موازنة لبنانية بلا مشروع: “تمخّض الجبلُ فولد فأراً”!

في كل عام، يعود الحديث لبنانياً عن الموازنة السنوية العامة من خلال مقاربتين أساسيتين تطغيان على سائر المقاربات الأخرى. الأولى، تناقش شكل الموازنة، ويتركز فيها الكلام على تأخرها، وعلى القاعدة الاثني عشرية، وغياب قطوعات الحسابات؛ وتمجيد إقرار مشروع الموازنة قبل انتهاء المهلة القانونية، وما يتبع ذلك من تمجيد «الدولة» و«عودة الدولة» ومحاربة الفساد. أما المقاربة الثانية، فتناقش الموازنة نفسها من حيث المضمون، فيطغى فيها الكلام عن انتفاخ بند هنا، وفساد هناك، وزيادة الضرائب، وعملية الجباية، وغيرها. وهي، بلا شك، مواضيع مهمة تعني المواطنين بصورة أساسية.

أي موازنة عامة حقيقية يجدر بها أن تعكس قرارات السلطة ورؤاها وسياساتها، التي من الطبيعي أن يختلف البعض في مقاربتها ويتفق معها البعض الآخر، إذ إنها تلحظ المتغيرات، وتضع مصلحة ما في مرتبة الأولوية ومصلحة أخرى في مرتبة ثانوية، فتفضل الأولى على حساب الأخيرة.

أما في لبنان، فلا تكون الموازنات إلا على حساب المغتربين وعلى حساب الأكثر فقراً. وإن جاز القول، فإن الضرائب، في حقيقتها، ليست تصاعدية نسبة إلى الدخل (Progressive)، بل هي تنازلية، تتناقص مع ازدياد الدخل، بمعزل عما تنطق به النصوص القانونية والمراسيم التنفيذية عن حقيقة الضرائب.

في هذه المقالة، لست أدّعي أنني أخترع البارود، بل أحاول أن أقارب بديهيات البديهيات. أحاول أن أختصر الأدبيات المفيدة التي ناقشت الموازنات والحوكمة، وأن أسقطها على ما يجدر بموازنة العام أن تحمله.

فقد جرت العادة في لبنان أن تتنافس الحكومات فيما بينها على عدد صفحات الموازنة، فنجد فيها، في كثير من الأحيان، مشاريع قوانين، وليس هذا محل الموازنة. بل إن كثيراً مما يرد في الموازنات ليس مكانه فيها.

وفي هذه المقالة، أناقش شعار مكافحة الفساد، شكلاً ومضموناً، والمشروع السياسي المفترض، وما يتضمنه بالضرورة من حشد هادف وعادل للموارد.

***

بداية، الدولة ليست شعارات نبقى نرددها حتى نصدقها. وحكماً، فإن مكافحة الفساد هي الحد الأدنى المطلوب من المسؤولين في القطاع العام ممن يتقاضون راتباً في مقابل عملهم.

ولم يدّعِ أي حزب في لبنان، حتى اليوم، أنه مشجع للفساد، وبذلك لا تكون مكافحته مشروعاً سياسياً. بل إن الطامة الكبرى هي في اعتبار الفساد وغياب «الكفاءات» جذر المشكلات في لبنان، وبالتالي تحوير الجهود كافة عن صلب المشكلة وجذرها: النظام الطائفي.

وبالتالي، لا يمكن أن يكون هدف الموازنة الوحيد محاربة الفساد، إذ إن ذلك في ذاته ليس مشروعاً سياسياً تختلف الأحزاب فيما بينها حوله. بل إن الموازنة هي تعبير عن مشروع السلطة التنفيذية في بلد ما.

فمثلاً، نرى في بلدان كثيرة أن الموازنة قد تهدد استمرار حكومة شُكّلت للتو. فالموازنة مجموعة قرارات تتخذها السلطة وتتحمل مسؤوليتها، وبطبيعة الحال، ستضر هذه القرارات فئة وتفيد فئة أخرى.

فإن كان أحد أهداف الموازنة، مثلاً، زيادة دخل الخزينة العامة، فإما أن تستدين الدولة أو تزيد الضرائب. وإذا قررت الاستدانة، فالمشروع السياسي يكمن في كيفية سداد هذا الدين وفي ما ستنفقه. وإذا قررت إنفاقه على دعم قطاع السياحة، مثلاً، فإن ذلك سيكون على حساب الصناعة.

وكذلك الأمر في حال قرّرت زيادة الضرائب: فمن سيدفعها؟ وعلى ماذا سننفقها؟

أما إذا دفعها محدودو الدخل، ثم أنفقناها على مداخيلهم، فتكون هذه سياسة «من العبّ إلى الجيبة»، وحكماً لا ترقى إلى مستوى أن تسمى سياسة عامة، فضلاً عن أن تكون مشروعاً سياسياً.

بل إن هذه الاستراتيجية ريعية، ولا تنقل الاقتصاد إلى اقتصاد منتج يتيح للدولة زيادة مداخيلها من دون المساس بمحدودي الدخل. وفوق ذلك، فإن عنوان محاربة الفساد فضفاض جداً، ويصلح لتلميع صورة الساسة وفاقدي الشرعية.

***

إن دولة مثل لبنان تقع في غرب آسيا، ويحيط بها الاحتلال الصهيوني، ويرصدها الاستعمار والإمبريالية بأدواتهما كافة، لا بد أن تأرق ليلاً وهي تفكر في كيفية تحسين دفاعها وأمنها وتقوية مؤسساتها العسكرية والأمنية.

من هذه الزاوية يُصبح السؤال الموجه إلى رئاستي الجمهورية والحكومة: إذا كنتما تبحثان عن مصلحة الجمهورية اللبنانية، وإن كانت هذه المصلحة تكمن في حصرية السلاح بيد الدولة، أين الإنفاق على الدفاع في موازنتكما؟ أين شراء السلاح ومحاولة تصنيعه وزيادة التجنيد وخدمة العلم؟

وهذا السؤال موجه إلى جميع الأحزاب الطائفية في لبنان، وإلى كل من اشترك في سلطة تنفيذية أو سلطة تشريعية أقرّت مشروع قانون الموازنة، أي موازنة.

فالموازنة لا بد أن تعبّر عن أولويات السلطة. فإذا كانت الأولوية للدفاع والأمن، فلا بد أن يزداد الإنفاق على هذا البند على حساب بنود أخرى، ولا يجدر أن يبقى الإنفاق على مؤسسة الجيش اللبناني مقتصراً على الرواتب فقط، فضلاً عن أن هذه الرواتب لا تكفي أبناء المؤسسة لتأمين الحد الأدنى من مستويات المعيشة.

وإذا كانت الحجة، مثلاً، عدم إمكان زيادة مداخيل الدولة، فيمكن للسلطة أن تتخذ مجموعة من الإجراءات التي من شأنها أن تصب في مصلحة هذا الملف.

فمثلاً، يمكن زيادة الضرائب على البيوت التي لا يسكنها مالكوها ولا يؤجرونها، وبالتالي تحفيز أصحابها على تأجيرها، وتباعاً زيادة العرض وما يلحق ذلك من انخفاض في الإيجارات. وهذه الزيادة الضريبية لا بد أن تشمل أوقاف سائر الطوائف والمذاهب.

طبعاً، هذا إن اعتبرت السلطة نفسها مسؤولة عن إغاثة مئات آلاف النازحين الذين خسروا منازلهم واحتُلّت قراهم، والذين لا تقل إيجارات مساكنهم عن ألف دولار، أي نحو ضعف الحد الأدنى للأجور. من حق هؤلاء على أهل السلطة أن يلحظوا في الموازنة العامة ملفات كثيرة، من السلة الغذائية إلى النقل العام والبطالة والهجرة والدراسة والطبابة، وغيرها من الأساسيات التي يمكن معالجتها لو توافرت الإرادة لذلك، وتوافر القرار الذي صار لبنانياً بعد خلاصنا من «الاحتلال الإيراني»، بحسب ما تروّج له السلطة.

إقرأ على موقع 180  ساندرز: أوليغارشيا مالية تُقرّر سياسة أميركا الخارجية!

أما بخصوص الضرائب والرواتب، ففي بلد يعاني من اقتصاد ريعي لا يصدّر ولا ينتج سوى أبنائه، أين هي السياسة الصناعية أو الإنتاجية للسلطة؟ وأين هي الرؤية الاقتصادية؟

***

لا شك في أن الدولة اللبنانية بحاجة إلى زيادة إيراداتها، وبالتالي زيادة قدرتها على الإنفاق. لكن أي إنفاق هو ذلك إن لم ينتج شيئاً؟ ومن يجب أن يدفع؟ وماذا عن الجباية والتهرب الضريبي؟ وماذا عن نقص الموظفين في وزارة المالية وغيرها من المؤسسات العامة؟ وماذا عن الودائع وأصحاب المصارف؟ وماذا عن تحديد سعر الصرف؟ وماذا عن المزارعين والصناعيين؟ وماذا عن وعن…؟

الأسئلة كثيرة، والجواب لا يكون شفهياً، بتصريح هنا ومنشور هناك!

إن سلطة تريد أن تبني دولة لا بد لها أن تحدد توجهها نحو اقتصاد منتج ـ أي اقتصاد لديه فائض في ميزانه التجاري ـ أو العكس.

فإذا كنا نريد زيادة الصادرات، فأين سعر الصرف من هذا؟ وأين المحفزات للمنتجين في لبنان؟ ألا يجدر بالضرائب أن تكون مساوقة لهذا المسار؟

إن سعر الصرف هو تعبير عن قرار الإنتاج. فإذا أردنا زيادة صادراتنا، لا بد لعملتنا أن تكون رخيصة وثابتة نسبياً، بصورة حقيقية لا وهمية كما هي الآن.

ولا بد عندها من تحديد السياسة الإنتاجية، وانتقاء السلع التي يتمتع لبنان بميزة تفاضلية في إنتاجها، وبالتالي تحفيزها والحد من منافسة المستوردات لها.

وهذا يتصل بصورة أساسية بسوق العمل والتعليم. فإذا كان للبنان ميزة تفاضلية في صناعة تحتاج إلى مهندسين، فيجب تحسين هذا الاختصاص ودعمه في الجامعة اللبنانية، وعدم تشجيع اختصاصات أخرى بالدرجة نفسها.

***

السؤال موصول إلى الأحزاب اللبنانية التي تتباهى بعفتها عن زيادة الضرائب مطلقاً: يا قادة أحزابنا من أصحاب الأيادي البيضاء، كيف نزيد إيرادات الدولة، وبالتالي إنفاقها، حتى تنمّي الاقتصاد؟ وهل رفض زيادة الضرائب مطلقاً حسنة تستدعي المفاخرة مثلاً؟ أم أنها شعار نكسب به تعاطف جموع الفقراء والكادحين؟

إن أي دولة تمتلك موارد محدودة، ودراسة هذه الموارد وتوظيفها في المكان الأمثل والأنسب هي من صلب علم الاقتصاد.

ونتيجة تحريف معنى مصطلح «علم الاقتصاد»، نحتاج إلى تسمية هذه العملية «الحشد العادل والهادف للموارد».

فكما قلنا، إن أي قرار يحقق فائدة لفئة ما ويلحق ضرراً بفئة أخرى. وقد ناقشنا، في هذا المثال، الضرائب التي تحفز الإنتاج على حساب القطاعات غير المنتجة، وكيف نحفز بعض الاختصاصات الجامعية على حساب اختصاصات أخرى.

وسأضيف مثالاً آخر في هذا المقام كي تتضح فكرة الحشد العادل والهادف للموارد.

فإن من مقدمات الانتقال بالاقتصاد إلى اقتصاد منتج معالجة مسألة القطاع المصرفي وخسائره.

وبمعزل عن الرأي القانوني في هذا السياق، استفاد أصحاب المصارف من الفوائد العالية على سندات اليوروبوندز (Eurobonds) لسنوات طويلة.

ويقول الاقتصاديون إن ارتفاع معدل الفائدة ينذر بمخاطر كبيرة. لذلك، قررت مصارف أجنبية كثيرة مغادرة السوق اللبنانية. أما المصارف الخاصة المحلية، فعلمت بالمخاطر وقررت البقاء، واستخدمت بذلك أمانات المودعين في مشاريع اقتصادية تستجرّ منها الأرباح.

فهل يُعقل أن يدخل المرء في مشروع اقتصادي، ويستجر الأرباح إلى جيبه، ثم يطالب الدولة بأن تدفع الخسائر المترتبة على قراراته الفاشلة؟

لذلك، يجب أن يتحمل أصحاب المصارف الخسائر. أما الخسائر التي لا تستطيع أصول أصحاب المصارف تغطيتها، فيجب أن يتحملها أصحاب الودائع الريعية.

فلا يُعقل أن تتحمل صناديق النقابات وحسابات الشركات المنتجة الخسائر ذاتها التي يتحملها من يريد أن يأخذ أمواله ويخرج بها من لبنان.

وهذا هو توزيع الموارد ـ وفي هذه الحالة الخسائر ـ بصورة هادفة وعادلة. وهو حكماً مما لن يعجب الجميع، لكنه أيضاً من مسارات بناء الدول.

***

ختاماً، إن محاربة الفساد شعار فضفاض لا يعني، وحده، شيئاً، وليست وحدها المشكلة. ويجدر بالموازنات أن تراعي المتغيرات كافة، وأن تتبنى مشروعاً سياسياً حقيقياً، يضر بفئة ويفيد فئة أخرى.

هذه الموازنة كأخواتها من الموازنات التي سبقتها: موازنة رفعٌ العتب.

فعلاً؛ «تمخّض الجبل، فولد فأراً».

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إنّه خطابُ الفتنة في الأيّام اللبنانية الزائدة