مالك أبو حمدان, Author at 180Post

750.png

تحدّثنا مراراً وتكراراً عن مسألة مفهوم الدّولة ومفهوم بناء الدّولة، وعن اشكاليّة استخدامهما في سياق وجود تأثير - وربّما تحكّم - استعماريّ خارجيّ بشكل خاصّ. ويبدو أنّ هذه الاشكاليّة تتفاقم في ملفات كثيرة في المنطقة، لا سيّما منذ اندلاع الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة الأخيرة على إيران.

820.jpg

في أغلب المجالس والاجتماعات، الخاصّة منها والعامّة، التي نشارك فيها إلى حدّ ما، ولا سيّما ضمن البيئة الشّيعية في لبنان تحديدًا، يتكرّر الحديث راهناً عن وجود خطر ملموس وحقيقيّ يتهدّد الوجود الشيعي برمّته في لبنان وفي بلاد الشام، أو، في حدٍّ أدنى، يتهدّد الدّور الشّيعي والمكانة الشّيعية على المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة بشكل خاصّ. لكن، هل هذا الادّعاء الذي نسمعه بصورة شبه يومية من أشخاص على مستوى عالٍ من الثّقافة والدّراية بالشؤون السّياسية والتّاريخية، ومنخرطين بفاعليّة في الحياة الاجتماعية والسياسية تحديداً.. هو ادّعاء في محلّه؟ هل هو واقعيّ؟

A-gift.-BECS.-ARGENTINA.jpg

منذ اندلاع الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، يصعب على المراقب أن يتجاهل، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي مرّت، أنّ شيئاً أعمق من الحرب نفسها يتحرّك تحت سطح الأحداث. فبعيداً عن ضجيج هذه الأخيرة، وعن الخطابات الأيديولوجيّة هنا وهناك، وعن محاولة كلّ طرف في الحرب إعلان انتصاره أو التّقليل من إنجازات الآخر.. تبدو المنطقة أمام مراجعة أوسع لتحالفاتها وللأسس التي قام عليها أمنها طوال عقود.

800-14.jpg

تأمّل و/أو تفكّر معي جيّداً، وبكلّ هدوء وبكلّ صفاء ذهنيّ وبكلّ انفتاح: ما هو أخطر (وأعظم) سرّ أو لغز (Mystère) بالنّسبة إلى جميع البشر وبالنّسبة إلى البشريّة جمعاء.. وبالنّسبة ربّما إلى كلّ الكائنات الواعية على هذه الأرض، وربّما في أماكن أخرى؟ من الواضح - أليس كذلك؟ - أنّ حدسنا يُشير على الدّوام.. إلى أنّ هناك "سرّاً أعظم" قد يكون وراء كلّ شيء أو أنّه "سرّ" كلّ شيء.. أو فيه أو من خلاله فكّ لغز كلّ شيء. فما هو هذا السّرّ الأخطر الأعظم؟ ماذا يُمكن أن يكون؟

800-1.jpg

عندما نتأمّل الكثير من الحوارات الدّائرة في الأوساط النُّخبويّة العربيّة والمشرقيّة، نصل إلى ملاحظةٍ مهمّة تستحقّ التوقّف عندها واقعاً: فالإشكاليّة الأساسيّة لم تعد تتعلّق عموماً بإثبات "وجود الاستعمار" في بلادنا (وعليها) أو نفيه، بقدر ما أصبحت تتعلّق بكيفيّة التّعامل مع استمراريّته على المستوى السّياسيّ والعمليّ. فالمشكلة، في تقديري، ليست نظريّةً أو لم تعد نظريّةً-مفاهيميّةً بقدر ما هي عمليّة (وربّما أخلاقيّة بالمعنى العمليّ أيضاً)، وهنا تكمن المفارقة التي تستحقّ النّقاش المتعمّق والصّريح.

amore.jpg

المقصود "بحبّ النّساء" هنا طبعاً: هو "الحبّ" ذو الأبعاد الجسديّة البَحتة أو المُهَيمنة، "ل-آخر" إنسان بشكل خاصّ، إن كان هذا الأخير من النّساء أو كان من معشر الرّجال. وعندما نتحدّث عن الأبعاد الجسديّة نقصد البُعد الحواسّيّ البحت طبعاً، والبُعد الجنسيّ البحت بطبيعة الحال، ولكن نقصد أيضاً.. البُعد العاطفيّ/المشاعريّ (البيولوجيّ البَحت أو المُهيمن إن جاز التّعبير أيضاً)، والبُعد الفكريّ/المفاهيميّ المتعلّق تحديداً بالتّصوّرات التي يُنشئها الذّهن المُفكّر عن "حُبّ" من الصّنف.. "المشروط بشرط".

800-18.jpg

عند اندلاع الحرب الأخيرة، الأميركيّة-الاسرائيليّة، على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، كتبتُ في أحد مقالاتي ما مفاده أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، ومعه رئيس الوزراء الاسرائيليّ بنيامين نتنياهو، إنّما لا يقودان الأمور حتّى الآن نحو "اسقاط النّظام" الاسلاميّ في إيران، بل يُسهمان، على نحوٍ مُفارِق وشبه كاريكاتوريّ، في تفجير "ثورةٍ اسلاميّةٍ" جديدة داخل المجتمع الايرانيّ، كما يُسهمان في اعادة انتاج شرعيّة هذا النّظام وتجديدها.

IMG_9587.jpeg

أخيراً، وقّع الطّرفان الايرانيّ والأميركيّ، بناءً على نتائج الحرب التي حصلت ابتداءً من الأوّل من آذار/مارس من السنة الجارية، مذكّرة التّفاهم المنتظرة. وما يرد حتّى الآن من معلومات ومن معطيات يبيّن أنّ الاتفاق النّهائيّ نفسه بات قريباً جدّاً، بل يبدو أقرب من أيّ وقت مضى إلى التّحقّق. ولكنّ ذلك يعني أيضاً، في المقابل، أنّ علينا أن ننتظر تغيّرات كبيرة في الإقليم، وربّما تغيّرات عميقة وجذريّة إلى حدّ بعيد نسبيّاً. فما هي الملامح الأساسيّة لهذه التحوّلات المنتظرة؟

0972516C-1A8C-4B3F-B6ED-0E724D5DC09C.jpeg

مع بدء العد العكسي لتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، إذا صدقت نوايا دونالد ترامب، حان وقتُ الأسئلة الكُبرى بشكل أو بآخر، إن صحّ التّعبير. وهي أسئلةٌ نحاول من خلالها أن نتجاوز الوقائع الآنيّة والمظاهر العابرة نحو ما هو أكثر عمقاً وأشدّ ارتباطاً في اعتقادنا بما يجري في المنطقة وفي لبنان، وأشدّ ارتباطاً بمستقبل شعوب المنطقة وبمستقبل لبنان أيضاً.

800-55.jpg

عند كلّ اشتدادٍ للصّراع السّياسيّ الدّاخليّ في لبنان، ولا سيّما ما يتعلّق بمسألة "المقاومة المسلّحة"، وبمسألة الجنوب والبقاع الغربيّ، يعود الكلام حول رمزيّة الإمام المُغيَّب السيّد موسى الصّدر، وحول ما يمكن تسميتُه "بتَأويل" سيرته وخطابه. فكأنّ سيرةَ هذا الرّجل-القائد المحوريّ وخطابَه وتجربتَه هي بمثابة.. مادّة مفتوحة للتّأويل السّياسيّ والتّاريخيّ الدّائم، بحيث يحاول كلّ فريقٍ أن يُنتج "موسى الصّدر" الذي يناسبه، وإلى حدّ كبير، وعند كلّ اصطدام لبنانيّ عظيم.