آلة الإبادة تحقق أهدافها مبكراً حين تقنع الضحية قبل إلقاء القنابل الحارقة بأن يتساءل: هل أستحق الوجود أصلاً؟
الخديعة
يظهر في كل حرب وعلى جري العادة، أصوات تدّعي الحياد والعقلانية وتتكلم بلغة الأرقام والمنطق، تتحدث عن ” مبدأ التناسب” و”جدوى المقاومة” و”ثمن المواجهة”. ما تفعله هذا الأصوات في جوهرها وبعيداً عن لغتها المهذبة والعاقلة في ظاهرها، هو أنها تضع حق وجودك الفطري على طاولة المفاوضات وتجعل بقاءك مسألةً قابلةً للنقاش والجدل مع طرف ثالث وغريب لم يكن له أي حضور من قبل. الفخ لن يكون في الجواب بل في القبول بأن السؤال مشروع بحد ذاته أصلاً، فحين تقبل أن تدافع عن حقك في الوجود أمام من لا يعترف بهذا الحق المبدئي، تكون قد خسرت المعركة الحقيقية قبل أن تبدأ، لأنك انتقلت من موقع صاحب الحق إلى موقع المتهم الأبله الذي يطلب البراءة.
لا أحد يطلب من الأحياء أن يبرروا وجودهم إلا حينما يكون الوجود مهدداً.
وهم الاستسلام
ثمة فارق تاريخي جوهري يغيب عن معظم التحليلات، التي تملأ الفضاء الإعلامي والفكري، والتي تحاول تفكيك عقلية المحتل وتحاول فهمه، فالمحتل الذي يريد أرضك يختلف اختلافاً جذرياً عن الذي يريد وجودك. الأول يريد ثرواتك وطاعتك وخضوعك وثمة تاريخ طويل من الشعوب التي خضعت وبقيت: أذلاء ربما، مقهورين ربما، لكنهم بقوا وبقيت أسماؤهم وآثارهم. أما الثاني الذي يريد أرضك ممحوّة وخاليةً منك بما فيها من تاريخ وإرث ووجود ، فالاستسلام أمامه ليس سلاماً ولا نجاةً بل هو مجرد تسريع للنتيجة ذاتها مع فارق واحد: أنك تُساهم فيها بيدك! وهذا ليس مجرد تنظير، وإنما أثبتته الوقائع في كل مرة بلا أي استثناء في التاريخ.
كل مشروع إحلال لم يتوقف مهما قدّم الطرف الآخر من تنازلات وأعلام بيضاء لأن منطقه الداخلي ليس التفاوض أو الاستسلام أو الخضوع بل هو الوجود بذاته، أي المحو الكامل، لذلك لا يمكن مفاوضة آلة الإحلال وإنما فقط المقاومة.
الاستجابة الطبيعية
من الخطأ اعتبار المقاومة فعلاً استثنائياً أو مخصصاً للأبطال غير العاديين الذين مجّدتهم كتب التاريخ لأن هذا التصور يمنح بكل بساطة، كل من لا يطيق الاستمرار- والجبناء ضمناً- عذراً جاهزاً: أنا لست بطلاً! المقاومة ليست بطولة أو فعل خارق، بل هي الاستجابة الفطرية للكائن الحي أمام من يريد إلغاءه، فالنهر لا يتوقف عن الجريان لأنه بطل وإنما لأن طبيعته الجريان والشجرة لا تواجه العاصفة لأنها شجاعة وإنما لأن الاستسلام بالنسبة لها يعني الاقتلاع والشعب الذي يصمد ويقاتل لم يكن يوماً أفضل الأمم بل لأن البديل سيكون فناؤه الحتمي. حين تُفهم المقاومة بهذا الوضوح، لا كبطولة بل كوصف دقيق للواقع المعاش، يسقط سؤال: هل أستحق الوجود؟ ويحلّ محله سؤال شكسبيري بسيط:
هل أريد أن أكون أم لا أكون؟
من يملك الرواية.. يكتب التاريخ
الدم وحده لا يكفي وكذلك الحجر، لأن المعركة الأخطر لا تجري في الميدان بل في المعنى، في اللغة، في الكلمة التي تُختار لوصف الحدث ذاته. “إرهاب” أو “مقاومة”، “عملية أمنية” أو “مجزرة”، “أضرار جانبية” أو” قتل أطفال”. كلمة واحدة تُحدّد من هو الضحية ومن هو الجاني؛ تُبرّئ المجرم وتُدين البريء، وهذه ليست ملاحظة أكاديمية أو بلاغية؛ هذا هو ميدان المعركة الأشرس والأعمق، لأن من يخسر معركة الرواية يخسر التاريخ ومن يخسر التاريخ يخسر الحق ومن يخسر الحق يخسر كل شيء حتى لو بقي جسده حياً، ولنا في من نجا من هول الحرب العالمية الثانية عبرة ودرساً وخلاصة. لذا فإن كل كلمة تُكتب بصدق، وكل صورة تُلتقط وتُنشر، وكل شهادة تُروى، وكل سردية تُبنى بحقّ وكل اسم يُذكر لطفل أو إمرأة أو شيخ، هي رصاصة تُطلق في المعركة الأطول والأهم؛ معركة الوجود في التاريخ الإنساني، حاضراً ومستقبلاً.
البقاء في الذاكرة هو الشكل الأمثل للنصر على آلة المحو.
خاتمة
لا يعرض علينا الجلاد خياراً بين الحرب والسلام؛ الموت والنجاة، بل معادلة صفرية بين الوجود والعدم. عندما يكون العدو آلة استعمارية إحلالية، فهو لا يبحث عن تسوية سياسية أو معاهدة دولية، بل يسعى بكل خبث وتصميم لإبادتك ديموغرافياً وتاريخياً وجغرافياً، لذلك فإن الاستسلام لا يغدو قراراً عقلانياً يحقن الدم ويضمن الوجود، بل توقيعاً طوعياً على وثيقة اختفائك ومحوك من سجلات الوجود، والراية البيضاء هنا هي الكفن الذي تحمله بيديك.
المقاومة إذن، ليست مساراً سياسياً نتفاوض عليه أو ورقة نساوم بها، بل إنها شرط الوجود الوحيد. إنها النبض العنيد الذي يعلن أن الجسد الهش يرفض الانصياع لفوضى الفولاذ. ولأن الوجود حق فطري للجميع، فإن هذه المقاومة لا تُحتكر في قالب واحد أو شكل معيّن، بل تتمدد وتتشكل بحسب استطاعة كل كائن يتشبث بحقه في البقاء.
لندع الرايات البيضاء لمن يبيعون وجودهم بأبخس الأثمان. أما نحن، في وجه آلة الإلغاء المطلق، فلا نملك سوى أن نقاوم بكل ما أوتينا من هشاشة وقوة، ليس فقط لنعيش، بل لنحمي التاريخ الإنساني من أن يكتبه الجلاد وحده.
ستبقى كل أفعالنا مهما بدت صغيرة، الشاهد الأخير على أننا مررنا من هنا ولم نختفِ.
