Featured 1 Archives - 180Post

2-5.jpg

كان استخدام السيد حسن نصرالله لكربلاء وعاشوراء بوصفهما مكانًا للذاكرة يُعاد من خلاله بناء الحاضر السياسي والاجتماعي لحزب الله وجمهوره؛ أي أن كربلاء، في خطابه، لم تكن ماضيًا يُروى، بل إطارًا تُقرأ عبره الوقائع الجديدة، وتُقاس من خلاله كل التضحيات مهما بلغت جسامتها. وهنا تكمن قوة هذه اللغة ومتانتها؛ فهي تمنح المهزوم القدرة على ألا يرى نفسه بعين المنتصر، وإنما بعين التاريخ. وهذه، بالطبع، قوة هائلة تجعل المستحيل ممكنًا أحيانًا، لكنها قد تسمح أيضًا للسياسة، إذا أساءت استخدامها، بأن تحمي نفسها من الاعتراف بالخطأ.

800-35.jpg

بعض الزعماء ينتهي حضورهم حين يغيبون، وبعضهم يبدأ غيابهم حياةً أخرى في الذاكرة. وحين يصبح الصوت جزءاً من الطريقة التي تفهم بها جماعةٌ خوفها وانتصاراتها وهزائمها، لا يعود موت صاحبه مجرد غياب رجل، بل انقطاعاً مفاجئاً في السردية التي اعتاد جمهوره أن يرى العالم من خلالها. هكذا يمكن قراءة غياب حسن نصرالله، كما يمكن فهم القوة التي صنعت حضوره قبل الغياب.

800-31.jpg

ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.

leon-peace.jpg

في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.

800-1.png

عقب اتساع رقعة المواجهة الإقليمية على خلفية حرب غزة، كان لافتاً للانتباه صعود ظاهرة جيوسياسية أربكت الحسابات الاستراتيجية التقليدية: تحوّل تنظيم محلي يسيطر على جزء واسع من اليمن المنهك إلى طرف قادر على التأثير المباشر في حركة الملاحة البحرية العالمية، ودفع القوى الغربية إلى استدعاء أساطيلها لحماية ممرات البحر الأحمر. تحولٌ لا يُعبّر عن تغيّر جذري في موازين القوة، وحسماً ميدانياً لمصلحة «أنصار الله» (الحوثيين) في مواجهة القوى الدولية أو الإقليمية، لكنه يمثل نمطاً متطوراً من استخدام أدوات محدودة الكلفة لإنتاج مفاعيل استراتيجية وتكاليف اقتصادية تفوق حجم تلك الأدوات بأضعاف.

Russian-Dance.jpg

يشهد النظام العالمي تحوّلًا تتقدّم وقائعه على مؤسساته ومفاهيمه. فقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة على إدارة العالم منفردة، واستعادت روسيا حضورها الاستراتيجي، وصعدت الصين من قوة اقتصادية إلى قطب تكنولوجي وسياسي ينازع على قواعد النظام، فيما ضعفت قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الحروب وضبط التنافس. فانحسرت الأحادية قبل أن تتبلور تعددية مستقرة تنظّم ما بعدها.

ope.jpeg

في الحروب الطويلة، لا تبدأ التسويات لحظة توقيع الاتفاقات، بل قبل ذلك بكثير، عندما تبدأ الأطراف في البحث عن قنوات تستطيع من خلالها اختبار ما لا يمكن قوله علناً. ومن موسكو إلى ميتز، تبدو حركة الفاتيكان الأخيرة محاولة لحجز موقع في هذه المساحة الرمادية بين استمرار الحرب وإمكان التفاوض عليها؛ لا بوصف الكرسي الرسولي قوة قادرة على فرض الحل، بل باعتباره أحد الأماكن القليلة التي تستطيع إبقاء الباب مفتوحاً بين خصوم أغلقوا معظم الأبواب الأخرى.

800-30.jpg

"حروب بلا قتلى". هذه العبارة المنسوبة إلى الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران تختصر جانباً من التحولات التي طرأت على طبيعة الصراع الدولي. فالحرب لم تعد بالضرورة تُقاس بعدد الصواريخ والضحايا، بل يمكن أن تبدأ من الأسواق، العقوبات، الرسوم الجمركية، سلاسل الإمداد، التكنولوجيا، الموانئ والممرات التجارية، وحتى من العملة التي تُستخدم في تسوية التجارة الدولية.

800-29.jpg

في الميثولوجيا الإغريقية، امتلكت كاساندرا هبة ثقيلة: رؤية ما سيأتي. رأت سقوط طروادة، وحذّرت من الحصان الخشبي، وعرفت الكارثة وهي ما تزال احتمالاً. مأساتها ولدت من المسافة بين المعرفة والفعل. بعد آلاف السنين، خرجت كاساندرا من الأسطورة وصارت مؤسسة كونية موزعة بين المختبرات والأقمار الصناعية ومراكز الأبحاث والنماذج الاقتصادية والبيانات والخوارزميات.