عبد الرحيم التوراني, Author at 180Post

800-6.jpg

أصبحت كرة القدم اليوم تشكل جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا المعاصرة، إذ تلامس هذه اللعبة الجميلة واقع العصر وتفاصيله المعقدة. ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذا السياق، هي تلك الفرحة العارمة التي تجتاح الشعوب عقب فوز منتخبها الوطني، لا سيما في الإقصائيات القارية أو المحافل الدولية الكبرى كبطولة كأس العالم.

801.png

في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2026 المنصرم، حلّت الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكر التونسي العفيف الأخضر (1934-2013)، الذي توفي في منفاه الباريسي بعد صراع طويل مع مرض السرطان. غير أن استعادة سيرته لا تكتسب أهميتها من المناسبة وحدها، بل لأنها تعيد التذكير بمثقف عربي ظل، حتى أيامه الأخيرة، يعتقد أن الحرية تبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخرين، وأن الفكر الحقيقي لا يعرف اليقين النهائي.

800-5.png

وأنا أخطو خارجاً من ردهات غرفة العمليات الجراحية، ممتلئاً برغبة عارمة في العودة إلى صخب الحياة الطبيعية، كان همّي الأول أن أمدّ حبال الطمأنينة إلى قلوب الأهل والأحبة والأصدقاء الأوفياء، وأن أزفّ إليهم خبر نجاح العملية، ولا سيما أن الخوف كان قد تملّكهم، بعد أن طالت غيبوبتي المستسلمة لتأثير التخدير أكثر مما كان متوقعاً. تحاملت على بقايا الخدر، فتحت هاتفي النقال، ومرّرت أصابعي المرتجفة فوق تطبيقاته. لم أكن أبحث عن الموت، بل كنت أقتفي أثر الحياة. لكن الصدمة كانت بانتظاري في أول السطر؛ إذ فاجأتني رسالة عبر «الواتساب» تحمل نعيًا صاعقًا يعلن رحيل الأستاذ عبد الله التغزري «المنصوري» (1942 ــ 2026).

801-5.jpg

يوم الخميس الماضي (4 يونيو/حزيران 2026)، منعت السلطات في مطار الرباط - سلا المؤرخ والأكاديمي المغربي المعطي منجب من السفر مجدداً. والحقيقة أنه لم يعد أحد يذكر كم عدد المرات التي رتّب فيها ملابسه، وتأكد من إغلاق سحاب حقيبته، وتوجه إلى المطار بنية الطيران، ليرتطم في النهاية بالجدار البيروقراطي السميك الذي يوصد دونه الحدود.

801.jpg

في ظل الفراغ المؤسساتي الذي يفرضه غياب مكاتب مستقلة ومرخّصة لسبر الآراء واستطلاع توجهات الرأي العام في المغرب، تظل القراءة الدقيقة للمزاج الشعبي، علناً، رهينة التخمينات السياسية. ولو أُتيح لهذه الآليات العلمية أن تنشط بحرية في البيئة الوطنية، لأماطت اللثام عن حقائق توازنات القبول والرفض، ولكشفت للعلن عن بورصة حقيقية ترتّب الشخصيات الأكثر حظوة ومحبة لدى المغاربة، في مقابل تلك التي استنفدت رصيدها وباتت تحظى بكاريزما عكسية تثير حنق الشارع.

90909090909.png

لم يكن محمد الباهي (1930-1996) مجرد عابر في الصحافة العربية، بل كان بوصلةً ثقافية وإنسانية تركت ندوبا عميقة في قلوب كل من جايلوه. ولعلّ أبلغ شهادة كُتِبت في حقّه، وتلقّفها الوجدان الثقافي بكثير من الذهول، هي تلك المرثية التاريخية التي نشرها صديقه اللبناني الأستاذ طلال سلمان في يومية "السفير" التي كان الباهي من كتابها المميزين، مرثية نشرت بعد يومين من رحيله، اختار لها سلمان عنوانا يختصر المأساة: "السفر بين الموتين".

800-5.jpg

في الوقت الذي يرفع فيه الشارع المغربي صوته عاليًا تضامنًا مع غزة، تمضي الهرولة الرسمية نحو التطبيع إلى مستويات غير مسبوقة، تتجاوز الاتفاقيات الدبلوماسية لتطال الوجدان الشعبي والفضاء العام. لم يكن رحيل اليهود المغاربة، بدءًا من عام 1948، مجرد هجرة نحو "أرض الميعاد" كما تروّج السردية الصهيونية، بل كان عملية اقتلاع قسرية حُوِّلت أثمانها إلى حسابات بنكية سرية.

800-32.jpg

يعيدني الفيسبوك اليوم إلى تدوينة نشرتها قبل تسع سنوات، وكأنها نبوءة كانت تنتظر لحظتها الراهنة لتنفجر في وجهي بكل ما فيها من رعب صامت. كتبت حينها: "زهايمر.. الأرصفةُ في قدمي أنساني المشي.. والطريقُ/ كل المسافات غيم.. والأفقُ حريق". أشعر اليوم أن هذه الكلمات ليست مجرد ذكرى عابرة أو مجازا شعريا، بل هي آهةٌ وجودية ما تزال عالقة في حنجرتي؛ حارّة كأنها نُزعت لتوّها من قلب الكارثة.

image_2025-10-20_184824766.png

يُمثّل المسار الحالي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي بقيادة المحامي إدريس لشكر، حالة دراسية نقدية معمقة في تحول الأحزاب التاريخية من قلاع للمعارضة الأيديولوجية إلى كيانات براغماتية فقدت بوصلتها الأخلاقية والسياسية. هنا محاولة تسعى إلى تفكيك وتشريح هذه الأزمة، بدءًا من عزلة "القائد" في مواجهة الانتقادات، مرورًا بالتكوين المزدوج لشخصيته، وانتهاءً بمصير الحزب ونهايته ككيان مُستنزف.

800-33.jpg

في الساعات الأخيرة كنا على موعد مع رحيل مفجع للدبلوماسية الفلسطينية البارزة ليلى شهيد (1949–2026). وبينما نعت الصحافة الفرنسية، وفي مقدمتها «لوموند» و«ليبراسيون»، الراحلة، مشيرةً إلى فرضية انتحارها في منزلها بجنوب فرنسا، يستحضر رفاق مسيرتها سيرة امرأة لم تكن مجرد سفيرة، بل كانت حارسةً للذاكرة الفلسطينية وجسرًا بين كبار مثقفي العالم.