واضحٌ لي إلى حدٍّ كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبًا جدًا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر.
واضحٌ لي إلى حدٍّ كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبًا جدًا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر.
ذكرنا في المقالة السابقة، "الولادات في لبنان بين ظاهرتي التعويض وجيل الصدى"، أن المجتمع اللبناني يتّجه إلى التعمّر، أي أن أعداد الفئة العمرية التي يزيد عمرها عن 65 عامًا في ازدياد مطّرد جعلت من المجتمع اللبناني أكثر المجتمعات العربية تعمّرًا حيث تبلغ نسبة هذه الفئة العمرية أكثر من 15% في العام 2026. ينعكس هذا الواقع سلبًا على معدلات الوفاة في لبنان، فالمجتمعات المعمّرة تزداد فيها نسب الوفيات عن تلك الفتيّة.
لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.
نشر موقع 180 بوست مقالة للزميل مالك أبو حمدان بعنوان "لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ "سويّاً"؟" طرحت أسئلة حول الرمزيات الجامعة، وخلص فيها إلى المقارنة بين تضحيات المقاومين وما يعتبره تناقضاً في سلوك سلطة سياسية تذهب إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي في لحظة مواجهة، ما يخلق مشهداً سوريالياً يفصل بين من يدفع كلفة الصراع ومن يقرّر مساره. وفي جوهر النص، يطرح إشكالية أخلاقية عميقة: كيف يمكن تبرير هذه السياسات للأجيال الجديدة، من دون أن تتحوّل إلى “كذبة” تُقوّض فكرة العيش المشترك في لبنان؟
غداة بدء العدوان الصهيوني على لبنان في 2 آذار/مارس الماضي، سارع الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى طرح مبادرة من أربع نقاط لمفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، تقوم على: إرساء هدنة ووقفٍ شامل للاعتداءات الإسرائيلية برًّا وجوًّا وبحرًا؛ دعمٍ لوجستي عاجل للجيش اللبناني؛ تولّي الجيش السيطرة على مناطق التوتر ومصادرة السلاح، بما فيه سلاح حزب الله، وبالتوازي إطلاق مفاوضات مباشرة برعاية دولية لتنفيذ هذه البنود.
في بلدٍ لم تُطوَ فيه صفحة الحرب، بل تبدّلت أشكالها وتحوّلت أدواتها، يعود الحديث عن الحرب الأهلية اللبنانية بوصفه أكثر من مجرد استعادة للماضي؛ إنه محاولة لفهم حاضرٍ ما يزال أسير تلك الحقبة. في الذكرى الحادية والخمسين لتلك الحرب (13 نيسان/أبريل 1975-13 نيسان/أبريل 2026) تتجدد المخاوف في لبنان وعليه. مزيج من الانقسام الأهلي والتداخلات الخارجية وتغييرات جيوسياسية أبرزها الزلزال السوري، وتأتي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضع لبنان في قلب حرب هي الأوسع منذ الحرب العالمية الثانية، بكل ما تثيره من قلق ومخاوف وتحديات.
تطرح هذه الدراسة فكرة أن الشرق الأوسط لا يعيش مجرد حالة عدم استقرار، بل يشكّل فضاءً بنيويًا يُعاد فيه تعريف النظام الدولي من خلال التفكك المُدار. فبدل أن يكون التفكك مؤشرًا على انهيار النظام، أصبح أحد شروط اشتغاله، حيث لا تُحلّ الصراعات بل تُدار وتُضبط ضمن توازنات مرنة. ومن خلال ربط ديناميات الحرب في أوكرانيا، والمواجهة مع إيران، والتوتر حول تايوان، يبيّن النص كيف تتقاطع هذه الساحات ضمن إطار عالمي واحد، يتجسد أثره الأوضح في الشرق الأوسط. كما يقدّم مفهوم “الاستقرار المُدار” بوصفه النمط الغالب في المرحلة القادمة، حيث يُعاد تعريف الأمن لا عبر إنهاء النزاعات، بل عبر التحكم بإيقاعها. وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا بنيويًا لشرعية أي نظام إقليمي قادم، بما يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام الدولي على إنتاج معنى مستدام لوجوده.
غادر الوفدان الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس والإيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد ثلاث جولات تفاوضية تمحورت حول ورقتي العمل الأميركية والإيرانية، سعياً للتوصل إلى اتفاق اطار من شأنه التأسيس لاتفاق أو سلسلة اتفاقات تشمل العناوين التي يتم التفاهم عليها، إلا أن رياح التفاوض جرت عكس ما يشتهي الطرفان، ما استدعى تعليق المفاوضات، في خطوة يُفترض أن تخضع لتقييم متبادل في العاصمتين الأميركية والإيرانية، قبل أن يُقرّر الطرفان خطواتهما التالية، سواء بالمضي بخيار التفاوض أو العودة إلى الحرب.
لم أزل أتهيّب من كيفيّة اجابتي المحتملة، أمام طفلَيّ، على هذا السّؤال التّالي العجيب: لماذا هناك "شرٌّ" في هذا العالم؟ ولكن، عندما أنظر إلى القضيّة اللّبنانيّة، خصوصاً خلال أزمات كالتي نمرّ بها اليوم: أشعر وكأنّ سؤال "وجود الشّرّ" هذا أسهل بكثير من بعض الأسئلة اللّبنانيّة، وعلى رأسها، كيفيّة صمود "العيش سويّاً" في بلد مثل هذا البلد، وأمام اختلافات وخلافات لم تزل تبدو أساسيّة وجوهريّة في كلّ مرحلة أكثر من التي قبلها ربّما.
عندما استولت الجيوش البريطانية والفرنسية على المشرق العربي، في الحرب العالمية الأولى، بدأ تخريب المنطقة التي عاشت تحت الحكم العثماني ردحاً من الزمن (أربعة قرون) بنظام الملل، أي بمنطق المذاهب المتفرعة عن الأديان الثلاثة بين التعايش والتنافر والتراضي إلى هذا الحد أو ذاك فيما بينها، ولكن تحت هيمنة سلطان الباب العالي، الذي أدارها على شكل ولايات تتّسع مساحاتها أو تضيق تبعاً لنفوذ الولاة الذين يعيّنهم ومدى طاعتهم له أو قربهم منه.