ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.
في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.
عقب اتساع رقعة المواجهة الإقليمية على خلفية حرب غزة، كان لافتاً للانتباه صعود ظاهرة جيوسياسية أربكت الحسابات الاستراتيجية التقليدية: تحوّل تنظيم محلي يسيطر على جزء واسع من اليمن المنهك إلى طرف قادر على التأثير المباشر في حركة الملاحة البحرية العالمية، ودفع القوى الغربية إلى استدعاء أساطيلها لحماية ممرات البحر الأحمر. تحولٌ لا يُعبّر عن تغيّر جذري في موازين القوة، وحسماً ميدانياً لمصلحة «أنصار الله» (الحوثيين) في مواجهة القوى الدولية أو الإقليمية، لكنه يمثل نمطاً متطوراً من استخدام أدوات محدودة الكلفة لإنتاج مفاعيل استراتيجية وتكاليف اقتصادية تفوق حجم تلك الأدوات بأضعاف.
يشهد النظام العالمي تحوّلًا تتقدّم وقائعه على مؤسساته ومفاهيمه. فقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة على إدارة العالم منفردة، واستعادت روسيا حضورها الاستراتيجي، وصعدت الصين من قوة اقتصادية إلى قطب تكنولوجي وسياسي ينازع على قواعد النظام، فيما ضعفت قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الحروب وضبط التنافس. فانحسرت الأحادية قبل أن تتبلور تعددية مستقرة تنظّم ما بعدها.
في الحروب الطويلة، لا تبدأ التسويات لحظة توقيع الاتفاقات، بل قبل ذلك بكثير، عندما تبدأ الأطراف في البحث عن قنوات تستطيع من خلالها اختبار ما لا يمكن قوله علناً. ومن موسكو إلى ميتز، تبدو حركة الفاتيكان الأخيرة محاولة لحجز موقع في هذه المساحة الرمادية بين استمرار الحرب وإمكان التفاوض عليها؛ لا بوصف الكرسي الرسولي قوة قادرة على فرض الحل، بل باعتباره أحد الأماكن القليلة التي تستطيع إبقاء الباب مفتوحاً بين خصوم أغلقوا معظم الأبواب الأخرى.