Featured 1 Archives - 180Post

800-29.jpg

في الميثولوجيا الإغريقية، امتلكت كاساندرا هبة ثقيلة: رؤية ما سيأتي. رأت سقوط طروادة، وحذّرت من الحصان الخشبي، وعرفت الكارثة وهي ما تزال احتمالاً. مأساتها ولدت من المسافة بين المعرفة والفعل. بعد آلاف السنين، خرجت كاساندرا من الأسطورة وصارت مؤسسة كونية موزعة بين المختبرات والأقمار الصناعية ومراكز الأبحاث والنماذج الاقتصادية والبيانات والخوارزميات.

800-27.jpg

ليست المشكلة الأساسية في مشروع الموازنة اللبنانية للعام 2027 أنّه يرفع رسمًا هنا، أو يخفض ضريبة هناك، أو يبتكر آلية جديدة للتحصيل. المشكلة أعمق. النصّ لا يكشف عن عقيدة مالية متماسكة للدولة. هو أقرب إلى دفتر واسع لتعديل الضرائب والرسوم وإدارة السيولة منه إلى موازنة بالمعنى الاقتصادي والدستوري للكلمة؛ أي إلى وثيقة تحدد أين تريد الدولة أن تذهب، وكيف ستوزّع كلفة الأزمة، ومن سيدفع ثمن التعافي.

800-26.jpg

في كل عام، يعود الحديث لبنانياً عن الموازنة السنوية العامة من خلال مقاربتين أساسيتين تطغيان على سائر المقاربات الأخرى. الأولى، تناقش شكل الموازنة، ويتركز فيها الكلام على تأخرها، وعلى القاعدة الاثني عشرية، وغياب قطوعات الحسابات؛ وتمجيد إقرار مشروع الموازنة قبل انتهاء المهلة القانونية، وما يتبع ذلك من تمجيد «الدولة» و«عودة الدولة» ومحاربة الفساد. أما المقاربة الثانية، فتناقش الموازنة نفسها من حيث المضمون، فيطغى فيها الكلام عن انتفاخ بند هنا، وفساد هناك، وزيادة الضرائب، وعملية الجباية، وغيرها. وهي، بلا شك، مواضيع مهمة تعني المواطنين بصورة أساسية.

750-4.jpg

سقوط المخا نقل مركز الثقل في الحرب اليمنية من خطوط الجبهة الداخلية إلى عقدة استراتيجية تمس أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر، وتربط باب المندب مباشرة بتداعيات المواجهة الاميركية ـ الإيرانية في مضيق هرمز.

img715-deut-ccdfxxsdedder.jpg

للأزمة المشتعلة عند مضيق باب المندب، بعد سيطرة الحوثيين عليه، وجهان متلازمان. الأول يتصل مباشرة بأزمة مضيق هرمز، التي ترتبت على الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران. الثاني يعود إلى الأزمة اليمنية بكافة تعقيداتها الإقليمية، التي أخذت مداها إثر عملية «عاصفة الحزم» عام 2015، وما تلاها من تحولات وصدامات وانقلابات داخل المعسكر الواحد. لا يمكن، بأي حساب، ضمان أمن الملاحة البحرية في المضيقين الاستراتيجيين بالقوة العسكرية وحدها.

786.jpg

لم يكن اختيار القاهرة محطة للرئيس الصيني شي جين بينغ في مطلع أيلول/سبتمبر حدثاً بروتوكولياً عادياً، كما لم تكن أهميته مقتصرة على العلاقات الثنائية بين مصر والصين. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، وفي توقيت يسبق بأسابيع قليلة انتقال شي إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب في 24 أيلول/سبتمبر، وسط حرب مفتوحة مع إيران، واضطراب في مضيقي هرمز وباب المندب.

1000252216.jpg

العالم يتغيَّرُ. الوتيرةُ بطيئة الآن. لكنَّه يتغيَّر فعلاً. الإرهاصات في ربع هذا القرن تماثل الإرهاصات في ربع القرن الماضي. آنذاك انتهت الحروب ببروز القطبية الثنائية، وبنظام بريتون وودز الذي جعل الدولار سلطاناً نقديَّاً عالميَّاً، ثم تحوَّل إلى الأحادية الأميركية بعد زوال الاتحاد السوفياتي. وراهناً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يدخل العالم تدريجياً لكن بثباتٍ، في مرحلة سقوط الإمبراطورية الأميركية.

1000088357.jpg

نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.

800-23.jpg

لم يعد الأمن القومي، في عالم اليوم، يُقاس بخطوط الحدود البرية وحدها، ولا بعدد الجنود أو التحصينات العسكرية على أطراف الدولة. فالتغيرات التي شهدها الإقليم خلال العقد الأخير أعادت تعريف مفهوم الأمن ذاته، بعدما أصبحت الممرات البحرية وشبكات الطاقة والحروب الأهلية والتنافس على الموانئ عناصر لا تقل تأثيراً عن الحدود التقليدية في تحديد مكانة الدول وأمنها.

C40024E5-B246-4FE5-9E64-951DC96E1DAD.jpg

ثمة لحظات سياسية تصبح فيها قراءة الجمهور أكثر دلالة من قراءة القيادة نفسها. فالجمهور، خصوصًا عندما يرتبط بقضية تتجاوز السياسة اليومية إلى الهوية والعقيدة والذاكرة، يتحول إلى كتلة وجدانية تستقبل الخسارة بوصفها إصابة في المعنى الذي بنت عليه تاريخها وصورتها عن ذاتها.