فكرتُ وفكرتُ ثم فكرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعاً من المحرمات.
فكرتُ وفكرتُ ثم فكرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعاً من المحرمات.
نقل تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجيه ضربات نوعية إلى المنشآت العسكرية في جزيرة "خَرج" الإيرانية، والتي تعدّ الرئة النفطية الإيرانية، المعركة إلى طور جديد من التصعيد على خلفية ضرب "اقتصاد الطاقة" دولياً. وحين تنخفض حركة المرور عبر مضيق هرمز الذي أقفله الإيرانيون بنحو 97 في المئة، وتلجأ وكالة الطاقة الدولية إلى أكبر سحب طارئ في تاريخها من المخزونات النفطية الاستراتيجية، نجد أنفسنا أمام السؤال الآتي: ماذا يحدث حين تتحول الجغرافيا نفسها إلى أداة ضغط، وحين يصبح البحر جزءًا من معركة الاستنزاف؟
في لبنان، لا توجد مفاوضات خارجية خالصة. فكل تفاوض مع إسرائيل يتحول، بحكم طبيعة النظام والانقسام المزمن حول السلاح والسيادة والقرار الوطني، إلى امتحان داخلي لمعنى الدولة نفسها: من يُقرّر؟ ومن يفاوض؟ ومن يضمن التنفيذ؟ ولهذا، فإن النقاش الدائر اليوم لا ينبغي أن يُختصر بالسؤال عمّا إذا كانت الحكومة قد قررت الذهاب إلى التفاوض، بل يجب أن يتركز على السؤال الأهم: هل يملك لبنان حدًا أدنى كافيًا من التفاهم الداخلي يسمح له بالتفاوض من موقع دولة، لا من موقع سلطة تواجه نصف بلدها؟
مهما تكن نتيجتها، ليست الحرب التي أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة في تاريخ المنطقة، بل هي محطّة أساسيّة في مسار تغييرها، بل دليل على أنّها تغيّرت بعيداً كلّ البعد عن الأطر التي نشأت عليها وعن الجهود التي بُذلت لترسيخ استقرارها.
أدخل إغلاق إيران لمضيق هُرمز وخنق أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي مضى عليها أكثر من أسبوعين، في مرحلة جديدة من التعقيدات، وبدأت تطرح الأسئلة الصعبة حتى داخل الإدارة الأميركية، حول جدوى الذهاب إلى حرب اختيارية، قد تترتب عليها، إلى الكلفة البشرية والمادية، تبعات سياسية حين يحين موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
بينما كانت أعمدة الدخان تتصاعد من المواقع التي استهدفتها الغارات الأميركية والإسرائيلية في أطراف طهران، كان تحوّل آخر يتشكل داخل مركز القرار الإيراني. صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد لا يمكن قراءته مجرد انتقال في هرم السلطة أو خلافة عائلية، بل بوصفه مؤشراً إلى طور جديد في الجمهورية الإسلامية، تنتقل فيه بنية الحكم تدريجياً من صيغة «الدولة–الثورة» إلى صيغة «المعسكر–العقيدة»، حيث تتقدم مؤسسة الحرس الثوري على ما عداها من مؤسسات.
قد لا تستطيع إيران هزيمة أميركا عسكرياً، لكنها تمتلك ورقة ضغط شديدة الخطورة: القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فبفضل مجموعة من الأدوات العسكرية غير التقليدية، تستطيع طهران تعطيل حركة النفط العالمية وفرض خيارات صعبة ومُكلفة على واشنطن. كما تستطيع إبقاء كل محاولات الحكومات لامتصاص آلام العالم النفطية منذ إغلاق المضيق عقب العدوان الأميركي-الإسرائيلي، ووعود واشنطن بتوفير تأمين وحراسة خاصة ومُكلفة للسفن العابرة، مجرد مسكّنات لا تعالج ولا تُطمئن. فلا بديل مثالي لهذا الممرّ الحيوي الذي يعبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
مع إنتهاء الأسبوع الثاني من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترتسم معالم المأزق الذي بلغته إدارة دونالد ترامب، في ظل إصرار طهران على استمرار إقفال مضيق هرمز، الأمر الذي ترك آثارًا عميقة في الاقتصاد العالمي. وبين ضجيج البورصات والصواريخ والطائرات والبوارج، تتزايد التساؤلات حول نتائج الحرب حتى الآن، من دون إجابات واضحة بسبب التضارب الكبير في المعلومات بين الرواية الإيرانية من جهة والرواية الأميركية «الإسرائيلية» من جهة أخرى.
تتشابه التواريخ والأحداث في لبنان منذ استقلاله في العام 1943 إلى يومنا هذا، ويكاد يكون الجامع لكل هذه الأحداث والأزمات والحروب هو تفكك الدولة وغيابها.
خرج مجتبى خامنئي من بين أنقاض مجمع القيادة في طهران مثقلاً بجراحه إثر الهجوم الإسرائيلي–الأميركي المشترك. إنه المكان الذي ترعرع فيه منذ أن كان في العشرين من عمره. هناك طوّر معظم علاقاته، وصنع أخرى، كلها ستكون مهمة جداً في مسيره نحو الثامن من آذار/مارس 2026، يوم إعلانه قائداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووليّاً فقيهاً خلفاً لوالده السيد علي خامنئي.