ألمانيا تفكّ عقدة القوة: من ذاكرة الحرب إلى طاولة الكبار

عرفت ألمانيا عام 2026 مستويات إنفاق دفاعي غير مسبوقة، متجاوزة السقوف المعهودة وسياسة الانضباط المالي؛ وبرغم التحجج خطابياً بالتهديد القادم من الشرق، فإن عديد التحاليل تضعه في خانة انصياع برلين للضغط المستمر القادم من واشنطن. وفي حين تعلن برلين صراحة عن سعيها لبناء الترسانة التقليدية الأكبر في أوروبا، تتزامن هذه العسكرة المتسارعة مع تعقّد المشهد الأخلاقي الدولي جراء تداعيات حروب الشرق الأوسط، وتحديداً في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران. هذا التداخل المعقد بين الطموح العسكري المستجد والعبء القِيَمي القديم يطرح علامات استفهام كبرى حول البنية السيكولوجية-السياسية للنخبة الألمانية، وهو ما ستحاول تفكيكه السطور التالية.

متلازمة «ما بعد النازية»: تحطيم المحرمات وكسر كابوس لينينغراد

عاشت النخبة السياسية الألمانية لعقود طويلة تحت وطأة عبء تاريخي ثقيل، صاغ هويتها الدولية على أسس الاستكانة العسكرية، والامتناع عن التدخل في النزاعات المسلحة، وتبنّي النهج السلمي المطلق كعقيدة لا تقبل النقاش. هذا «التشنج الأخلاقي» لم يكن مجرد شعور عام بالذنب، بل استند إلى صدمة الذاكرة الجمعية المشتركة مع موسكو، المتمثلة في كابوس زحف الدبابات الألمانية على الأراضي السوفيتية، والمسؤولية التاريخية عن ملايين الضحايا الذين سقطوا في فظائع مثل حصار لينينغراد.

لقد ظل هذا الإرث يمثل «الخط الأحمر» النفسي والسياسي لبرلين، غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكّل صدمة نسقية عنيفة أخرجت ألمانيا من حالة الشلل الدفاعي، وشجعتها على كسر المحظور التاريخي عبر تزويد كييف بدبابات «ليوبارد» (Leopard) المتطورة. هذا التحول لم يكن مجرد دعم تقني، بل مثّل «أثراً علاجياً» حرر النخبة الألمانية من قيود الماضي؛ إذ استبدلت مبدأ «لا حرب من جديد» (Nie wieder Krieg) بالتنظير لضرورة «امتلاك القوة» كوسيلة مفضلة للردع. في المقابل، استغلت موسكو رمزية ظهور الدبابات الألمانية مجدداً على مسرح العمليات لتعميق السردية القومية الروسية، حيث سارع الكرملين إلى تقديم تدمير دبابات «ليوبارد» كإثبات تاريخي على أن ألمانيا لم تتعظ من دروس الماضي؛ وهكذا تحولت الساحة الأوكرانية إلى مواجهة بالوكالة مشحونة بالظلال الرمزية للحرب العالمية الثانية. ومن المفارقة التاريخية أن قوى أقصى اليمين الألماني، المهيكلة في حزب البديل – المتهم رسمياً بالتطرف اليميني – تعلن تعاطفها مع روسيا، أو أقلّه رفض المواقف العدائية تجاهها.

غزة والشرق الأوسط: التحلل الرمزي من ذنب الإبادة وحدود شعار «مصلحة الدولة العليا» عملياتياً

يمثل الموقف الألماني من الصراع في الشرق الأوسط البُعدَ الثاني في عملية «الاستشفاء النفسي» للنخبة السياسية الألمانية، وإن كان يكشف في الوقت ذاته عن حدود قوتها. تاريخياً، ترجمت ألمانيا مسؤوليتها الأخلاقية تجاه المحرقة (الهولوكوست) عبر دعم مادي وسياسي وعسكري مستمر لإسرائيل، وهو الدعم الذي توجته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل عام 2008 بإعلان أمن إسرائيل «مصلحة عليا للدولة» (Staatsräson)؛ وهو إعلان نخبوي لم يكن يوماً محل إجماع في الأوساط الفكرية والسياسية الألمانية.

ومع اندلاع الحروب الأخيرة، تكشّف الخواء العملي لهذا الشعار؛ إذ تقف برلين عاجزة عن ترجمة هذا الالتزام النظري إلى حماية فعلية بينما تُقصف إسرائيل من جبهات متعددة تشمل لبنان والعراق واليمن وإيران، مكتفية بدعم دبلوماسي أو لوجستي غير قتالي. وفي هذا السياق، تمنح السياسات المتطرفة لحكومة بنيامين نتنياهو، والاتهامات الدولية المتزايدة لإسرائيل بممارسة التطهير العرقي في الضفة الغربية والإبادة الجماعية في غزة، مساحةً للوعي الجمعي الألماني – وخاصةً للنخبة – لنوع من «الارتياح النفسي اللاشعوري». إن رؤية الضحية التاريخية السابقة وهي تُتهم دولياً بارتكاب فظائع مماثلة يمنح، بطريقة غير واعية، إحساساً بالانعتاق؛ حيث لم تعد الفظائع حكراً على التاريخ الألماني، مما قد يساهم في تطبيع الهُوية الألمانية ودمجها كقوة «طبيعية» في المنظومة الدولية، متحللة من استثنائية الذنب الإنساني وعقيدة «مصلحة الدولة» التي أثبتت الحروب عجزها على الأرض.

العسكرة بلا عقد: المفارقة الأطلسية والمعضلة الهيكلية للجيش الألماني

التحولات النفسية المتزامنة، المشار إليها آنفاً، انعكست سريعاً على الأرض في صورة قرارات استراتيجية غير مسبوقة، تكشف عن إعادة توظيف ذكية للمظلة الدولية. فبعد عقود تخفّت فيها برلين وراء «الأبوية الأطلسية» لتبرير محدودية قدراتها العسكرية والهروب من مسؤولياتها الدفاعية، نجدها اليوم تتخفى وراء «الوفاء بالالتزام الأطلسي» نفسه لتمرير طموحاتها الجديدة؛ حيث تتخذ من الضغوط الأمريكية غير الودية – ذروتها طلب رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي – ذريعة للمجاهرة، دون أي عقد، بنواياها في تصدر قائمة الإنفاق العسكري الأوروبي.

ومع ذلك، يواجه هذا الاندفاع الإنفاقي عقبات بنيوية حادة على أرض الواقع؛ فبينما نجحت ألمانيا في حل إشكالية التمويل وضخ المليارات، لا تزال تتخبط في حدود أزمتها الديمغرافية الحادة، حيث تعجز عن زيادة قواتها المسلحة بنحو 20 ألف عنصر فقط على مدار عشر سنوات كاملة. علاوة على ذلك، يعاني الجيش الألماني (Bundeswehr) من ترهل هيكلي حاد؛ إذ بات مثقلاً بالأجهزة الإدارية والبيروقراطية المعقدة، لدرجة أن قواه القتالية الفعلية، في حال المواجهة المباشرة، لا تمثل أكثر من 20% من إجمالي قوامه. هذا التناقض الصارخ يجعل من الطموح الألماني عسكرةً «مالية وتكنولوجية» في المقام الأول، لكنها تفتقر إلى العنصر البشري والفاعلية الميدانية التي تؤهلها لقيادة حقيقية لعموم القارة العجوز. والوضع الألماني يسري على أغلب الدول الأوروبية، مع استثناء بولندا وفنلندا، أين نجد قدرة عالية على التعبئة.

إقرأ على موقع 180  زيارة غروسي إلى طهران.. أزمة جديدة أم تفاهمات جديدة؟

الانفصام الداخلي وحتمية «التعويض التكنولوجي» أمام العقدة الديمغرافية

برغم الاندفاع الاستراتيجي للنخبة، يكشف الواقع الداخلي الألماني عن فجوة نفسية وسياسية عميقة؛ فهذا التحول الجذري نحو العسكرة يصطدم بجدار أزمة ديمغرافية حادة وصعود تيار يميني هُوياتي انغلاقي يرفض استيراد النماذج الغربية لتجنيد الأجانب. فبينما يتيح النموذج الأمريكي أو الفرنسي (كالفيلق الأجنبي) دمج الأجانب في القوات المسلحة كبوابة للحصول على المواطنة، فإن طبيعة المجتمع الألماني الحالية وتنامي التيار اليميني الشعبوي تجعل من هذا الخيار مخاطرة سياسية تواجه رفضاً مجتمعياً حاداً.

وأمام هذا الاختلال الديمغرافي والعجز عن التعبئة، تجد برلين نفسها مدفوعة نحو خيار «التعويض التكنولوجي» كسبيل وحيد لسد العجز؛ حيث تراهن النخبة على التكنولوجيا، وتقوية استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيّرة. ومع ذلك، فإن هذا الانفصام بين طموح عسكري عالي التكنولوجيا في الخارج، وجبهة داخلية قلقة ومثقلة بالمخاوف من تقليص ميزانيات الرعاية الاجتماعية لصالح التسليح، يحوّل مسيرة «التعافي النفسي» للنخبة الألمانية إلى مغامرة محفوفة بالمعارك السياسية الداخلية، حيث تواجه ألمانيا اليوم أصعب اختبار لهُويتها منذ إعادة توحيدها.

الخلاصة: من «الأثر العلاجي» إلى طاولة الكبار

إذا كانت أوكرانيا قد مثّلت بالنسبة إلى ألمانيا لحظة كسر لأحد أعمق المحرمات التي حكمت سلوكها منذ 1945، وإذا كانت غزة قد ساهمت في إعادة ترتيب علاقتها بذاكرتها الأخلاقية، فإن المحصلة الأهم لا تكمن في ارتفاع الإنفاق الدفاعي وحده، بل في انتقال النخبة الألمانية من سؤال: هل يحق لنا أن نكون قوة؟ إلى سؤال: كيف نستخدم القوة، ولأيّة غاية؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لـ«الأثر العلاجي»: فالتعافي من عقدة التاريخ لا يكتمل بامتلاك السلاح، بل بتحويل القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية إلى نفوذ سياسي وتفاوضي. ولذلك تواجه ألمانيا اليوم فرصة تاريخية للانتقال من قوة اقتصادية تحتمي بالمظلة الأمريكية إلى قوة استراتيجية تشارك في إنتاج الأمن الأوروبي.

وتبرز في هذا السياق العلاقة مع موسكو وواشنطن. فروسيا تطالب، بصورة مباشرة أو ضمنية، بإعادة صياغة هندسة الأمن الأوروبي على أساس تفاهمات جديدة، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تتحمل أوروبا قدراً أكبر من مسؤوليتها الدفاعية، بما يتيح لواشنطن تركيز مواردها الاستراتيجية على القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين وإيران. وبين المنظورين يمكن لألمانيا أن تتحول إلى حلقة وصل ووسيط قوة، شرط أن تتجاوز دور الحليف المنضبط إلى دور الشريك القادر على التفاوض.

لكن «الجلوس على طاولة الكبار» لن يتحقق بمجرد مضاعفة الميزانية العسكرية. المطلوب هو إنتاج رؤية ألمانية للأمن الأوروبي تجمع بين الردع والحوار، وتتعامل مع روسيا باعتبارها خصماً في دائرة الردع، ولكن أيضاً طرفاً لا يمكن بناء نظام أمني أوروبي مستقر من دونه.

وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس: هل تستطيع ألمانيا إعادة تسليح نفسها؟ بل: هل تستطيع تحويل إعادة التسليح إلى إعادة تموضع استراتيجي؟ فإذا نجحت، قد تتحول أوكرانيا وغزة من مجرد أزمتين أعادتا تأهيل علاقة ألمانيا بالقوة إلى نقطة ولادة لألمانيا جديدة، قادرة على المشاركة في هندسة أمن القارة وجوارها، لا مجرد ممول لنفقات الحماية الجماعية.

Print Friendly, PDF & Email
حامد بن إبراهيم

كاتب تونسي مُقيم في ألمانيا، استشاري في العلاقات الدولية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  رواية "هند" لهدى بركات.. الحب الممكن برغم الانكسار