الأبرياء ليسوا بيادق حرب الدّيبلوماسيّة

إنّ الدّول والكيانات تستخدم أحيانًا الاحتجاز التعسفيّ في ممارساتها السياسيّة ضد خصومها وحلفائها على حدّ سواء، حتى لو تعارض مع غاياتها المعلنة وأضرّ بمصالحها العامة.

ألقى وزير الخارجيّة الأمريكية أنتوني بلينكين خطابا، الشهر الماضي ندّد فيه بممارسة الاحتجاز التعسفيّ، واصفا إيّاها بـ”غير المقبولة بتاتا”، وكذلك فعل نظيره الكنديّ مارك غارنو، إذ قال إن “أخذ النّاس من عائلاتهم واستخدامهم كورقة مساومة أمر غير شرعيّ وغير أخلاقيّ”.

من حيث المبدأ، هما محقّان في قولهما تمامًا، ولكن المدهش هو، صدور هذه التّصريحات عن أميركا وكندا.. الدّولتان اللّتان تشكّلان مثالين صارخين عن التّناقض بين القول والفعل.

قبل البدء بشرح سبب لجوء الدّول والكيانات بمعظمها إلى تلك الممارسة – الاحتجاز التعسفيّ، يجب وضع تصريحيّ وزيريّ الخارجيّة الآنفيّ الذّكر في خانة اللّغو والحرب الكلاميّة ضد الصّين في سياقة حملة موجهة عنوانها “حقوق الإنسان”.

لماذا تستخدم الدّول الأفراد كبيادق في حرب الدّبلوماسيّة؟

تجدر الإشارة بداية إلى أنّه ليس من دولة اليوم – مع وجود قدرة لها – لا تنخرط في أنشطة تجسسيّة ضد دولة خصمة لها أو صديقة، وغالبا ما يكون وراء أنشطة التّجسّس تلك أفراد متواجدون على الأراضي المستهدفة. لهذا السّبب قد يكون اعتقال معظم هؤلاء هو لأنهم، ببساطة، قد خرقوا سيادة الدّولة الّتي هم عليها، ولكونهم قد ضبطوا أثناء قيامهم بأنشطة تجسّسيّة، لكن لو كان هذا هو الحال، لكان للحكومة، أنّ تقدّم أدلّتها الواضحة والدّامغة دون لبس أثناء المرافعات القضائيّة ضدّهم، غير أنّ الإجراءات القضائيّة في كثير من هذه القضايا تبقى مبهمة للغاية، بنحو يعزّز الاعتقاد بأنّهم قد تمّ اعتقالهم لأسباب سياسيّة بحتة.

يكمن جزء آخر من المشكلة في اختلاف معايير وتعريفات التجسّس والأمن القوميّ بين دولة وأخرى. فقد يرقى نشاط روتينيّ وشرعيّ ما في الدّولة الأولى، كعمل صحافيّ، أو بحث علميّ، أو تصوير فيلم، إلى مستوى تهديد الأمن القوميّ لدى دولة ثانية. ينشأ هذا الالتباس في الدّول الّتي تتوجّس شرّ التآمر عليها. ففي الصّين مثلًا، في حين يتحضّر الرّئيس شي جين بينغ لصدّ أي هجمة أمريكيّة على بلاده، مهما كان نوعها، يُتوقّع إنّ يكون معياره لـ”الأمن القوميّ” عالٍ للغاية. كذلك بالنّسبة لإيران، إذ جاهرت الولايات المتّحدة بتهديداتها لها، وبميلها نحو تغيير النّظام فيها عبر دعم “حركات المعارضة” داخلها، وبسعيها الدّائم إلى شنّ هجمات سيبرانيّة واغتيال علمائها النّوويّين وجنرالاتها العسكريّين، وبهذه المجاهرة تعطي الولايات المتّحدة التّبرير المنطقيّ تماما للجمهوريّة الاسلاميّة للقلق والاستنفار اللّذين قد يصلا إلى حدّ احتجاز مواطني دولة أخرى.

يمكن أن تكون الاعتقالات على تلك الشّاكلة وسيلة لكسب الدّولة الأولى نفوذًا قهريًّا ضدّ الدّولة الثّانية، وقد يُنظر إلى الأجانب المسجونين أيضا كورقة ضغط محتملة في النّزاعات السّياسيّة الأوسع بين الدّول، وكعامل تذكير بالطّرق الّتي يمكن للدول وحركات المقاومة انتهاجها في تعقيد حياة مواطني دولة أخرى على أراضيها

ينتج الاعتقال التعسفيّ من المنطق المألوف لشريعة حمورابي، العين بالعين والسّن بالسّن. غالبًا ما يهدف اعتقال تعسفيّ كهذا إمّا إلى الحصول على أصول، يمكن استبدالها لاحقًا، للإفراج عن المحتجز الأوّل لدى الدّولة الثّانية، أو لفرض تكاليف على الجانب الآخر بغية ردع تكرار إجراءات مماثلة في المستقبل. كمثال على ما تقدّم، تطلب كندا من الصّين الإفراج عن مواطنَيها مايكل كوفريك (الدّيبلوماسيّ السّابق العامل لدى مجموعة الأزمات الدّوليّة) والمستشار مايكل سبافور بعد أنّ اعتقلتهما الأخيرة “تعسّفًا” في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 2018. بدورها، تطالب الصين بإفراج كندا عن منغ وانزهو (نائب رئيس مجلس الإدارة والمديرة الماليّة لشركة هواوي الصينية) المعتقلة “تعسّفًا” منذ الأوّل من كانون الأول/ ديسمبر للعام نفسه. إذًا، نحن أمام إعتقالين تعسفيّين بلا شكّ ولكن، للإنصاف فإن فعل الصين مبرر كإجراء انتقاميّ على الاحتجاز التعسفيّ بحقّ مواطنيها.

يمكن أن تكون الاعتقالات على تلك الشّاكلة وسيلة لكسب الدّولة الأولى نفوذًا قهريًّا ضدّ الدّولة الثّانية، وقد يُنظر إلى الأجانب المسجونين أيضا كورقة ضغط محتملة في النّزاعات السّياسيّة الأوسع بين الدّول، وكعامل تذكير بالطّرق الّتي يمكن للدول وحركات المقاومة انتهاجها في تعقيد حياة مواطني دولة أخرى على أراضيها. انتفع حزب الله وحماس مثلا في كثير من الأحيان من أسر جنود إسرائيليين كوسيلة للضغط على العدوّ للإفراج عن أسرى له أو لتحقيق مكاسب أوسع، حتى بات الأسر مندرجاً ضمن لعبة حركات المقاومة، وهنا لا يصحّ السؤال عما إذا كان الأسر تعسفيًّا، فبالطبع كان مشروعًا، برغم كلّ النّحيب والعويل الّذي سمع في اسرائيل وفي عواصم غربية. أمّا اعتقال الصّين للمذيع الاستراليّ شينغ لاي ووضعه تحت الاقامة الجبريّة، فليس سوى صفعة خفيفة من بيجينغ للعاصمة كانبيرا، لتذكيرها بمبادئ الجيرة الآسيويّة!

الدّول، على الرّغم مما تحويه من أنظمة وسلطات، ليست كيانات موحّدة وملتزمة بكلّها، إذ يمكن لبعض أحزابها وفصائلها – مؤسّساتها أحيانًا – استخدام الاعتقالات التعسفيّة للدّفاع عن مصالحها المحليّة الضيّقة. وفي بعض الحالات، قد تعمد تلك الأطراف الدّاخليّة في دولة ما إلى الجنوح نحو الاعتقال التعسفيّ لمواطنين اجانب بغية تقويض سلطات الطّرف الحاكم وتعسير أدائه، أو لفرض رؤاها وأجندتها قهرًا. تلك، تدخل في ثنايا الحرب الأزليّة بين الانفتاح والتشدّد. يحاجج البعض في الولايات المتحدة بأنّ إيران قد امتهنت هذه السّياسة ضدّ المواطنين الأجانب، وهنا تجيب الفقرة الثالثة من المقال على هذه الإدّعاءات.

إقرأ على موقع 180  تجربة سليماني السورية... الانتصارات والخيبات بعيداً عن الأسطورة

بطبيعة الحال، يقف العقل والمنطق الانسانيّ السّليم رافضًا للظّلم بكلّ أشكاله، ويقف أيضًا مع الحقّ مهما انطمست معالمه. لسنا من دعاة الاعتقال التعسفيّ أو احتجاز حرّيّة الأبرياء. لكن، في الوقت نفسه، ليس من المنصف انكار ما لهذه الممارسات – في ما لو كانت احترازيّة – من جوانب فعّالة، ومكاسب تكتيكيّة قصيرة المدى تحقّقها الدّول والكيانات، مهما كانت وظيفتها وموقعها في العالم.

على المدى البعيد، ليست الدّول المناهضة للغرب هي المتضرّرة، فدول مثل إيران وأفغانستان وسوريا وكوريا الشّماليّة وغيرها، لن تتأثر شعبيّتها ونموذجها في العالم المحكوم من الغرب بالكراهيّة والعداء لها، مهما فعلت وناضلت، إلّا لو خضعت للسير في ركب أميركا “النّموذج المشرق”. بينما، ستكابد الدّول السّاعية نحو الأوّلانيّة العالميّة وتسيّد الكوكب النتائج المدمّرة للاعتقالات التعسفيّة، والتّجنّي على الأبرياء على أراضيها. لذا، ينبغي على الحكومات الّتي تروم ثقة العالم بها أن تفكّر مليًا في استخدام هذا التكتيك القاسي والمثير للقلق، سواء كانت أمريكا أو الصين. فالأبرياء ليسوا بيادق حرب الدّيبلوماسيّة.

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الجائزة الكبرى لقاح كورونا.. كلّ شيء مباح