عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".
عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".
لم تكن زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن في تموز/يوليو 2026 حدثاً دبلوماسياً شبيهًا بالبروتوكولات التقليدية التي تجمع القوى العظمى بالدول الصغرى، بل شكلت محطة مفصلية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. تتشابك في هذه اللحظة أبعاد المواجهة الأميركية – الإيرانية المفتوحة، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، ومحاولات تفكيك أو إعادة تموضع ترسانة "حزب الله"، بالتوازي مع صعود سلطة سورية جديدة تسعى لترسيخ شرعيتها.
في سماء بيروت وقرى الجنوب اللبناني وأحياء قطاع غزة المحاصرة، لا يحتاج الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأعلى كي يعرف أنه مراقَب؛ يكفي ذلك الطنين المتكرر الذي يتسلل إلى المنازل والمكاتب والشوارع، ويظل معلقاً فوق تفاصيل الحياة اليومية. يعرف الفلسطينيون هذه الطائرات باسم «الزنانة»، بينما يطلق عليها بعض اللبنانيين أسماء شعبية مثل «أم كامل» أو طائرات «الـMK». ومع مرور السنوات، لم يعد صوتها مجرد ضجيج عابر، بل أصبح جزءاً من الذاكرة السمعية لسكان مناطق كاملة: صوتٌ لا يرى الناس مصدره دائماً، ولا يعرفون مهمته أو هدفه أو المدة التي سيبقى خلالها فوق رؤوسهم.
يصعب فهم تاريخ الطوائف الإسلامية في لبنان من خلال ثنائية الولاء للداخل أو الارتهان للخارج، لأن علاقاتها الإقليمية لم تنشأ خارج التجربة اللبنانية، بل تشكلت داخل دولة عجزت، منذ قيامها، عن إنتاج هوية سياسية جامعة واحتكار وظائف الأمن والتمثيل والحماية. ومن هنا، فإن اختلاف التجارب السنية والشيعية والعلوية لا يعود فقط إلى تباين مرجعياتها ومواقعها الديموغرافية، بل إلى اختلاف الطرق التي واجهت بها كل جماعة طائفية سؤال الدولة وموقع لبنان في محيطه.
يصعب فهم تاريخ لبنان الحديث من دون التوقف عند هواجس الخوف التي حكمت علاقة جماعاته بعضها ببعض منذ نشأة الكيان. فالطوائف اللبنانية لم تختلف فقط حول توزيع السلطة وحصص المشاركة، بل حول تعريف الدولة نفسها، هويتها، وظيفتها، وعلاقتها بمحيطها. ومن داخل هذا الخلاف نشأت أنماط سياسية متباينة في الظاهر، لكنها تشترك في أصل واحد: البحث عن الحماية في ظل دولة لم تستطع أن تصبح المرجعية النهائية لجميع مكوناتها.
لم يطل الوقت كثيراً حتى تحولت الشائعات المتضاربة إلى حقيقة مؤكدة.. التحق التكنوقراطي فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، أحد أبرز مكونات الائتلاف الحكومي الحالي. هذا الإلحاق سبقه في عام 2021 تعيين مماثل زوجة لقجع السيدة هدى المغاري، وهي إطار بوزارة المالية، بعضوية المكتب السياسي لـ"البام" بتزكية من عبد اللطيف وهبي الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، ووزير العدل في الحكومة الحالية.
تدفع إيران الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخيار الذي لا يريده: التدخل البري. لذا، اختار بديلاً منه حملات القصف الجوية المتواصلة منذ أسبوعين، أملاً في اقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات بوضعية أكثر مرونة إزاء القضايا الخلافية، بدءاً بمضيق هرمز ووصولاً إلى البرنامج النووي، الذي كان العنوان لحربي حزيران (يونيو) 2025 وشباط (فبراير) 2026.
إن الاحتفاء بالبطريرك الياس الحويك بوصفه "أب لبنان الكبير" هو مثال على تحويل لحظة تاريخية معقدة إلى رواية وطنية أحادية. فالحويك كان بلا شك شخصية محورية في المسار السياسي الذي قاد إلى إنشاء لبنان الكبير، لكن اختزال ولادة الكيان اللبناني بشخصه، أو تقديمها كإنجاز لبناني جامع، يحجب شبكة معقدة من المصالح الدولية والطبقية والطائفية التي أحاطت بهذه الولادة.
في ظل التبدلات الجذرية التي تشهدها الجغرافيا السياسية، لم يعد "المشروع النووي السعودي السلمي" مجرد اتفاق تقني أو طموح تنموي، إذ تحول إلى "حجر زاوية" في إعادة تعريف التوازنات الإقليمية. يرسم هذا الحدث برغم الشروط الأميركية، بالتوازي مع التقارب الاستراتيجي المتنامي بين السعودية وتركيا، ملامح مرحلة جديدة تُدار فيها المنطقة عبر تكتلات إقليمية، يسعى كل طرف من خلالها إلى تعزيز هامش حركته واستقلالية قراره، بعيدًا عن النماذج التقليدية للتحالفات الأحادية.
دخلت مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية شهرها الثاني، فيما دخل الإشتباك العسكري بين الطرفين يومه العاشر، تحت النار والحصار وحصار الحصار، وبين من يعتبر أن المذكرة ماتت سريرياً، وأن المنطقة تتدحرج نحو حرب مفتوحة، ومن لا يزال يراهن على جهود الوسطاء لإحياء التفاوض، ترى طهران أن ما يجري ليس سوى فصل جديد من مواجهة واحدة لم تتوقف، وأن الحرب والمفاوضات مساران متوازيان لا يلغي أحدهما الآخر.