بُردة الغياب.. حين يبقى الصوت بعد صاحبه (1)

بعض الزعماء ينتهي حضورهم حين يغيبون، وبعضهم يبدأ غيابهم حياةً أخرى في الذاكرة. وحين يصبح الصوت جزءاً من الطريقة التي تفهم بها جماعةٌ خوفها وانتصاراتها وهزائمها، لا يعود موت صاحبه مجرد غياب رجل، بل انقطاعاً مفاجئاً في السردية التي اعتاد جمهوره أن يرى العالم من خلالها. هكذا يمكن قراءة غياب حسن نصرالله، كما يمكن فهم القوة التي صنعت حضوره قبل الغياب.

«الذاكرة هي الفردوس الوحيد الذي لا يمكن أن نُطرَد منه» (الروائي الألماني يوهان بول فريدريش ريشتر المعروف باسمه المستعار “جان بول”)

البُردة في اللغة هي كساء ملمّع من صوف يُلتحف به، وفي المعنى هي ما يحتفظ بشيء من هيئة صاحبها بعد أن يفارقها الجسد. هي لا تعيد الرجل ولا تتكلم بصوته، لكنها تجعل غيابه مرئيًا وحضوره فاعلًا. وحين تقترن البُردة بالعمامة السوداء، كما في صورة السيد حسن نصرالله العامة، صورة عالم الدين الشيعي التقليدي، فإننا لا نكون أمام لباس عابر، وإنما أمام علامة مرتبطة بنسب النبي محمد وآل بيته.

غير أن الثوب وحده لا يصنع الصورة، بل إن قيمتها السياسية والمعنوية ستتوقف على ما ينجح صاحبها في إضافته إليها، وفي حالة نصرالله، كان العنصر الفيصل هو الجمع بين نسب ديني أصيل تشير إليه العمامة السوداء، وقوة عسكرية منظمة ومدهشة تشير إليها الإنجازات التي تحققت على مدى عقود، وموهبة ساحرة في مخاطبة الجمهور. كل هذه مجتمعة جعلت شخصه جزءًا من الطريقة التي يفهم بها مؤيدوه ما يجري حولهم.

بهذا السياق، لم تكن صورته التي تملأ الشاشات انعكاسًا لسلطة اكتملت خارج الشاشة، بل كانت الشاشة نفسها إحدى ساحات تكوين تلك السلطة. كان نصرالله يعرف قوة الصورة التي تتوسطها البُردة السوداء المهيبة، مضافًا إليها العمامة المدوّرة واللحية المهذّبة والنظارات المربّعة والخلفية المبسّطة والإصبع المستقيم الذي يرتفع في لحظة قرار حاسم يخضع له الجمهور مباشرة.

حين تم اغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت، كان قد قضى اثنين وثلاثين عامًا في الأمانة العامة لحزب الله اللبناني، وهي مدة تكفي نظريًا وعمليًا لكي يكبر جيل كامل وهو لا يعرف الحزب من دون حضوره، لكن طول البقاء لا يصنع وحده شخصية تاريخية، فثمة حكام وقادة مكثوا أطول ولم يصبحوا أكثر من صور ضخمة على الجدران سرعان ما تُستبدل بصور الجدد منهم، لكن ما امتلكه نصرالله كان مختلفًا جدًا. كان يمتلك القدرة على تحويل الحضور إلى معنى، كان يعرف أن السياسة في مجتمعات تتلقى جزءًا كبيرًا من عالمها عبر اللغة لا تُمارس بالبندقية والانتخابات والتحالفات فقط، بل عبر سياق يتقدم على كل ما سبق، فهو كان يقول للناس ماذا حدث لهم، ويسمّي خوفهم بمسمياته المختلفة، ويمنح خساراتهم مكانًا ومنطقًا، ويقول لهم لماذا ينبغي أن يصبروا ومتى ينبغي أن يغضبوا، وما الذي يجب أن يعدّوه نصرًا حتى حين يبدو المشهد أقرب إلى الهزيمة منه إلى النصر.

وهنا يصعب التفكير في التجربة الخطابية العربية الحديثة من دون أن يحضر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وذلك ليس لأن نصرالله كان ناصريًا، ولا لأن الرجلين يمثّلان المشروع السياسي نفسه، بل يكادان يأتيان من عالمين أيديولوجيين مختلفين ومتناقضين، لكنهما كانا يلتقيان في شيء أعمق وأكثر جوهرية، إذ أدركا أن الصورة هي مصدر إنتاج التأثير الأكثر نجاعة على الإطلاق، ناهيك عن اجتماعهما على العداء المطلق لإسرائيل.

فصل الخطاب

تصف إحدى الدراسات المهمة عن عبد الناصر كيف استطاع الرجل أن يحوّل الجمهور إلى مشاهدين بالمعنى المسرحي للكلمة، وكيف أصبحت خطاباته، بما فيها من تحدٍّ ومبالغة وفكاهة، نوعًا من الأداء السياسي الجماهيري. لم يكن الناس يستمعون إلى معلومة أو قصة فحسب، وإنما كانوا يشاهدون السلطة وهي تتكوّن أمامهم.

وبعده بعقود، في زمن الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، فعل نصرالله شيئًا مختلفًا داخل البنية نفسها، فلم يكن خطابه خطبة دينية خالصة، ولا بيانًا حزبيًا روتينيًا، ولا خطاب دولة كلاسيكيًا، بل كان خليطًا محسوبًا بينها جميعًا. يبدأ أحيانًا من آية قرآنية أو حديث نبوي، ثم يمرّ إلى معادلة عسكرية أو استراتيجية، يتوقف عند شهيد أو حادثة أو موقف، يسخر من خصمه أو يهاجمه أو يُحاججّه، يخفض صوته أحيانًا ويرفعه بحزم أحيانًا أخرى، وفي كلتا الحالتين يكون التوقيت مثاليًا بالطبع، يبتسم أو يعبس، ثم يرمي جملة يعرف على الأرجح أنها ستخرج في اليوم التالي من الخطاب لتعيش وحدها وتصير مع الوقت خالدة في الوعي الجمعي لجمهوره.

وهذه خصلة أساسية في الخطيب اللامع، حيث إن بعض جمله ستنجو من السياق الذي قيلت فيه، وستتحول إلى شعار، ثم إلى صورة، فمقطع فيديو يعاد بثّه ملايين المرات، ومن ثم لا يعود الجمهور يتذكر الخطاب كلّه، بل سيتذكر الجملة وحدها، وهكذا تبدأ اللغة في صناعة الذاكرة والسردية والتاريخ.

ليس دقيقًا أن نقول ببساطة إن العرب يحبّون الخطابة، كأن الأمر صفة بيولوجية أو ثقافية ثابتة، لكن يصعب إنكار المكانة الاستثنائية للكلمة الملقاة في المجال العام العربي. من الشعر الجاهلي إلى المنبر، ومن خطب المساجد إلى إذاعات الخمسينيات وصولًا إلى شاشات الألفية المحمولة، ظلّت اللغة أكثر من وعاء للفكرة. كانت في أحيان كثيرة شكلًا من أشكال القوة، ولهذا لم يكن صوت عبد الناصر تفصيلًا في زمن القومية العربية، كما لم يكن صوت نصرالله تفصيلًا في زمن محور الممانعة.

كان عبد الناصر يعرف متى يترك للجمهور أن يضحك، ونصرالله يعرف متى يترك للجمهور أن ينتظر، وكان الاثنان يفهمان قيمة الصمت داخل الكلام. الخطيب الرديء يخاف الفراغ فيملؤه، أما الخطيب المبدع الذي يعرف جمهوره، فيترك للصمت أحيانًا أن يكمل الجملة.

في حالة السيد نصرالله، ساعدت الشاشة على مضاعفة هذه القدرة، فلم يعد منبره ينتظر الناس، بل صار يصل إليهم أينما كانوا: إلى غرفة الجلوس، إلى المقهى، إلى السيارة، إلى الطائرة، إلى القطار والمتجر والسوق والملجأ تحت القصف، ثم صار صوته رنة هاتف أو مقطعًا منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع السنوات، لم يعد وجوده مرتبطًا بمناسبة سياسية أو دينية، وإنما صار جزءًا من الذاكرة الجمعية لجمهور واسع وعريض ممتد من الشرق إلى الغرب، وهذا فارق لا تلتقطه استطلاعات الرأي أو الدراسات الأكاديمية بسهولة. فالأطفال الذين سمعوه في حرب 1996 وبعد الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000، والذين انتظروا خطابه في حرب 2006، كبروا وأصبحوا آباءً وأمّهات، وقد عاشوا بعد ذلك انهيار الاقتصاد اللبناني والثورات العربية والانقسام اللبناني المتجدّد دومًا.

كان العالم يتغير وكان الصوت يعود، حتى بدأ ثبات الصوت، مضافًا إلى استقرار الحضور، يبدو كأنه خاصية صلبة من خصائص العالم الفوضوي نفسه الذي نعيش فيه، وصار يمثّل إلى حدٍّ ما مساحة آمنة في محيط خطر وهمجي، ثم انقطع الصوت فجأة!

لحظة الحقيقة

كان ثمة نظام شبه مألوف للطوارئ تعوّده جمهوره على مدى ثلاثة عقود متواصلة، حيث يقع الحدث ثم ينتظر الناس الخطاب. يحصل اغتيال ما، غارة على منطقة ما، معركة هنا أو تهديد هناك، ثم يظهر نصرالله، ليس ليغيّر ما حدث، بل ليعيد ترتيبه وتفصيله وتفكيكه، فيقول أين يقف العدو، وما الذي خسره الحزب وما الذي لم يخسره، وما الذي يعنيه موت هؤلاء، وما الذي ينبغي فعله، وما الذي يُتوقع حدوثه.

يمكن الاعتراض على تفسيره أو تحليله دون شك، وقد كان خصومه وكارهوه، على كثرتهم، يفعلون ذلك باستمرار ودون انقطاع حتى بعد رحيله، لكن مجرد امتلاكه القدرة على طرح تفسير أو سردية أو فكرة يناقشها الآخرون ليثبتوا صوابها أو خطأها، دليل حاسم على قوة التأثير وفرادة الحضور، فالسياسة ليست من يملك الأرض أو القوة فقط، إنها أيضًا من يجيد إعادة إنتاج السردية وفرضها.

ثم جاءت الغارة الإسرائيلية الضخمة التي قتلته. هذه المرة لم يكن الحدث شيئًا اعتياديًا سيجلس نصرالله أمام الكاميرا لكي يحدّث جمهوره بخصوصه، لقد كان هو الحدث نفسه، وقد انتظر العالم خطابًا لن يأتي وزعيمًا لن يظهر. في تلك اللحظة بالتحديد افتقد جمهوره ذلك الوسيط الطوباوي الذي اعتاد أن يقف بين الخوف والمعنى، وباتوا هم أنفسهم واقفين في المنتصف بين الشك واليقين.

(يُتبع)

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  تل أبيب لواشنطن: مساعداتكم للجيش اللبناني مرهونة بنزع صواريخ حزب الله الدقيقة
علي زعيتر

كاتب ومخرج لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  تفاوض لبنان وإسرائيل: وساطة أميركية تُمهِِل ولا تُلزِم