نضال خالد, Author at 180Post

800-15.jpg

لم يكن اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2005 حدثًا سياسيًا عاديًا في تاريخ لبنان، بل شكّل لحظة فاصلة أسّست لمرحلة كاملة، نقلت البلاد من محاولة متعثّرة لبناء الدولة إلى مسار طويل من تفكيكها المنهجي.

760.jpg

يأتي هذا الجزء استكمالاً للمقال الأول حول تحوّل لبنان، منذ نكبة العام 1948 وحتى نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، من دولة متأثرة بالصراع العربي–الإسرائيلي إلى ساحة مركزية من ساحاته. وفي هذا الجزء الثاني، يتركّز النقاش على مرحلة ما بعد الحرب الباردة ومؤتمر مدريد، وكيف تبلور موقع لبنان بين مسارات التسوية من جهة، وأدوار القوى الإقليمية على أراضيه من جهة أخرى.

800-3.jpg

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تدرّجت علاقة لبنان بفلسطين، في تصوّرات لبنانية متباينة، من إطار يُقدَّم على أنه التزام قومي، إلى ملف ذي أبعاد داخلية متزايدة، ومن شعار تحرّري إلى أداة حاضرة في ترتيبات وضبط إقليمي، ومن ملف صراع مع إسرائيل إلى ملف يُطرح في سياق الصراع على لبنان نفسه. وتُقدَّم قراءة هذا المسار التاريخي عادةً كمدخل لفهم الوضع اللبناني الراهن، قبل الانتقال إلى سؤال الرؤية الوطنية في الحاضر.

11_september___shahid_atiqullah.jpg

شكّلت هجمات أيلول/سبتمبر 2001 منعطفًا استراتيجيًا حاسمًا في مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط، إذ انتقلت واشنطن من سياسة الاحتواء التقليدية إلى إعادة تشكيل الإقليم تحت شعار «الحرب على الإرهاب». تجلّى ذلك في غزو أفغانستان ثم العراق، غير أنّ التركيز على إسقاط الأنظمة، من دون تصوّر واضح لمرحلة ما بعد السقوط، أدّى إلى تفكك السلطات المركزية وخلق فراغ بنيوي عميق مهّد لمرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار.

800-38.jpg

في العقدين الأخيرين، شهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة في بنية الأمن والسياسة، أعادت رسم خريطة الفواعل المؤثرة، وأبرزت ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفهم لاعبين مركزيين، لا مجرد أطراف هامشية في الصراعات. فقد ترافق تراجع الدولة الوطنية، وتآكل مؤسساتها، وتفكك قدرتها على احتكار العنف المشروع، مع صعود جماعات مسلحة استطاعت أن تملأ فراغات السلطة والأمن، وأن تفرض نفسها جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، سواء بالقوة الميدانية أو بالشرعية الرمزية والهوياتية.

796.jpg

من يراقب مسار صناعة القرار السياسي في لبنان يكتشف سريعًا أن السؤال الأهم ليس: ماذا تُقرّر السلطة؟ بل: أين، وكيف، ومن يُقرّر باسم السلطة؟ فخلافًا لما هو سائد في الديموقراطيات الراسخة، حيث تُصاغ القرارات داخل مؤسسات منتخبة وفق قواعد واضحة ومعروفة سلفًا، تبدو القواعد في الحالة اللبنانية مائعة، تتبدل بتبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية، وتختلط فيها حسابات الطوائف بحسابات العواصم الخارجية.

GettyImages-2188791915.jpg

في الأماكن التي تتقاطع فيها الطرق أكثر مما تتقاطع الهويّات، لا تُفهم الجغرافيا بوصفها حدًّا نهائيًا، بل مسارًا مؤجَّل الاكتمال. هناك، في الأرياف اللبنانية الملاصقة للحدود السورية، تشكّلت حياة كاملة خارج سرديات العاصمة، وخارج فكرة الدولة المكتملة. لم تكن الحدود جدارًا، بل محطة مؤقتة في طريق أطول من الخرائط.

780.jpg

كيف انتقل المسلمون السنّة في لبنان من سياسة تقوم على التنافس والتعدّد، إلى تمثيل يتمحور حول مرجعية واحدة؟ وهل كان هذا التحوّل ضرورة فرضتها مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، أم مسارًا انتهى بتفريغ السياسة من مضمونها؟

800-15.jpg

لم يعد التحوّل السوري حدثًا عابرًا يمكن للبنان أن يراقبه من مسافة آمنة. فالمشهد الإقليمي الذي يتشكّل اليوم، مع عودة دمشق التدريجية إلى الفضاءين العربي والدولي، يؤسّس لمرحلة جديدة قوامها البراغماتية وإدارة المصالح لا إدارة القطيعة. في هذه اللحظة بالذات، يبدو لبنان مرة أخرى خارج الإيقاع، يتعامل مع تغيّر جاره الأقرب كما لو أنّه شأن خارجي لا يطال توازنه الداخلي ولا مستقبله السياسي والاقتصادي.