علي العزي, Author at 180Post

800.jpg

في تاريخ لبنان الحديث لم يكن النقص يومًا في عدد الزعماء؛ فقد تعاقبت زعامات سياسية وطائفية وحزبية استقطبت الجماهير، وخاضت الصراعات، وأدارت الحروب والتسويات. غير أن وفرة الزعامات لم تُنتج وفرةً في رجال الدولة، ولذلك لم تكن الأزمات المتكررة ثمرة غياب الزعماء، بقدر ما كانت نتيجة ندرة رجال الدولة القادرين على الارتقاء بالمصلحة الوطنية فوق المصالح الجزئية، وصياغة أفق وطني جامع يجعل الدولة المرجعية العليا التي تنتظم في إطارها جميع الولاءات والانتماءات.

810-1.jpg

في حياة الأمم لحظات تكشف فيها الأزمات حدود السياسة اليومية وتعيد طرح الأسئلة التأسيسية المتعلقة بمعنى الجماعة ومصيرها. ففي مثل هذه اللحظات لا يعود الخلاف حول الحكومات والتحالفات وموازين القوى هو القضية الأهم، بل يصبح السؤال: ما المرجعية التي تمنح الدولة شرعيتها وقدرتها على الاستمرار؟

801-8.jpg

في حياة الأمم لحظاتٌ نادرة يتوقف فيها الحاضر عن كونه امتداداً للماضي، ويتحول إلى مفترق طرق تاريخي تتزاحم عنده الأسئلة المؤجّلة والاحتمالات المفتوحة. وفي مثل هذه اللحظات لا تراجع المجتمعات سياساتها فقط، بل تعيد النظر في الأفكار والمعاني التي نظّمت وجودها المشترك ومنحته اتجاهه.

800-5.jpg

ليست الأمم مجرد جماعات تعيش فوق الأرض نفسها، بل جماعات تتشارك معنى وجودها فوق هذه الأرض. غير أن هذا المعنى لا يتولد من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي تُفهم بها تلك الوقائع وتُدمج داخل سردية مشتركة تمنحها دلالتها وموقعها في الوعي الجماعي. وبين الحدث وتفسيره، وبين الواقع وإدراكه، يتشكل ذلك العالم الرمزي الذي يجعل جماعة من البشر ترى نفسها شعباً واحداً ومصيراً واحداً ومستقبلاً واحداً.

800-53.jpg

أجزم أن عبد الحليم حمود وهذه الرواية توأمان. أديبنا، ليس من الكتّاب الذين يكتفون بصناعة الحكاية، بل من أولئك الذين يحاولون بناء عالم كامل داخل اللغة؛ ففي كتاباته، تتجاور حساسية الفنان مع قلق الفيلسوف، فتتحول الجملة إلى مساحة تأمل، ويغدو السرد رحلةً في التصدعات الخفية للنفس والذاكرة والوجود الإنساني.

800-11.jpg

ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.

800-46.jpg

لا تعود أزمة لبنان إلى فشل في الإدارة أو عجز في الإصلاح، بل إلى خلل في الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه. فالبنية الطائفية لا تُنتج أزمة طارئة، بل تُعيد إنتاجها بوصفها شرطًا من شروط عملها، ما يجعل كل محاولة إصلاح جزءًا من استقرار الأزمة لا مدخلًا لحلّها. من هذا المنطلق، ينتقل النقاش من سؤال الإصلاح إلى سؤال إعادة التأسيس: كيف يمكن قيام دولة في ظل بنية تمنع تشكّل “شعب سياسي” أصلًا؟ وكيف يمكن إنتاج شرعية عامة في نظام قائم على توازن الجماعات؟

1-1.jpg

يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.

800-25.jpg

في زَمنِ الحَربِ، حيثُ تتقاطعُ أصواتُ المدافعِ مع صخبِ الطّائراتِ والصواريخِ، يصبحُ البقاءُ على قيدِ الحياةِ اختبارًا دائمًا، فيظهرُ الحبُّ كقوّةٍ خفيةٍ تمنحُ الإنسانَ توازنًا في انفعالاتهِ، وسببًا للصمودِ وسطَ الخرابِ. الحبُّ هنا ليس رفاهيةً، بل ضرورةً للبقاءِ، طاقةٌ روحيةٌ تمنحُ القلبَ القدرةَ على مواجهةِ الخوفِ والقلقِ، وتجعلُ الروحَ صامدةً أمامَ قسوةِ المشاهدِ، وحافزًا للحفاظِ على القيمِ الإنسانيةِ وسطَ الفوضى.