق حينئذ منهجية الخط الوسطي فيها، ولم يُقِم اعتبارا أيضا لاختبار التناسب

في الوقت ذاته، ووفق ممارسات الدول وفقه المحاكم الدولية المختصة بترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، يتمّ اعتماد خط تساوي البعد كخطوة أولية، ليتمّ تعديله بعد ذلك بإقامة الاعتبار الواجب لعدد من الظروف، بهدف الوصول إلى نتيجة منصفة، ثم، وبعد مراعاة تلك الظروف، يتم إجراء اختبار التناسب (Proportionality Test) على ضوء المفاوضات الثنائية أو في المحاكم، لتحديد ما إذا كان الحاصل منصفا. وفي ما يخص الظروف ذات الصلة، فهي تقسم إلى نوعين:

جغرافي، كالشكل العام للشاطئ وموقعه وعلاقته مع الدولة المقابلة فيما لو كانا متقابلين أو متلاصقين؛ طول السواحل والمسافة بينهما؛ اتجاه الشاطئ نحو الامتداد البحري؛ وجود الجزر وأحجامها ومواقعها.

غير جغرافي، كالعوامل الجيولوجية والجيوفورمولوجية؛ العوامل البيئية؛ حقوق الملاحة؛ المصالح الدفاعية والأمنية؛ الظروف الاقتصادية، الحقوق التاريخية؛ تاريخ تطور الأملاح والنفط والغاز الطبيعي في المنطقة؛ الثروات السمكية وتاريخ الصيد البحري.

بتجاهله هذه الظروف، يكون لبنان في اتفاقية 2007، قد تعاطى مع جزيرة قبرص على أنها مساحة متصلة قاريا في الوقت الذي لا تخلق الجزر مناطق بحرية كاملة في تنافسها المباشر مع المناطق المتصلة قاريا، ولا تطبَّق حينئذ منهجية الخط الوسطي فيها، ولم يُقِم اعتبارا أيضا لاختبار التناسب.

حكمت المحكمة لصالح رومانيا بعدم احتساب أي تأثير لجزيرة الثعابين الأوكرانية البالغة مساحتها 600م2 والتي يسكنها حوالي 100 شخص، في ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين. كمثال عن الحال مع “كومة صخور تيخيليت”

شكل حقيبة الوفد الجديدة

أولاً، وبناء على ما تقدّم، على لبنان أن يطالب، وقبل أي نقاش حول حدوده البحرية، بوصول الجيش اللبناني إلى نقطة الـ B1، الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 2006، ليحدّدها بنفسه على الأرض، وأهمية هذا الأمر تكمن في أن أي تراجع لهذه النقطة ولو كان بسنتيمترات على خط الأساس قد يتّسع ليصبح أمتارا في عرض البحر – بناء على قاعدة المثلّث، فما بالك لو كانت أمتاراً؟

ثانياً، ينبغي للبنان تحديد خط فصل جديد مع قبرص معتمدا مبدأ التحديد المنصف، أي بالتعاطي مع قبرص على أنها جزيرة (ولو كانت مأهولة وذات سيادة كمالطا)، بالتالي لا يكون لها نفوذا بحريا كاملا في تنافسها مع لبنان، فيكسب لبنان 2,643.85 كلم2 تقريباً لصالحه تضاف إلى مساحة مياهه البحرية الحالية المقدرة بنحو 17,573.7 كلم ليصبح المجموع 20,217.55 كلم2.

ثالثاً، أن ينطلق في تحديد نقطته الثلاثية جنوباً من دون الصخرة المسمّاة “جزيرة تيخيليت” أي أثر، ملتزماً بمبدأ امتداد حدوده البحرية إلى حدوده البرية، الخط المحاذي لقرية راميا مرورا بيارون ورميش وعيتا الشعب وصولا إلى رأس الناقورة (حيث النقطة B1 التي لا بدّ للجيش أن يحدّدها على الأرض)، وهذا يتطابق مع خط الهدنة 1949 (الإشارة موجودة أرضاً ومصادق عليها من الأمم المتحدة في العام 1949). أهمية النقطة الثالثة هي أنها تزيد من مساحة المنطقة التي يدّعي العدو الإسرائيلي بأنها “متنازع عليها” المقدّرة بـ 860 كلم2، وتجعلها ستّة أضعاف ما سبق، أي 5,500 كلم2 لتشمل أكبر حقلين للغاز الطبيعي “تامار” و”ليفيثان”، اللذين يقدّر انتاجهما بنحو 25 ترليون قدم مكعّب (راجع الخريطة أعلاه).

رابعاً، بعد تعديل المرسوم 6433/2011 باعتماد ما تقدّم أعلاه، يوجّه لبنان مذكّرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مودعا لديه إحداثياته الجديدة لحدود منطقته البحرية.

خامساً، توجيه رسالة من وزارة الخارجية اللبنانية إلى نظيرتها القبرصية تهدف إلى إعادة التفاوض حول حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة (اتفاق 2007 غير المبرم في مجلس النواب)، واستنفاذ كافة سبل ووسائل التفاوض دون التراجع عن أي حقوق مشروعة للبنان.

سادساً، وفي حال عدم قبول قبرص بالإحداثيات الجديدة ووصول الدولتين إلى انحسار في أفق التفاوض، يلجأ لبنان إلى رفع القضية إلى المحاكم الدولية المختصّة. أهمية ذلك قائمة في استحضار لبنان قوة مبدأ التناسب في مرافعاته أمام المحاكم الدولية المختصة التي ستحكم على الأغلب لمصلحته – بناء على سجلّ أحكامها السابق في قضايا مشابهة، لا بل مطابقة لحالة لبنان.

بهذا الشكل، وبعد أن يعيد لبنان كامل حقوقه السيادية المهدورة، يكون قد أغرق الاتفاق القبرصي – الإسرائيلي في بحر العدم، معيداً إيّاه، بزوارق الأخذ والرّد البطيئة، إلى النقطة 0.

أمثلة مختصرة عن قضايا مشابهة

توخيا لتحوّل المقال إلى بحث، نستشهد بقضيتين من أخرى كثيرة تدعم ما تقدّمنا به في طرحنا أعلاه.

الأولى، قضية ليبيا ومالطا 3 حزيران/ يونيو 1985: حكمت المحكمة باعطاء الحصّة الأكبر من الحدود البحرية لصالح الجماهيرية الليبية بدلا من جزيرة مالطا، مستندة إلى مبدأ النسبية في تجاهل تأثير الجزر الصغيرة (جزيرة فلفلا المالطية)، وأقامت الإعتبار لفرق طول الشاطئ بين مالطا 30 كلم وليبيا 1770 كلم. كمثال عن الحال بين لبنان وقبرص.

الثانية، قضية رومانيا وأوكرانيا 3 شباط/ فبراير 2009: حكمت المحكمة لصالح رومانيا بعدم احتساب أي تأثير لجزيرة الثعابين الأوكرانية البالغة مساحتها 600م2 والتي يسكنها حوالي 100 شخص، في ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين. كمثال عن الحال مع “كومة صخور تيخيليت”.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course