لماذا لا نُسلّم المنطقة إلى أميركا.. ونرتاح؟

سؤالٌ قد يعتبره البعض مجنونًا، أو عبثيّاً، أو بعيدًا عن الواقع، ولكنّني أعتقد أنّه واقعيّ إلى حدٍّ بعيد خصوصاً اليوم، وهو يختبئ إلى حدّ كبير في أذهان بعضنا.. خلف الضّجيج والاضطّرابات والجدالات والحملات الاعلاميّة في هذا الاتّجاه أو ذاك. سؤالٌ يسأله الكثير منّا، حيث يستطيع إلى ذلك سبيلا.

لماذا لا نُسلّم المنطقة إلى إحدى الإمبراطوريّات الكبرى.. كالإمبراطوريّة الأميركيّة، ولو كان ذلك شكلًا من أشكال الاستعمار.. ونرتاح جميعاً؟ أي: ترتاح شعوبنا ونخبنا، وما يُسمّى بدولنا؟

أعتقد أنّ علينا أن نضع هذا السؤال اليوم على الطّاولة وبوضوح شديد، وأن نناقشه بهدوء، ومن دون خجل ولا مُجاملات، خصوصًا أنّ بيننا، على الأرجح، مَن يسأله إذن خلسةً في الأغلب.. ولا يتمكّن من الجهر به في أغلب الأحيان أيضاً.

ونرى تجلّيات هذا السّؤال واقعاً في أكثر من ملفّ أمامنا راهناً، وخصوصاً وليس حصراً.. في الحالة اللّبنانيّة الفريدة أو شبه الفريدة.

***

فلنبدأ، إذن، بكلّ موضوعيّة، ولنطرح الحجج الأساسيّة المُحتملة، والتي يمكن أن تسند فرضيّة “تسليم المنطقة إلى إمبراطوريّة عظمى كأميركا”، خصوصاً أمام الاختلال الهائل في موازين القوّة المادّيّة بيننا وبينها.

أوّلاً؛ قد يؤدّي تسليم القرار الأساسيّ إلى قوّة كبرى كالولايات المتّحدة إلى وقف الحروب، أو أقلّه إلى الحدّ منها إلى درجة كبيرة. وفي ذلك راحة لشعوبٍ استُنزفت، ولنخبٍ أُنهكت، ولكياناتٍ عاشت لعقود طويلة وسط الحروب والصّراعات والتّهديدات والاضطّرابات والحصار بمختلف أنواعه. إنّه، ببساطة، وعدٌ مَوعود بالرّاحة وبالسّلام ولو نسبيّاً، وبقدر من الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ.

ثانياً؛ قد يسمح الاندماج في منظومة إمبراطوريّة متقدّمة مادّيّاً وتكنولوجيّاً بتسريع “تطوّر” مجتمعاتنا، وازدهار اقتصاداتنا وآفاق شبابنا وتقدّم جامعاتنا ومختبراتنا، من دون نسيان تطوّرنا الفكريّ والمفاهيميّ المَوعود أيضاً.. وعلى الطّريقة الغربيّة في الأعمّ الأغلب.

ثالثاً؛ قد يُدخلنا ذلك بصورة أوسع في النّظام العالميّ القائم، وفي حركة “التّقدّم” المادّيّ والتّكنولوجيّ هذه التي يشهدها الكوكب ككلّ، ويجعلنا جزءاً من “وحدة عالميّة” تجمع القوى الكبرى وحلفاءها.. بدل أن نبقى على هوامشها أو في مواجهة دائمة معها. يسأل البعض هنا: حقّاً، لماذا نريد أن نعيش على هامش هذا.. التّطوّر الظّاهر أمامنا؟ لماذا لا نركب هذا القطار “المتقدّم”.. ونرتاح أوّلاً، ثمّ نتقدّم مع المتقدّمين؟

وأخيراً وليس آخراً؛ يمكن أن يُقال مع القائلين اليوم.. لماذا لا نُمرّر المرحلة؟ لماذا نفعل ما تفعله إيران أو كوبا، مثلاً، وندفع أثمان المواجهة والاستنزاف، بدل أن نتّفق مع الأميركيّ، مع اعطائه ما يريد، ونشتري الوقت، لعلّ ظروفاً أفضل تنشأ بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة أو أكثر.. ولعلّ الله يُحدث بعد ذلك الأمر أمرا؟

هذه حجج متواجدة ظاهراً أو باطناً، ولا ينبغي السّخرية منها أبداً ولا الاستهانة بها خصوصاً في هذه المرحلة.

وهي تعيش معنا وإلى جانبنا إذا تأمّلت جيّداً.. “من الشّامِ لبَغدانِ، ومن نَجدٍ إلى يَمنٍ، إلى مِصرَ فتَطوانِ”. لكن ماذا عن الوجه الآخر للقضيّة إن جاز التّعبير؟

لنبدأ هنا، بموضوعيّة أيضاً، بالسّؤال الأبسط: ماذا تفعل إمبراطوريّة تبعد أرضها آلاف الكيلومترات عنّا.. في منطقتنا هذه أصلًا؟ ماذا تريد منّا في واقع الأمور؟

من المؤكّد أنّها لم تعبر البحار والمحيطات لتؤسّس جمعيّة خيريّة. للإمبراطوريّات مصالح: ثروات، موارد، ممرّات، مضائق خطيرة كما نشاهد اليوم، أسواق، مواقع استراتيجيّة، رأس مال بشريّ، نفوذ، وقدرة على التّحكّم بموازين القوى وبقرار الشّعوب والكيانات الموجودة حيث أمكن.

وهذا ليس افتراضاً أيديولوجيّاً في الأغلب؛ فالوثائق الأميركيّة التّاريخيّة نفسها مثلاً.. تعاملت صراحةً مع نفط المنطقة وموقعها وقواعدها ومواصلاتها بوصفها مصالح استراتيجيّة أساسيّة للولايات المتّحدة. هذا مثالٌ من بين أمثلة طبعاً.

السّؤال الثّاني يتعلّق بطبيعة العلاقة نفسها: هل نحن أمام قوّة تبحث عن شراكة حقيقيّة مع الآخر، أم أمام قوّة تريد اخضاع قراره لمصالحها؟ هل العلاقة تشاركيّة أصلاً، أم أنّنا أمام لعبة تنافسيّة غير متكافئة بل ربّما عدائيّة في ذاتها، يملك فيها طرف من عناصر القوّة.. ما يسمح له بفرض شروطه على الطرف الآخر في الغالب الأغلب؟

ثمّ يأتي السّؤال الأخطر واقعاً: ماذا لو لم يكن المطلوب فقط قرارك وثرواتك وموقعك، بل اضعاف قدرتك على أن تبقى مختلفاً أصلاً؟ أو حتّى، كما تُبيّن بعض الأمثلة التّاريخيّة: على أن “تبقى” أصلاً؟

التّاريخ لا يسمح لنا بأن نعتبر هذا النّوع من السّؤال ضرباً من الخيال. تجربة السّكّان الأصليّين في القارّة الأميركيّة، على سبيل المثال لا الحصر طبعاً، شهدت ما شهدته من انهيار ديموغرافيّ هائل ارتبط بالأوبئة إلى حدّ ما، لكن أيضاً بالحروب وبالتّهجير وبالابادة وبالاستيلاء على الأراضي وبتدمير أنماط حياة كاملة. ليس المقصود هنا اسقاط تلك التَجربة آليًّا على حاضرنا بشكل مفرط التّبسيط طبعاً، بل التّذكير بهذا الجانب التّاريخيّ غير المشجّع أبداً في هذا الاطار، لا سيّما مع وجود تجربة “اباديّة” أو “اباديّة الطّابع” أمام أعيننا اليوم في فلسطين وفي غزّة (مع عدم نسيان طريقة تعامل القرار السّياسيّ الأميركيّ مع الموضوع في الغالب).

إقرأ على موقع 180  مُذكّرات الفرزلي.. اعترافاتٌ جريئة الى حد الإدانة  

ويبقى سؤال آخر، ربّما هو الأعمق في نهاية المطاف: لنفترض أنّ الإمبراطوريّة لا تريد مَحوَنا كما يُردّد البعض (مَحوَنا لأسباب ميسيانيّة أو لغير ذلك)، وأنّنا نستطيع التّعايش معها والاستفادة من قوّتها ومن تقدّمها المادّيّ كما رأينا. لكن: هل نريد، نحن، حقّاً.. “النّموذج” الثّقافيّ والحضاريّ الذي تقترحه.. كما هو؟

بحسب هذا الرّأي، لنسأل أنفسها برويّة وبهدوء: حقّاً، هل نريد أن نشرب “نموذج” المُستعمر أو المُهيمن.. صِرفاً؟ لا شكّ في أنّ جوانب كثيرة من النّموذج الأميركيّ والغربيّ المطروح تجذبنا، أقلّه من “ظاهر” هذا النّموذج: الجامعات، والبحث العلميّ، والحرّيّات النّسبيّة، وتشجيع الابداع الفرديّ، والتّكنولوجيا، والانتاج الثّقافيّ والفكريّ.. إلى ما هنالك. لكن، هل يعني الاعجاب العالي نسبيّاً بهذه العناصر.. أن نقبل النّموذج الحضاريّ كاملًا، من دون نقد حقيقيّ ومن دون حذر قيميّ ومفاهيميّ حقيقيّ؟

وهل “الوحدة العالميّة” المنشودة تعني بالضّرورة الذّوبان – أو شبه الذّوبان – في نموذج ثقافيّ يقوم، في صورته الرّاهنة، وإلى حدٍّ بعيد على الرّأسماليّة المادّيّة-التّكنولوجيّة؟

***

إذن، نعم، هناك حجج يمكن أن تجعل “التّسليم” مُغريًا، أقلّه في الظّاهر إن جاز التّعبير: “السّلام” أبو العهود، والرّاحة النّسبيّة؛ والازدهار والتقدّم الموعود؛ و”الاندماج” في العالم؛ والخروج من دوّامة الاستنزاف والقهر.. والاستضعاف كما يُعبّر البعض.

ولكنّ السّؤال في الأعماق قد يكون واقعاً: ماذا يُريد مَن نُسلّمه قرارَنا؛ وما الطّبيعة المتوقّعة لعلاقته بنا؛ وأيّ نموذج حضاريّ يحمله معه. وطبعاً: ماذا سيبقى من قدرتنا على اختيار مستقبلنا بأنفسنا؟

أعتقد أنّنا أمام حُجج مُتقابلة شبه مُكتملة المشهد في العموم، وتستحقّ التّأمّل والنّقاش بهدوء.. شديد. فماذا نحن مختارون؟

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المَرجِع