رأي Archives - 180Post

800-5.jpg

في الوقت الذي يرفع فيه الشارع المغربي صوته عاليًا تضامنًا مع غزة، تمضي الهرولة الرسمية نحو التطبيع إلى مستويات غير مسبوقة، تتجاوز الاتفاقيات الدبلوماسية لتطال الوجدان الشعبي والفضاء العام. لم يكن رحيل اليهود المغاربة، بدءًا من عام 1948، مجرد هجرة نحو "أرض الميعاد" كما تروّج السردية الصهيونية، بل كان عملية اقتلاع قسرية حُوِّلت أثمانها إلى حسابات بنكية سرية.

750-1.jpg

عند منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حمل ثلاثة شبان جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السيطرة على أغلب النقابات المهنية الرئيسية في مصر، هم: الدكتور «عبدالمنعم أبو الفتوح»، الذي قادهم إلى أول انتصار في نقابة الأطباء عام (1984)، والمهندس «أبو العلا ماضي» إلى سيطرة مماثلة على نقابة المهندسين عام (1985)، و«مختار نوح» الذي صعد ــ بمفرده ــ إلى مجلس نقابة المحامين عام (1985)، قبل أن يتمكن عام (1992) من قيادتها إلى اكتساح كامل لمقاعد مجلس نقابة المحامين.

800-3.jpg

منذ الصغر نشأنا على أغنية الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي «الله معك يا بيت صامد بالجنوب». أغنية كلما سمعتها أذهب بمخيلتي إلى بيت القرية وشواهد كانت تمدّني بتراث أجدادنا، وتتحرك معها صور: البركة، الحاكورة، رائحة الخبز، الحطب المشتعل، الحقول، والفرحة في لمّ المحصول.. وهنا وهناك ألف ذكرى وذكرى. إلى أن جاء خبر تدمير البيت في القرية، حاله كحال باقي البيوت والمنشآت المدنية التي استهدفتها إسرائيل، فتحوّلت الأغنية إلى أبيات رثاء، ولم يعد البيت صامدًا، والمكان الدافئ والحاضن صار أنقاضًا وركامًا.

800-1.jpg

بين احتلال الأرض واحتلال الوعي، صِلَةٌ مَخفيَّة لكنها إستراتيجيّةٌ تماماً، وخطيرةٌ تتلازم معهما. وتكاد تكون جزءاً عضويَّاً مشتركاً بينهما. هذه الصلة ينشئُها كلُّ محتلٍّ، مثلما قد تنشِئها السلطات الداخليَّة في دولةٍ ما للسيطرة على وعي الجمهور وتدجينه. التعقيدات هنا كثيرةٌ وشديدة التشابك كونُ هذه الصلة لا تظهر مباشرة للعيان. لها طابع التسلُّل اللحْظَويِّ التراكُمي. ووظيفتها أن تؤثِّر في "اللاوعي الجمْعي"، كي تصنع لاحقاً مؤثرات متمادية في "الوعي العام"، وتنتج سلوكيَّات تتواءم مع مصالح مُنظِّميها، وتخلق قابليَّةً جاهزة للانسياق وراءَ مَن ينظِّمها، فيصبح المستعمَرُ(بفتح الميم) يتبنّى خطاب المستعمِر(بكسر الميم) وسرديّتَه، وتنشأ لديه حالة "استلاب الوعي"، وفقاً لتسمية "فرانز فانون" في روايته "معذّبو الأرض" التي ناقش فيها مخاطر هذه الحالة على مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال.

800.jpg

هناك ظاهرةٌ لافتةٌ للانتباه فعلاً في المشهد اللّبنانيّ الحاليّ بالذّات، وقد تجلّت بوضوح أكبر- بل بوضوح يستوقف الانتباه بعمق واقعاً - منذ اعلان بدء موجة المفاوضات المباشرة بين السّلطة - أو الدّولة - اللّبنانيّة وبين العدوّ الاسرائيليّ مؤخّراً. وهي ظاهرة يمكن تسميتها، من دون حُكم قِيميّ بالضّرورة ومن دون تهجّم شخصيّ أو عقائديّ الطّابع، بـ"الجوع التّطبيعيّ"، والذي قد يبدو عميقاً جدّاً في أحيان كثيرة وعند أوساط مُعيّنة – باتت أكثرَ تنوّعاً نسبيّاً - من اللّبنانيّين.

750.jpg

ليست أزمة التفاوض بين واشنطن وطهران أزمة بنود تقنية فحسب. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي، ولا بنسبة تخصيب اليورانيوم، ولا بجدول رفع العقوبات. هذه كلها تفاصيل مهمة، لكنها ليست العقدة الكبرى. العقدة الحقيقية أن الأطراف لا تختلف فقط على شروط الاتفاق، بل تختلف قبل ذلك على معنى النصر نفسه.

Attack-on-Trump.jpg

لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟

799.jpg

عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.

799-2.jpg

تكتسب ظاهرة “المتصهين” معناها الأعمق: لا تتماهى فقط مع مشروع سياسي، بل مع بنية فكرية قد لا تعترف بالمتصهين إلا بقدر ما يؤدي وظيفة تخدم التصور القائم على التفوق والهيمنة والازدراء والاخضاع، وهذا ما يجعل حضوره جزءاً من آلية أوسع لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد تعبير عن موقف فردي.