Featured 1 Archives - 180Post

charge20260411B.jpg

لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد العالمي اليوم بالمعادلات الكلاسيكية التي تربط العرض بالطلب، ولا حتى عبر دورات التضخم والانكماش المعهودة، إذ إن ما يتكشف تدريجيًا هو انتقال نوعي في طبيعة الأزمات نفسها. فبدل أن تبقى هذه الأزمات ضمن نطاق الصدمات الاقتصادية القابلة للاحتواء، باتت تتحول إلى اختناقات جيوسياسية تعيد تعريف قواعد اللعبة من أساسها.

750.png

تأتي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل 1975، فيما يستعد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، تحت مظلّة العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشظي الكبير في الموقف الوطني، حيث لا تحمل الدولة اللبنانية بعدُ سلة تفاوضية جامعة في جعبتها باسم جميع مكوّناتها، ولا يقيها سقفٌ سياسيٌّ وإقليميٌّ واضحٌ يضبط هذه المحادثات ويمنع انزلاقها من التفاوض إلى الإملاء. هكذا يعود السؤال اللبناني القديم، لكن بصيغة أشدّ خطورة: هل تدخل الدولة إلى التفاوض طلبًا لوقف النار وحماية السلم الأهلي، أم تدخل إليه تحت النار ومن دون تفويض جامع، فتتحول الطاولة نفسها إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى؟ 

8112025.jpg

لم تكن الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد حدثاً عادياً يمكن قياسه بمنطق الربح والخسارة المباشرين أو التعادل السلبي. فهذه المفاوضات، التي جاءت بعد حربٍ مدمّرة استمرت أربعين يوماً ولامست تداعياتها معظم الإقليم والعالم، لم تكن في جوهرها محاولة سريعة لإنهاء الصراع، بقدر ما كانت اختباراً أولياً لميزان القوى الحقيقي بين طرفين يقرآن نتائج الحرب بشكلٍ متناقض تماماً، لكن الأهم من نتيجة الجولة الأولى ليس ما انتهت إليه، بل ما فتحته من أسئلة: هل نحن أمام استراحة قصيرة تسبق جولة تصعيد جديدة؟ أم أن هذه البداية المتعثّرة ستقود، تدريجياً، إلى مسار تفاوضي أكثر واقعية؟

800-13.jpg

يبرز اسم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وعلى وجه الخصوص، كعنوان أساسي في الاشتباك السياسي والإعلامي. تتكثف الحملات ضده، وتترافق أحياناً مع سرديات انتقائية تتجاهل واقع تمثيل "حزب الله" وحركة "أمل" داخل الحكومة، ويتحوّل تدريجياً إلى محور مواجهة مفتوحة. ومع كل تصعيد، تتراكم عناصر توتر لا تبقى محصورة في إطار الإعلام، بل تتجاوزها لتصنع بيئة سياسية قابلة للانفلات وتهديد السلم الأهلي.

780-2.jpg

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقرأ الأحداث من خلال ظاهرها فقط، بل من خلال العلاقات الخفية التي تربط بينها. هكذا يبدو المشهد اليوم بين مسارين تفاوضيين متوازيين ظاهريًا: مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وأخرى غير مباشرة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن التدقيق يكشف أن هذين المسارين لا يسيران بشكل مستقل، بل يتقاطعان عند نقطة مركزية واحدة: لبنان نفسه، لا بوصفه طرفًا تفاوضيًا كامل السيادة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة أوسع من الترتيبات الإقليمية.

800-12.jpg

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوتر والتحولات المتسارعة، لم يعد التفاوض الدائر في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد مسار تقني محصور بملف محدد، بل بات تعبيراً عن محاولة أوسع لإعادة ضبط الإقليم بعد موجات متلاحقة من التصعيد. من هنا، لا يمكن مقاربة هذا التفاوض من زاوية ثنائية ضيقة، بل من خلال ربطه بالساحات التي يتقاطع فيها النفوذ، وفي مقدمتها لبنان، بوصفه إحدى أكثر العقد حساسية في بنية الصراع.

870.jpg

يوم الخميس الماضي، تحدثت في هذا المكان بعجالة عن إقرار وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية بمحورية الدور المصري في الجهود الدبلوماسية التي أثمرت عن اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الدور الذي قاد، مع جهود أخرى باكستانية وتركية، إلى بدء المفاوضات في إسلام آباد.

800-11.jpg

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع هذا الشهر بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية، بل وحتى تدمير حضارتها، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وقال بالحرف: "إن حضارةً بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا"، كما وصف الشعب الإيراني بـ"الحيوانات" خلال رده على سؤال صحافي حول الفائدة من تدمير البنية التحتية في إيران.