علي زعيتر, Author at 180Post

2-5.jpg

كان استخدام السيد حسن نصرالله لكربلاء وعاشوراء بوصفهما مكانًا للذاكرة يُعاد من خلاله بناء الحاضر السياسي والاجتماعي لحزب الله وجمهوره؛ أي أن كربلاء، في خطابه، لم تكن ماضيًا يُروى، بل إطارًا تُقرأ عبره الوقائع الجديدة، وتُقاس من خلاله كل التضحيات مهما بلغت جسامتها. وهنا تكمن قوة هذه اللغة ومتانتها؛ فهي تمنح المهزوم القدرة على ألا يرى نفسه بعين المنتصر، وإنما بعين التاريخ. وهذه، بالطبع، قوة هائلة تجعل المستحيل ممكنًا أحيانًا، لكنها قد تسمح أيضًا للسياسة، إذا أساءت استخدامها، بأن تحمي نفسها من الاعتراف بالخطأ.

800-35.jpg

بعض الزعماء ينتهي حضورهم حين يغيبون، وبعضهم يبدأ غيابهم حياةً أخرى في الذاكرة. وحين يصبح الصوت جزءاً من الطريقة التي تفهم بها جماعةٌ خوفها وانتصاراتها وهزائمها، لا يعود موت صاحبه مجرد غياب رجل، بل انقطاعاً مفاجئاً في السردية التي اعتاد جمهوره أن يرى العالم من خلالها. هكذا يمكن قراءة غياب حسن نصرالله، كما يمكن فهم القوة التي صنعت حضوره قبل الغياب.

801-2.jpg

في عصر الإبادات المتلفزة التي تُبث على الهواء مباشرةً وتُدار بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي كالتي تجري حاليا في لبنان، هناك لحظات فاصلة لا تُقاس بحجم الدمار، وإنما من خلال انتصار سيكولوجي مرعب لآلة الحرب الفولاذية، وأبرزها تلك اللحظة التي يجلس فيها الضحية المقهور فوق ركام منزله المُغْبَّر ليتساءل عما إذا كان هو نفسه السبب في كل هذا الخراب، وعما إذا كان بقاؤه يحتاج حقاً إلى تبرير. هذه اللحظة بالذات تُمثل الذروة الكبرى لآلة المحو، إذ تنجح في تحويل الضحية إلى مجرد متهم بريء مجرد من حقوقه المدنية، يقف في محكمة أجنبية لم يُستدعَ إليها، ليواجه تهمة لم يرتكبها، ألا وهي الوجود.