أميركا وقوة المثال.. شعار لا أكثر

بات أي حديث حول الولايات المتحدة الأميركية، اليوم، يمتاز بالتشكيك والمساءلة حول دورها ونفوذها وجاذبيتها. ما سبب هذا التحول في التسليم والاعتقاد المطلق بالتفوق الأميركي؟

في الذكرى الـ 75 لـ”البرقية الطويلة” التي كتبها السفير الأميركي لدى الاتحاد السوفياتي آنذاك جورج كينان، يتوضّح لنا انحراف الولايات المتحدة الجذري عن الحكمة المقطرة في تلك البرقية الحاثة على التفكّر والعقلانية والديبلوماسية في مواجهة التحديات الراهنة. علّق الكثير من المحللين السياسيين حول العالم آمالهم على الرئيس الحالي جو بايدن. لم يركنوا في اعتقادهم هذا إلى النبوءة، بل إلى تاريخ بايدن السياسي وتصريحاته في الأشهر الأخيرة – بعضها في حملته الانتخابية – التي في تصورهم ستعيد المجد لأميركا. ويجوز لنا مناقشة الهوة الواقعة في شعار “تربع أميركا على عرش المثال”، بين مجال الاستطاعة والفعلية من جهة، والنية والرغبة من جهة أخرى.

إن فحوى قول بايدن بأن أميركا ستعود مجدداً لقيادة العالم، على قدر ما تبدو مريحة للأميركيين، تفتقر إلى الواقعية والعملانية والتطبيق، إذ تدل في فلسفتها على افتراض بأن الزمن قد انقطع لحظة وصول سلفه دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة وعاد ليتقادم مع تسلمه هو للمنصب، وهو افتراض معاب بذاته. العيب يكمن في تجاهل وإنكار بايدن لما أحدثه ترامب من تشويه واعطاب في ما يسمى “النموذج الأميركي”، وأيضاً للمتغيرات الحاصلة في العالم اليوم.

المشكلة بذاتها لا تقف عند حدود ولاية ترامب، بل ترجع في بعدها الزمني إلى نهاية الحرب الباردة وبداية عصر أحادية القطب الأميركي. ومن خلال إلقاء نظرة عميقة في التاريخ، يرى المحللون اليوم أميركا بعين الشك والريبة، إذ تشكل لهم سيرتها المليئة بالحروب العبثية وتدخلاتها السافرة في خيارات أوطان عديدة على مدى البسيطة، انحرافاً عن الحكم الرشيد والتعقل والحسبان، بالتالي، أفول المثال الأميركي الرومنطيقي البارح.

ولو عُدنا إلى بايدن وحديثه الدائم “عن قوة المثال الأميركي”، فـ”المثال” بقصده هو “الحيوية الروحية” (Spiritual Vitality) التي تحدث عنها جورج كينان. لم يعد يخفى على أي دارس بسيط مدى نَوء المؤسسة الأميركية عن تلك القيمة. الصادم في الأمر ليس النكوص بذاته عن الفضيلة كقيمة، بقدر ما أنه يحصل في أميركا، الامبراطورية التي تحوي أكبر عدد من مؤسسات الفكر، وأفضل الجامعات، وأنشط أجهزة الأمن القوميّ، وافتراض أن لديها أكثر المجتمعات حرية في التعبير وأشدهم مناعة ضد التفكير القطيعي. إن كانت كل تلك الموارد لا تكفي أميركا للحفاظ على مركزها الأول في الريادة العالمية، فما الذي سيكفيها إذن؟

استقامة الولايات المتحدة اليوم ترتبط جذرياً باجرائها مراجعة هُوِيَّة؛ باثولوجية؛ ذاتية، إذ تسيطر على الروح الأميركية حالة من الأسطرة والمديح الذاتيين، تفقدها قدرتها على الانتباه والتصحيح الدقيق لمسارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي

يعلّل البروفيسور ستيفن والت ما سلف في مقال له في الـ”فورين بوليسي” عام 2011، يدحض فيه أساطير خمسة حول الاستثنائية الأميركية: “(…) إن الأميركيين تعاموا إلى مراحل جعلتهم يبدون كغيرهم. هذا الإيمان الراسخ في الاستثنائية الأميركية يجعل من الصعب على الأميركيين أن يفهموا سبب كون الآخرين أقل حماسة للسيطرة الأميركية (…) فما نحتاجه باختصار هو تقدير دقيق وواقعي للشخصية الأميركية الحقيقية ومساهماتها”.

بعين كينان ومنظار والت المجرّد، سنلاحظ أن طور تغافل الولايات المتحدة عن الانحراف الحاصل فيها بشكل متداخل بين مجالاتها الثلاثة: الاجتماعية؛ السياسية؛ والاقتصادية، المتأتي من اضطراب “الروح” (Psyche) الأميركية.

استقامة الولايات المتحدة اليوم ترتبط جذرياً باجرائها مراجعة هُوِيَّة؛ باثولوجية؛ ذاتية، إذ تسيطر على الروح الأميركية حالة من الأسطرة والمديح الذاتيين، تفقدها قدرتها على الانتباه والتصحيح الدقيق لمسارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبنوع من النزوع نحو كشف الزيف الهوياتي المؤسطر، باستطاعتنا تسليط الضوء على مستوى الاهتراء العدالي الحاصل في مجتمعها المرصوف طبقياً بشكل مشابه للاقطاع الذي – بما يدعو للسخرية – جهد الآباء المؤسسون لتركه خلفهم في أوروبا، والذي من شأنه أيضا أن يصيب صاحب نظرية العدالة الفيلسوف الأميركي جون راولز بنوبة قلبية فيما لو كان ما زال حياً. ويشير البروفيسور الأميركي وعالم الجغرافيا والباحث في الاتجاهات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية جويل كوتكين إلى ما سبق بقوله “إن الإقطاعية الجديدة اليوم تسترجع النظام الاجتماعي الذي كان قائما قبل الثورات الديموقراطيّة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث تشغل طبقاتنا (السياسية الرأسمالية) الصاعدة أدوار الطبقات المهيمنة السابقة”. وكذلك يوضح رجل الأعمال ومؤسس أحد أكبر صناديق التحوط (راي داليو) ماهية الانخفاض الكبير في مستويات المعيشة لغالبية الأميركيين، مشيرا إلى أن “احتمال أن يعلقوا (الفقراء) في حالة الفقر أصبح متزايداً.. فاحتمالات انتقال شخص من الشريحة الخمسية الأدنى إلى الشريحة الخمسية المتوسطة أو الأعلى خلال فترة 10 سنوات.. انخفضت من حوالي 23% في عام 1990 إلى 14% فقط بدءاً من 2011”.

إقرأ على موقع 180  إغتيال فخري زاده.. بصمة إسرائيلية في وقت أميركي مستقطع

وتكثر الدراسات الديموغرافية والانثروبولوجية، وأيضا الظواهر الاجتماعية (حي Skidrow في كاليفورنيا – أغنى الولايات – مثالاً) التي تثبت زور الأسطورة القائلة بسلامة المجتمع الأميركي ومناعته التلقائية ضد الآفات والملمّات.

لا بد لجو بايدن من الإمساك – بإحكام – بمقود أميركا مجدداً، قبل الدخول في انعطافة حادة، قد تتسبب في موته السياسي، لكن من شأنها إحداث صدمة تبعث في الجسد الأميركي روحاً جديدة

يصعب، إزاء ما ذكرناه، تصديق أن هذه اللامساواة سببها عوامل طبيعية بحتة. فقد تكون الطبقة السياسية والطريقة التي تتم بها إدارة شمال القارة الأميركية السبب الرئيس في ما آلت إليه من هبوط في قوة مثالها، وبايدن ليس استثناء، إذ أنه ربيب تلك السياسات الفاشلة قصيرة النظر. تستحوذ مصالح الطبقة الأرستقراطية والبلوتوقراطية الجديدة على مصالح غالبية السكان، وبالتالي، على مصلحة الوطن الأميركي، وبينما تدعي أميركا محاربة الأنظمة “السلطوية” من الناحية النظرية، فإن الاختلاف العميق بين النظام السياسي الديموقراطي الأميركي والأنظمة الأخرى، هو أن الشعب الأميركي حر في تغيير نظامه السياسي، بينما الشعوب الأخرى يصعب عليها ذلك. أما فعلياً، فيتمتع الشعب الأميركي في هذه الفترة من تاريخه، كما غيره، بقدر ضئيل من الحرية في تغيير نظامه السياسي أو تبديله.

ليس من دولة اليوم فيها ما في أميركا من تهميش للصالح العام في السياسات الخارجية وتفضيل لمنفعة جماعات الضغط، ويتجلى هذا في العقلية والروحية التي يتسم بها سلوك الإدارات المتعاقبة المبني على الحيرة والافتقار للاستراتيجيات الشاملة في مقاربة التحديات الخارجية، إذ أن أغلبية مجلس الشيوخ والنواب وحكام الولايات وغيرهم من شاغلي المناصب الأساسية، يصلون إلى مراكزهم بشيكات الحلقة الضيقة للرأسماليين الممولين لحملاتهم الانتخابية، هؤلاء هم أصحاب شركات تصنيع وبيع السلاح، وشركات التكنولوجيا، والمستثمرين خلف البحار. تلقي هذه السلسلة الحُكمية الضوء على الكسل الفكري الذي ضرب الجسم السياسي الأميركي بعد الحرب الباردة، فصارت المؤسسة الأميركية تتكىء – وبغطرسة لا مثيل لها – على رصيدها في النجاح في الوصول إلى عرش المثال، متعاطية مع “الأخطار المحدقة” بها بعقلية حربية سهلة، بعيدة كل البعد عن التفكّر والاستيعاب والاحتواء.

بعيداً عن شعاراته الحالمة المندرجة في الإطار الكلاسيكي للياقة السياسية، التي قد يأتي رئيس جديد ترامبيّ النزعة ليرفسها، لا بد لجو بايدن من الإمساك – بإحكام – بمقود أميركا مجدداً، قبل الدخول في انعطافة حادة، قد تتسبب في موته السياسي، لكن من شأنها إحداث صدمة تبعث في الجسد الأميركي روحاً جديدة، ليس المقصود هنا الأساطير المفترضة للفضيلة الاستثنائية المريحة للنفس الأميركية، بل روحاً تجعلها قادرة على النهوض بخمسين ولاية، وعلى نحو يقبل اقتسام الكوكب مع شعوب أخرى بعيداً عن الإيديولوجيات العدائية والاستعلائية المقيتة.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إغتيال فخري زاده.. بصمة إسرائيلية في وقت أميركي مستقطع