نضال خالد, Author at 180Post

800-7.png

في كتابه «غازي كنعان: صانع دولة الدمى»، لا يكتفي نقولا ناصيف بسرد سيرة مسؤول أمني سوري، بل يرسم صورة مرحلة تداخل فيها النفوذ السوري مع بنية الحكم اللبناني، حتى بدت مؤسسات الدولة اللبنانية قائمة فقط في الشكل، فيما كان القرار الفعلي يُصنع خارجها. لا يقتصر السؤال على كيفية صعود كنعان، بل كيف تغلغل نفوذه في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والاجتماعية، وكيف تعاملت معه الطبقة السياسية والطامحون إلى مراتب السياسة أو الإدارة باعتباره أمرًا واقعًا، أو فرصة لا بد منها أو سلطة يصعب الاعتراض عليها أو تجاوزها!

800-22.jpg

أعادت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في تموز/يوليو 2026، وحركة زيارات واستقبالات القائم بالأعمال السوري في لبنان إياد الهزاع، طرح سؤال يتصل بالذاكرة اللبنانية المثقوبة؛ فاستعادة العلاقات الطبيعية بين بلدين جارين ضرورة لا يُعكر ضرورتها مسار مضى، لكن هذا التطبيع لا يمحو الذاكرة، كما أن تغيّر الظروف لا يعفي أصحاب المواقف السابقة من تفسير خياراتهم، ماضياً وحاضراً.

825-1.jpg

سقط نظام بشار الأسد، لكن العلاقة اللبنانية–السورية لم تدخل بعد مرحلة جديدة واضحة المعالم. فالتغيير الذي شهدته دمشق فتح الباب أمام تجاوز إرث ثقيل، لكنه لم يحسم طبيعة العلاقة التي تريدها السلطة الجديدة مع لبنان، ويكتسب استمرار التمثيل الدبلوماسي عند مستوى قائم بالأعمال دلالة تتجاوز البروتوكول، وإن لم يكن كافيًا وحده للحكم على نيات دمشق. فالمسألة لا تتعلق بملف واحد أو بخلاف عابر، بل بعلاقة سقط النظام الذي كان يحكمها، فيما لم تتبلور بعد القواعد التي ستخلفها. السؤال أبعد من التمثيل الدبلوماسي: أيّ علاقة تريد دمشق بناءها مع لبنان، وأيّ علاقة تستطيع بيروت أن تقبل بها؟

800-15.jpg

لم يكن الخط العسكري عند معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا مجرد خط لتسهيل عبور السياسيين اللبنانيين إلى سوريا، بل كان رمزاً لعلاقة اختل فيها التوازن بين دولتين، وتقدمت فيها الامتيازات الشخصية على القنوات الرسمية. لذلك، فإن السؤال عن قدرة النظام السوري الجديد على إدارة علاقته بلبنان من دون هذا الخط يتجاوز المعبر نفسه إلى إرث الوصاية وإمكان التخلص من مضمونها السياسي.

850-1.jpg

أخطر ما يمكن أن يحدث حين يمتلك فاعلون مسلحون من غير الدول السلاح ليس أن يخطئوا في تقدير عسكري ما، بل أن يتعاملوا مع حقهم في خوض معركة أو حرب ما كأنه أمر مفروغ منه. فبين عدالة القضية وحق اتخاذ قرار الحرب مسافة لا تختصرها الشعبوية، ولا السلاح، ولا التاريخ النضالي. وحين يقرر فصيل خوض حرب تتجاوز نتائجها حدود التنظيم إلى شعب أو دولة، يبرز السؤال الذي غالباً ما يأتي متأخراً: من فوّضه؟ ومن يحاسبه عندما يدفع الآخرون ثمن قراره؟ هنا تبدأ المراجعة الحقيقية: من هو صاحب القرار؟

810.jpg

حين يصبح الواقع السياسي مثقلًا إلى حد العجز عن تفسير نفسه، لا يعود الخيال ترفًا فكريًا ولا هروبًا أدبيًا، بل يتحول إلى أداة نقدية. التفكير في عالم موازٍ لا يعني اختراع واقع مثالي، بل النظر إلى الواقع القائم كما لو أن قوانينه ليست قدرًا نهائيًا.

800-31.jpg

ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.

800-22.jpg

في 14 شباط/فبراير الماضي، لم يكن المشهد أمام ضريح رفيق الحريري مجرد استعادة سنوية لذكرى الاغتيال، ولا مجرد اختبار لقدرة «تيار المستقبل» على جمع جمهوره بعد سنوات من تعليق العمل السياسي. كان المشهد أقرب إلى اختبار لفكرة أكبر: ماذا بقي من الحريرية السياسية بعد أربعة أعوام من الغياب، وهل يستطيع سعد الحريري أن يعود إلى الموقع نفسه الذي تركه؟

830.jpg

لم ألتقِ الدكتور مالك أبو حمدان من قبل، وربما لا نعرف عن بعضنا إلا ما تتركه الكتابة من ظلال أصحابها. لم نجلس إلى طاولة واحدة، ولم نتبادل حديثًا يسبق الكلمات التي نكتبها. ومع ذلك، ثمة ما هو أقدم من المعرفة الشخصية يجمعنا: هذه المنطقة التي أنجبت أسئلتنا، وهذا الشرق الذي ترك فينا، برغم اختلاف مواقعنا منه، قلقًا واحدًا على الإنسان والمكان والمصير.

800-5.jpg

ثمة مفارقة تختصر جانباً كبيراً من أزمة الدولة في لبنان: أنّها تعرف عن مواطنها أكثر مما تعرف أحياناً عن نفسها. تعرف عقاره، ضريبته، سيارته، معاملاته، وتستطيع ملاحقته إذا بنى غرفة غير مرخصة أو حفر بئراً من دون إذن؛ لكنها قد تصل إلى طاولة تفاوض في قضية سيادية، فتكتشف أنها لا تملك ملفاً كاملاً، ولا معلومة موثقة، ولا جهازاً متفرغاً لجمعها.. ولا إرادة بجعل معيار المصلحة الوطنية العليا يتقدم على غيره من معايير.