الطاعة من دون طاغية

احتاجت السلطة طويلًا إلى وجه. ملك على العرش، قائد فوق المنصة، شرطي في الشارع، سجن خلف الأسوار، مؤسسة تعرف أسماء الداخلين والخارجين. ومن هوبز إلى فوكو، ظل سؤال فلسفة السياسة يدور حول مركز القوة: من يحكم؟ من يمنحه الحق؟ كيف يفرض إرادته؟ وكيف يطيع المحكوم؟

اليوم يُمكن قلب السؤال كله: ماذا لو أصبح البحث عن الحاكم نفسه مضللًا، لأن السلطة غادرت صورتها القديمة وتوزعت في البيئة التي يعيش داخلها الإنسان؟

هنا تبدأ الطاعة من دون طاغية.

فتح فوكو بابًا مبكرًا لهذا التحول عندما نقل دراسة السلطة من القصر إلى المدرسة والمصنع والمستشفى والسجن والجسد. السلطة، في هذا التصور، تسري عبر المؤسسات والمعايير والمعرفة، وتصنع أفرادًا قادرين على مراقبة أنفسهم. لاحقًا ذهب برنار ستيغلر إلى منطقة أخرى، فربط تحولات القوة الحديثة بالانتقال من تنظيم أجساد المنتجين إلى التقاط انتباه المستهلكين؛ أي انتقال جزء من الصراع إلى الوعي والرغبة والانتباه.

أما العالم الرقمي فيضيف إلى المسألة قدرة جديدة: معرفة الفرد بصورة متواصلة، ثم إعادة ترتيب البيئة المحيطة به وفق تلك المعرفة.

تفتح هاتفك صباحًا. أمامك عشرات آلاف الأخبار والصور والمقاطع الممكنة، فيما يصل إليك عشرون أو ثلاثون منها. أنت تختار بينها فعلًا، إلا أن سلطة سابقة على اختيارك رتّبت قائمة الممكنات. هنا يصبح السؤال أكثر دقة: مَن اختار الأشياء التي ستختار أنت بينها؟

الباحثة كارين يونغ سمّت إحدى صور هذه الظاهرة Hypernudge، أي الدفع الفائق أو التوجيه الخوارزمي المتجدد. الفكرة تتجاوز الأمر المباشر؛ النظام يعيد تشكيل «بيئة الاختيار» باستمرار وفق البيانات والسلوك السابق، فيوجّه الانتباه والقرار نحو مسارات معينة. قوته تأتي من طبيعته الديناميكية والشخصية والمتصلة: البيئة التي تقترح عليك خياراتك تتعلم منك أثناء اختيارك.

تخيل مواطنًا يتابع الانتخابات. تصل إليه يوميًا أخبار معينة عن الهجرة والبطالة والأمن والهوية، ويزداد تفاعله معها، فتتعلم المنصة أن هذا النوع من المحتوى يحتفظ بانتباهه، فتمنحه المزيد منه. بعد أشهر يصبح العالم السياسي الذي يراه مختلفًا جذريًا عن العالم الذي يراه جاره. كلاهما يشعر بأنه يتابع الواقع، فيما لكل واحد منهما ترتيب مختلف للواقع.

وتخيل عامل توصيل تقوده شاشة صغيرة: هذا الطريق أسرع، هذه المهمة أكثر جدوى، هذه الساعات أكثر ربحًا، وهذا تقييمك الحالي. المدير البشري يتراجع إلى الخلف، فيما تستمر الإدارة عبر الأرقام والحوافز والترتيب والتقييم. دراسات «التنظيم الخوارزمي» تصف أنظمة تجمع البيانات باستمرار وتستخدمها لإدارة المخاطر أو تعديل السلوك، عبر التوصية أحيانًا والتنفيذ الآلي أحيانًا أخرى.

حتى الطريق نفسه يصلح مثالًا فلسفيًا. يفتح السائق تطبيق الملاحة، يقترح التطبيق طريقًا، فيتبعه آلاف الأشخاص. يتغير الازدحام تبعًا لذلك، فتتغير المدينة الواقعية بفعل اقتراح رقمي. يبدو الأمر خدمة صغيرة، فيما تكشف بنيته شيئًا هائلًا: الاقتراح يستطيع إنتاج الواقع الذي اقترحه.

وهنا تصبح شوشانا زوبوف مهمة. في دراستها عن «رأسمالية المراقبة» تضع المسألة داخل صراع سياسي حول المعرفة: من يعرف ماذا عن الناس؟ ومن يمتلك البنى التي تجمع المعرفة وتستثمرها؟ بالنسبة إليها، أصبحت الشركات الرقمية الكبرى جزءًا من نظام اقتصادي ومؤسسي يمتلك قوة واسعة داخل فضاءات المعلومات والاتصال.

وهذا يقودنا إلى احتمال أكثر إثارة: ماذا لو وصلت السياسة نفسها إلى هذه المرحلة؟

يمكن لحكومة مستقبلية أن تعرف حركة السكان، وأنماط الاستهلاك، المزاج العام، مناطق التوتر، اتجاهات البحث، الموضوعات التي تشغل الناس. تستطيع السلطة عندها أن تستبق السلوك، وتعيد توزيع الخدمات أو الرسائل أو الأولويات وفق توقعاتها. يصبح الحكم أقل اعتمادًا على الأمر المباشر وأكثر اعتمادًا على إدارة الاحتمالات.

وقد تتخذ العملية وجهًا لطيفًا تمامًا: نقاط، مكافآت، إشعارات، ترتيب، شارات، نسب إنجاز. دراسة حديثة حول «السياسة النفسية» في المدن الرقمية تشير إلى إمكان استمرار المشاركة عبر الانكشاف الطوعي والحوافز الرمزية وتحسين الذات، مع تضييق الخيارات بواسطة التخصيص المتواصل.

عند هذه النقطة تصبح الطاعة كلمةً تحتاجُ إلى تعريف جديد.

الطاعة القديمة تبدأ بأمر: افعل.

الطاعة الجديدة قد تبدأ باقتراح: ربما يعجبك هذا.

ثم اقتراح آخر، وآخر، حتى يصبح المسار مألوفًا، ويصبح المألوف عادة، والعادة سلوكًا، والسلوك بيانات، والبيانات مادة لصناعة اقتراح أكثر دقة.

وهنا تقع المفارقة الكبرى في فلسفة الحرية المعاصرة. الإنسان يشعر بأنه يختار، ويملك بالفعل مساحة واسعة للاختيار، فيما البيئة التي تتشكل داخلها إرادته أصبحت قابلة للهندسة بدرجات متزايدة.

لهذا يصبح السؤال السياسي المقبل أعمق من سؤال حرية الاختيار. السؤال يذهب إلى اللحظة التي تسبق الاختيار نفسه:

من يصنع قائمة الممكنات داخل رؤوسنا؟

ربما كان الطاغية القديم أكثر بساطة. كان له قصر واسم وصورة وأوامر، وكان المواطن يعرف موقع السلطة التي تضغط عليه. أما سلطة القرن الحادي والعشرين فتستطيع أن تتوزع بين منصة وشركة وسوق وخوارزمية ومؤسسة وعادة شخصية.

وفي هذه المنطقة تحديدًا، تحتاج فلسفة السياسة إلى إعادة تعريف الحرية. فالحرية المقبلة ترتبط أيضًا بحق الإنسان في معرفة القوى التي ترتب أمامه العالم، وتحدد ما يراه أولًا، وما يصل إليه متأخرًا، وما يكتسب أهمية في وعيه.

إقرأ على موقع 180  الإبادة الأرمنية نموذجًا.. قرار بايدن من صنع أردوغان!

الطاغية الذي نراه يمكن أن يوقظ فينا فكرة المقاومة.

أما السؤال الأكثر صعوبة فهو عن سلطة تدخل حياتنا في هيئة خدمة، واقتراح، وراحة، واختصار للطريق، ثم تشاركنا بهدوء في صناعة الطريق نفسه.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الحرب الصهيونية الأولى على العالم