“لا تقولوا: قد أصبحنا بين أممٍ حرّة، فلننسَ عبودية الأمّة التي خرجنا منها. فأنتم بين الأمم الحرّة (كالطُفَيليّات) تمتصّ من حيويّات غيرها. فإذا لم تكونوا أنتم أحراراً من أمّةٍ حرّة، فحرّيات الأمم عارٌ عليكم!”( أنطون سعاده)
***
من الطبيعي أن يتغنّى أصحاب نهج المقاومة في عالمنا العربي ـ وإيران هي اليوم الداعم الأساس لهذا النهج ـ بهذه الأمة التي برهنت عن أصالة كيانها وصلابته، إذ انتزعت لنفسها مكاناً متقدماً بين الأمم الحية، وكانت لمقاومي الاحتلال والهيمنة في العالم العربي خير سند. لكن العجب من الغياب (الظاهر، أقلّه) للتساؤل الذي يبدو بديهياً: في حين تعبّر “الأمة الإيرانية” عن وعيها لذاتها القومية[1] بهذه العبارة، في خضمّ “الدفاع المقدّس” عن “تراب الوطن”، كيف ينظر غير الإيرانيين في “محور المقاومة” إلى أنفسهم، إلى هويّتهم، وإلى تشكّلهم الاجتماعي-الدولتي؟
ليس هذا التساؤل تلهّياً بالترف الفكري وسط حربٍ مصيريةٍ لا تزال مفتوحةً على شتى الاحتمالات، بما فيها الما-بعد كارثية، بل إن الإجابة عن أسئلة مفتاحية من قبيل “مَن نحن” وكيف نعرّف أمن مجتمعنا ونشخّص مصالحنا الحيوية ـ كما يفعل الإيرانيون أنفسهم، وأيضاً الأتراك والمصريون، كأمثلةٍ هي الأقرب ـ هي ضرورة آنية وعملانية من أجل بلورة مشروعنا الذي يضمن بقاءنا ويؤمّن مصالحنا كمجتمع، في وقتٍ نشهد تزعزعاً وضياعاً في مفهوم الهوية، وبالتالي عجزاً عن تشخيص المصلحة العامة بمختلف أبعادها، وعجزاً عن بلورة المشروع الذي يخدم هذه المصلحة.
***
اخترنا المدخل أعلاه لمقاربة هذه المسألة الوجودية بحق هو مفهوم “السيادة الفكرية” المحوري الذي طرحه ألكسندر دوغين، الموصوف بـ”نبيّ الأوراسية” و”عقل فلاديمير بوتين”، فيما هو، في حين ينفي عن نفسه الصفة الأخيرة، مؤكداً أن للرئيس الروسي عقله الخاص، يؤكّد أيضاً أنه “(يمثّل) الدولة العميقة الوطنية” في بلاده[2]؛ ومن المعروف أن كتابه “أسس الجيوبوليتيك” (1997) يُدرَّس كمقرَّرٍ إلزامي في أكاديمية هيئة الأركان العامة الروسية، فيما تكثر الكتابات عن نشأته في كنف عائلة كان ربّها ضابطاً في الاستخبارات العسكرية السوفياتية، وعن صلاته وحركته “الأوراسية” بما يُشار إليه بـ “لوبيانكا”، أو المقر الرئيسي لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وعن لعبه أدواراً مع المستويات الدولتية الرسمية، كما مع جهاتٍ اجتماعيةٍ-سياسيةٍ فاعلة في دولٍ أبرزها تركيا وإيران، وذلك بصفته تلك التي أشار إليها بنفسه، أي كممثلٍ عن الدولة العميقة الروسية. القصد من هذه الإضاءة هو أن نأخذ ما يقوله ويكتبه دوغين، وسنشير في ما يلي إلى بعض ما يعنينا من ذلك، بجدّيةٍ تامة.
الفكرتان الأساسيتان لدى دوغين التان ينبغي التطرّق إليهما هنا هما “السيادة الفكرية” والفكرة القائلة بضرورة نشوء “قطبٍ عربي” إلى جانب القطبين الإيراني والتركي، الفاعلَين واقعاً في العالم الإسلامي الذي ينبغي له أن يتشكّل، وفقاً لدوغين، كـ”دولة-حضارة” إسلامية (على خلاف مفهوم “الدولة-الأمة”)[3]، من ضمن تصوّره للعالم متعدّد الأقطاب الآخذ بالتبلور.
***
إن غياب “القطب العربي” من ضمن العالم الإسلامي من شأنه، وفقاً لألكسندر دوغين، أن يُبقي المشرق العربي “مفعولاً به”، بل أن “يجد (أهل المشرق العربي) أنفسهم ”كبش فداء“ لنظام عالمي جديد تتفق فيه القوى الكبرى على تقاسم النفوذ ومنحه لقوى إقليمية، وهم خارج هذا النطاق.”[4] وإذا ما رام أهل المقاومة في هذه البلاد الصدق مع الذات في هذه المسألة الحسّاسة تحديداً – مع التسليم بأن قاعدة هذه المقاومة النبيلة وقاطرتها في هذه المرحلة التاريخية هي إيران – فينبغي لهم الاعتراف، ولو ضمناً، بأن الاستقطاب الحاد ما بين تركيا وإيران، وكلتاهما متشكلةٌ كدولةٍ قوميةٍ وكقوةٍ إقليميةٍ طامحة، في ظل الضعف، بل التفكّك والتحلّل الدولتي وحتى الاجتماعي في الهلال الخصيب (سورية التاريخية، أو بلاد الشام، وبلاد الرافدَين)، وفي ظل استمرار مصر، الدولة النهرية المركزية القوية، على نهج “الكمون الاستراتيجي”، ولو نسبياً (في ظل استمرار معاناتها الاقتصادية ومواجهتها للتحديات الوجودية، وعلى رأسها تهديد شريان حياتها الأساس، نهر النيل)، من شأن هذا الاستقطاب أن يُمعِن في تمزيق النسيج الاجتماعي في الهلال الخصيب وفي إضعاف دوله، بل تفتيتها، بعد تفكّكها صراحةً أو ضمناً، كما في “التكسير الفيدرالي”، على حدِّ تعبير الباحث آندرو كوريبكو، أو عبر إرساء النظام “التوافقي” أو “المحاصصاتي” شبه الكونفدرالي.
***
ما سبق لا يحتاج إلى مطالعاتٍ واسعةٍ في سبيل الإثبات؛ هنا تكفي الإشارة إلى التصدّعات المذهبية الآخذة بالاتساع والمأسَسة، وبالتالي إعادة تشكيل البُنى الدولتية بما يُديم الانقسام والاقتتال والضعف والعطالة، واتخاذ مختلف التشكيلات الاجتماعية-السياسية في دول الهلال الخصيب اتجاهاتٍ متضاربة، ربطاً بعلاقاتها بالقوى الإقليمية المتنافسة، إن لم نقل بالولاءات المذهبية. وقد يكون في المقولة الأخيرة الكثير من التبسيط، نظراً للتداخل الاجتماعي والثقافي العميق والموغل في القِدَم بين العراق وإيران التي كانت عاصمتها في العهد الساساني تقع على بُعد ثلاثين كيلومتراً فقط إلى الجنوب من بغداد؛ وعلى المنوال نفسه، لا يمكن التقليل من التداخل التاريخي ما بين بلاد الشام وتركيا، وإن كان أحدث عهداً من التداخل العراقي-الإيراني، إلا إذا اعتبرنا تركيا وريثةً لبيزنطة بمعنىً ما، كما يذهب البعض، خاصةً على ضوء البُنية الدينية-الثقافية والإثنية الفسيفسائية لسورية التاريخية.
***
يرى ألكسندر دوغين أنه “لا يمكن لجيلٍ جديد من القادة العرب والدوائر الفكرية الجديدة التي أتقنت الجغرافيا السياسية والتحليل الحضاري والاتجاهات الجديدة في نظرية العلاقات الدولية، إلا أن يقوموا بالعمل نفسه الذي قام به سابقًا الإستراتيجيون العسكريون الأتراك، أو الأيديولوجيون الإيرانيون الذين اكتشفوا الجغرافيا السياسية”؛ ويرى بالتالي أن “كل ثورة وكل تحرير (يبدآن) بتحرير الوعي، وهذا- في رأيي- ما ستفعله النخبة المثقفة العربية في المستقبل القريب. إذا اكتشفت هذه النخبة الجغرافيا السياسية الأوراسية المتعددة الأقطاب، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى حقيقة أن كلاً من المراكز الأوراسية والمتعددة الأقطاب ستولي مزيدًا ومزيدًا من الأهمية للشرق الأوسط العربي، معترفةً به تدريجيًّا كـ ”فاعل“، وليس”مفعولاً به”[5].
أما التحوّل من العطالة والانفعال إلى امتلاك القرار والمبادرة الفاعلة، فشرطهما الأساس امتلاك “السيادة الفكرية”، وفقاً لدوغين الذي يقول، “إن روسيا والصين مستعدتان للتحدث إلى زعماء العالم العربي الأحرار ذوي السيادة. هنا، في مجال التعددية القطبية، تُفتح آفاقٌ لا نهاية لها للحوار والتعاون في مجال الجغرافيا السياسية والشراكة العسكرية الإستراتيجية، وحتى الأيديولوجية. لكن الشرط الأساسي هو وجود السيادة الفكرية، من بين الأمور الأخرى”[6].
***
من ألِف باء “السيادة الفكرية” محاولة إرساء مفهومٍ جامعٍ للهوية يعكس وحدة المصالح والمصير، وبالتالي الوحدة المنشودة للمجتمع، لتُبنى على هذا المفهوم استراتيجياتٍ وسياساتٍ تحمي المصالح الحيوية وتؤمّن المصير؛ وليس في ذلك بالضرورة إقامةً للتضاد مع الأمّتين الإسلاميتين، إيران وتركيا، اللتين نتشارك وإياهما الفضاء الحضاري نفسه، أو إقصاءً لمصر، الأمة الشقيقة التي لا ينفصل تاريخنا عن تاريخها وأمننا عن أمنها؛ ونلفت هنا الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في مفهوم “غرب آسيا” الذي يجافي حقائق التاريخ والجغرافيا والاجتماع السياسي والثقافة العربية المشرقية الأصيلة، وبخاصةً على ضوء التحوّلات في مصر ما بعد الرئيس الأسبق حسني مُبارك، وتطوّر مجريات الصراع في منطقتنا والحوار القائم ما بين إيران ومصر، وربما ما هو أبعد من الحوار.
في الختام؛ ثمة رهان على أن الحرب التي تشهدها منطقتنا في هذه الأيام، ستكسر الهيمنة الأحادية وتُغيّر وجه الإقليم، بل العالم الذي يتّجه بلا شك إلى تكريس التعدّدية القطبية. في هذا السياق، تحاول الإمبراطورية تعويض تراجعها بالمطلق وبالنسبة للأقطاب الصاعدة عبر التصعيد الجنوني للتدمير والفوضى اللذَين لحقا ليس فقط بالبُنى الدولتية في بلادنا، بل أساساً بالبُنى الاجتماعية؛ وإن ذلك الدمار وتلك الفوضى، عطفاً على غروب القوى الاستعمارية التي شكّلت الكيانات السياسية لبلادنا، وتراجع وريثة هذه القوى، الولايات المتحدة، يحتّم إعادة النظر بالكيانات السياسية القائمة وبُناها الدستورية والاقتصادية والعسكرية-الأمنية والثقافية، كما بعلاقاتها الداخلية والخارجية، وبخاصةً أن جميع ما سبق لم يستجب للتحديات التي واجهتها هذه الكيانات في مرحلة ما بعد “الاستقلال”، ولم يلبِّ تطلّعات المجتمعات، ولم يحقق أي نهضة مستدامة. فأين نحن من هذه التحولات التاريخية والتحديات الهائلة، بل المصيرية، التي تفرضها؟
إن نقطة البداية هنا هي بالضبط “السيادة الفكرية”. وعسى أن تبدأ ورشة نقاشٍ من هنا، ذلك أن الغاية من وراء هذا المقال طرح أسئلةٍ صعبةٍ ولكن ضرورية، حتى في خضمّ توحّش العدو وتهديده بإفناء حضاراتٍ بأكملها، في حين تبقى جبهتنا الداخلية مفكّكة، لا بل مقتتلة؛ أو بالأحرى، قد تكون الحاجة إلى هذا النقاش هي الأكبر في هذه الظروف بالذات.
المراجع:
[1] كثيراً ما تُستخدَم كلمة “قومي” بمعنى عِرقي أو إثني، كما في روسيا، مثلاً؛ وليس هذا أبداً ما نقصده، بل نعني بالقومية تلك التي تجمع في إطار الوطن جميع المكوّنات العِرقية والإثنية والدينية لأمةٍ ما، كما يُقصَد بـ”الأمة الإيرانية” راهناً.
[2] Aydınlık 2017; cited in Gasimov and Laruelle, “Eurasia and eschatology. Dugin’s antiliberal resonances in
the Muslim world”, Studies in East European Thought (2025).
[3] دولة الحضارة: إضاءة على كتاب “نظرية عالم متعدد الاقطاب”، ألكسندر دوغين؛ “كنعان”، 5 حزيران 2022.
[4] ألكسندر دوغين، “الجغرافيا السياسية للعالم العربي في سياق عالم متعدد الأقطاب”، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 31 آب/أغطس 2021.
نُظِر في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026
[5] المرجع السابق.
[6] المرجع السابق.
