نضال خالد, Author at 180Post

800-46.jpg

يصعب فهم تاريخ الطوائف الإسلامية في لبنان من خلال ثنائية الولاء للداخل أو الارتهان للخارج، لأن علاقاتها الإقليمية لم تنشأ خارج التجربة اللبنانية، بل تشكلت داخل دولة عجزت، منذ قيامها، عن إنتاج هوية سياسية جامعة واحتكار وظائف الأمن والتمثيل والحماية. ومن هنا، فإن اختلاف التجارب السنية والشيعية والعلوية لا يعود فقط إلى تباين مرجعياتها ومواقعها الديموغرافية، بل إلى اختلاف الطرق التي واجهت بها كل جماعة طائفية سؤال الدولة وموقع لبنان في محيطه.

810-4.jpg

يصعب فهم تاريخ لبنان الحديث من دون التوقف عند هواجس الخوف التي حكمت علاقة جماعاته بعضها ببعض منذ نشأة الكيان. فالطوائف اللبنانية لم تختلف فقط حول توزيع السلطة وحصص المشاركة، بل حول تعريف الدولة نفسها، هويتها، وظيفتها، وعلاقتها بمحيطها. ومن داخل هذا الخلاف نشأت أنماط سياسية متباينة في الظاهر، لكنها تشترك في أصل واحد: البحث عن الحماية في ظل دولة لم تستطع أن تصبح المرجعية النهائية لجميع مكوناتها.

800-33.jpg

لا تبدو الأزمة اللبنانية مجرد أزمة دولة ضعيفة أو نظام سياسي مأزوم. هذا البلد وبرغم الانهيارات المتكررة التي عرفها، لم يتفكك بالكامل، كما لم ينجح في التحول إلى دولة حديثة تحتكر القرار السياسي والأمني بصورة كاملة. وبين هذين الحدين نشأ نموذج مختلف، يقوم على إدارة التوازنات أكثر مما يقوم على بناء سلطة مركزية قادرة على تجاوز الانقسامات.

800-25.jpg

شكّلت الأحزاب القومية والاشتراكية في لبنان منذ منتصف القرن العشرين ركيزة أساسية في الحياة السياسية والفكرية، إذ عبّرت عن طموحات جيل عربي آمن بالنهضة والوحدة والعدالة الاجتماعية. كانت نشأتها امتدادًا للتحولات الكبرى في المنطقة: صعود القومية العربية مع المدّ الناصري، اشتداد الحرب الباردة، وتنامي الحركات التحررية في مواجهة الاستعمار. في هذا المناخ، برزت الأحزاب القومية والاشتراكية كقوى سياسية تسعى إلى تجاوز الانقسامات الطائفية اللبنانية من جهة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني من جهة أخرى.

800-11.jpg

لا يُمكن تقييم زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، إستناداً فقط إلى برنامج اللقاءات التي عقدها، فاختياره الاكتفاء بالمرجعيات الرسمية، من دون لقاء الجماعات الإسلامية التي دعمت الثورة السورية طوال سنوات الحرب، يطرح سؤالًا يتجاوز البروتوكول إلى طبيعة السياسة التي تريد دمشق الجديدة انتهاجها في لبنان.

800-3.jpg

لا تنتهي الحروب بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في إعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة، وفي الدول الخارجة من النزاعات يصبح السؤال الحاسم: من يمتلك حق استخدام القوة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد أو تقديم الخدمات، وإنما أيضاً بامتلاكها الحق الحصري في استخدام السلاح. وفي الحالة السورية، يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية بعد حرب طويلة أنتجت آلاف التشكيلات المسلحة.

images-1.jpg

لم تعد دمشق وحدها مركز الدولة السورية. بعد أكثر من عقد على الحرب، تبدو السلطة في سوريا أقل شبهاً بدولة مركزية تقليدية، وأكثر قرباً من بنية موزعة تتقاسم فيها الفاعليات المحلية والمركزية وظائف الحكم والموارد والشرعية. وبينما تستمر مؤسسات الدولة في العمل شكلياً، فإن مراكز القوة الفعلية باتت موزعة بين شبكات نشأت خلال الحرب، أعادت تعريف معنى السلطة نفسها داخل المجال السوري. هذا التحول لا يطرح سؤال من يحكم سوريا؟ بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي تبقى من الدولة عندما تفقد قدرتها على الاحتكار؟

118802619_b3434fab-aa92-47f1-acf5-314ad7d08384_130916.jpg

في التجربة السياسية العربية الحديثة، لا يبدو مفهوم «النصر» ثابتاً أو محدداً بوضوح، كما قد توحي به التعريفات الكلاسيكية المرتبطة بالحسم العسكري أو الإنجاز السياسي الملموس. بل يتخذ هذا المفهوم طابعاً مرناً وقابلاً لإعادة التشكيل، بحيث يغدو أقرب إلى بناء تأويلي يتشكل عبر تفاعل الثقافة والخطاب والحاجات النفسية للجماعة.

750-7.jpg

لم أعد أحرص دائمًا على حلق لحيتي كل صباح، عادة قديمة تراجعت بهدوء، كما تتراجع الأشياء حين تتعلم أن تبقى بلا ضجيج. لست خائفًا من العمر، ولا يربكني البياض حين أراه في المرآة، كأن الزمن فقد حدّته الأولى وصار أكثر هدوءًا مما توقعت، حتى كلمة "حاج" أصبحت تتردد كثيرًا على مسامعي، ولم أعد ألتفت إليها كما كنت أفعل أو أحتج سابقاً.

800-17.jpg

في كل مرة يدخل فيها لبنان مرحلة جديدة من مراحل التحول السياسي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ما حجم النفوذ الأميركي الفعلي في هذا البلد؟ وهل تمتلك واشنطن القدرة على إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية وفق رؤيتها، أم أن الحديث عن وصاية أميركية يعكس مبالغة ترتبط أكثر بضعف البنية الداخلية اللبنانية منه بقدرة الخارج على الحسم؟