علي العزي, Author at 180Post

800-26.jpg

تُقاس قدرة الأمم على صناعة مستقبلها بقدرتها على اختيار أسئلتها الكبرى؛ فالسؤال الذي تطرحه أمةٌ على نفسها يكشف وعيها بذاتها، ويرسم أفقها الحضاري، ويحدد اتجاهها في التاريخ. واللافت للانتباه أن العالم يتجه اليوم نحو سؤال المستقبل: كيف نبني الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وبناء المؤسسات وقيادة التحولات؟ بينما ما يزال جانب واسع من الفكر والسياسة العربيين يدور حول سؤال آخر: كيف نصل إلى السلطة ونحافظ عليها؟ ما بين السؤالين تتحدد المسافة بين أمم تصنع المستقبل وأخرى تكتفي بإدارة أزماتها.

800-16.png

شكّل صعود اليسار العربي، منذ منتصف القرن العشرين، واحدةً من أبرز لحظات الحلم العربي بالخروج من الاستعمار والتأخر والتبعية. ففي مرحلة كانت فيها المجتمعات العربية تبحث عن طريق إلى الاستقلال والعدالة والدولة الحديثة، بدا اليسار، بتعدد تياراته، أكثر من مجرد قوة سياسية؛ بل وعداً تاريخياً بأن يقترن تحرير الأرض بتحرير الإنسان، وأن يتحول الاستقلال من سيادة على الأرض إلى مشروع لبناء المجتمع والدولة.

800-27.jpg

لكل انتقالٍ تاريخي لحظةٌ يبدأ فيها المستقبل بطرح أسئلته قبل أن ينتهي الماضي من تقديم أجوبته. عندها لا يكفي فهم أسباب التعثر، بل يصبح التحدي بناء الطريق إلى ما بعده. ويبدو أن لبنان، بعد قرنٍ من الأزمات، قد بلغ هذه اللحظة التي لم يعد فيها إصلاح الدولة كافيًا، بل غدا التفكير في إعادة تأسيسها ضرورة وطنية.

800.jpg

في تاريخ لبنان الحديث لم يكن النقص يومًا في عدد الزعماء؛ فقد تعاقبت زعامات سياسية وطائفية وحزبية استقطبت الجماهير، وخاضت الصراعات، وأدارت الحروب والتسويات. غير أن وفرة الزعامات لم تُنتج وفرةً في رجال الدولة، ولذلك لم تكن الأزمات المتكررة ثمرة غياب الزعماء، بقدر ما كانت نتيجة ندرة رجال الدولة القادرين على الارتقاء بالمصلحة الوطنية فوق المصالح الجزئية، وصياغة أفق وطني جامع يجعل الدولة المرجعية العليا التي تنتظم في إطارها جميع الولاءات والانتماءات.

810-1.jpg

في حياة الأمم لحظات تكشف فيها الأزمات حدود السياسة اليومية وتعيد طرح الأسئلة التأسيسية المتعلقة بمعنى الجماعة ومصيرها. ففي مثل هذه اللحظات لا يعود الخلاف حول الحكومات والتحالفات وموازين القوى هو القضية الأهم، بل يصبح السؤال: ما المرجعية التي تمنح الدولة شرعيتها وقدرتها على الاستمرار؟

801-8.jpg

في حياة الأمم لحظاتٌ نادرة يتوقف فيها الحاضر عن كونه امتداداً للماضي، ويتحول إلى مفترق طرق تاريخي تتزاحم عنده الأسئلة المؤجّلة والاحتمالات المفتوحة. وفي مثل هذه اللحظات لا تراجع المجتمعات سياساتها فقط، بل تعيد النظر في الأفكار والمعاني التي نظّمت وجودها المشترك ومنحته اتجاهه.

800-5.jpg

ليست الأمم مجرد جماعات تعيش فوق الأرض نفسها، بل جماعات تتشارك معنى وجودها فوق هذه الأرض. غير أن هذا المعنى لا يتولد من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي تُفهم بها تلك الوقائع وتُدمج داخل سردية مشتركة تمنحها دلالتها وموقعها في الوعي الجماعي. وبين الحدث وتفسيره، وبين الواقع وإدراكه، يتشكل ذلك العالم الرمزي الذي يجعل جماعة من البشر ترى نفسها شعباً واحداً ومصيراً واحداً ومستقبلاً واحداً.

800-53.jpg

أجزم أن عبد الحليم حمود وهذه الرواية توأمان. أديبنا، ليس من الكتّاب الذين يكتفون بصناعة الحكاية، بل من أولئك الذين يحاولون بناء عالم كامل داخل اللغة؛ ففي كتاباته، تتجاور حساسية الفنان مع قلق الفيلسوف، فتتحول الجملة إلى مساحة تأمل، ويغدو السرد رحلةً في التصدعات الخفية للنفس والذاكرة والوجود الإنساني.

800-11.jpg

ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.