لم تعد السياسة تُقرأ بوصفها قرارات خطية يُمكن التحكم بأحداثها من الأسباب إلى النتائج، بل بوصفها مجالاً متعددًا من الاحتمالات المتداخلة، حيث لا يكون الحدث السياسي حالة واحدة، بل شبكة ممكنات.
لم تعد السياسة تُقرأ بوصفها قرارات خطية يُمكن التحكم بأحداثها من الأسباب إلى النتائج، بل بوصفها مجالاً متعددًا من الاحتمالات المتداخلة، حيث لا يكون الحدث السياسي حالة واحدة، بل شبكة ممكنات.
لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.
كشفت الحرب على إيران عن أوجه قصور خطيرة لدى القوات الأميركية، وخلقت تحدّيات جديدة للولايات المتحدة منها أنها ببساطة لا تستطيع تحمل تكاليف خوض حرب أخرى مماثلة، وأن الحرب التي جرتها إليها إسرائيل قد تُذكر بوصفها تناقضاً صارخاً للقوة الأميركية. وبدلاً من تقليص التهديد الإيراني، ولّدت الحرب مخاطر جديدة لدول الخليج والاقتصاد العالمي. والتفوق العسكري الأميركي أسهم في تسريع تحول الشرق الأوسط نحو نظام ما بعد الهيمنة الأميركية، بحسب تقرير دانا سترول في "فورين أفيرز"(*).
شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة أعادت رسم خرائط النفوذ والصراع فيه، وكان لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب إيران بمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية، دور بارز في هذه التحولات. فقد تجاوز تأثير هذه القوى حدود إدارة شؤون دولها، لتصبح من أبرز الأطراف التي أسهمت في إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
ليست الإشكالية اللبنانية ـ الإيرانية الراهنة وليدة الحرب الأخيرة وحدها، ولا هي مجرد خلاف حول سلاح حزب الله أو حدود الدور الإيراني في لبنان. إنها حصيلة مسار تاريخي طويل انتقلت فيه العلاقة بين بيروت وطهران من علاقة رسمية هادئة ومحدودة التأثير إلى علاقة مركبة أصبح فيها لبنان (ولا سيما مقاومته)، جزءاً من تصوّر إيراني أوسع للأمن القومي.
من منا لم يرفع يديه إلى السماء متضرعاً من أجل أن تنتهي الحروب، وتتوقف آلة الموت والدمار، ويعود الناس إلى حياتهم الطبيعية؟ فهذا هو دأب الإنسان في بحثه الدائم عن الأمان والسكينة وتجنب الألم. لكن المفارقة أن بعض الأشخاص قد يختبرون مشاعر أكثر تعقيداً تجاه الحروب، بحيث تصبح أجواؤها، على قسوتها، جزءاً من عالمهم النفسي اليومي.
حين تُدوّن الحروب، غالباً ما تبدأ الرواية من الجبهات وتنتهي عند أعداد الضحايا والنازحين. تُقاس المدن بما خسرته من أبنية، وتُختزل المأساة في جداول إحصائية وتقارير إنسانية تلاحق الأرقام أكثر مما تلاحق البشر. لكن بعض الدراسات تبدأ من النقطة التي تنتهي عندها معظم التقارير؛ من الحياة اليومية التي يضطر الناس إلى إعادة بنائها بعدما تنتهي لحظة الهروب الأولى.
أذكر أنه في أواخر عام 2019 وبدايات 2020؛ هذه المرحلة التي ما يزال اللبنانيون يختلفون حتى اليوم على تسميتها وتفسيرها، كانت حكومة سعد الحريري قد استقالت، وكانت البلاد تعيش حالة غير مسبوقة من الغليان السياسي والشعبي. يومها كنا مقتنعين بأن إسقاط حكومة فاشلة هو بحد ذاته إنجاز وضرورة. أما اليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستطيع أن أقول إننا لم نكن نرى الصورة كاملة.
ثمة نموذج خاص من "اليساري" يستحق التأمل: نموذج "اليساري التائب"، لا بوصفه صاحب مراجعة فكرية، بل بوصفه صاحب قطيعة عاطفية مع ذاته السابقة.
لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.