بُردة الغياب.. أسطورة الغياب (2/2)

كان استخدام السيد حسن نصرالله لكربلاء وعاشوراء بوصفهما مكانًا للذاكرة يُعاد من خلاله بناء الحاضر السياسي والاجتماعي لحزب الله وجمهوره؛ أي أن كربلاء، في خطابه، لم تكن ماضيًا يُروى، بل إطارًا تُقرأ عبره الوقائع الجديدة، وتُقاس من خلاله كل التضحيات مهما بلغت جسامتها. وهنا تكمن قوة هذه اللغة ومتانتها؛ فهي تمنح المهزوم القدرة على ألا يرى نفسه بعين المنتصر، وإنما بعين التاريخ. وهذه، بالطبع، قوة هائلة تجعل المستحيل ممكنًا أحيانًا، لكنها قد تسمح أيضًا للسياسة، إذا أساءت استخدامها، بأن تحمي نفسها من الاعتراف بالخطأ.

«يموت الطاغية فتنتهي سلطته؛ ويموت الشهيد فتبدأ سلطته»

(سورين كيركغارد، اليوميات، 1848)

معضلة الفراغ

أن تحب حسن نصرالله أو تبغضه، فهذا حقك، ولكنه ليس شرطًا لفهمه، بل ربما يكون كلا الشعورين، إذا استسلما لأنفسهما، عائقًا كبيرًا أمام الفهم والتحليل. فالرجل مثّل، عند قسم كبير جدًا من الشيعة، حمايةً وكرامةً واستعادةً لموقع اجتماعي مندثر وثقل سياسي غائب بفعل الاضطهاد. وفي المقابل، كان عند قسم آخر من اللبنانيين والعرب رمزًا لسلاح خرج عن سلطة الدولة، ولتبعية لدولة إقليمية غنية عن التعريف.

وإذا كان الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000 وحرب 2006 قد منحاه مكانة عربية وعالمية تجاوزت حدود طائفته لفترة، فإن تدخل حزب الله في سوريا — لأسباب ومبررات اقتنع بها الحزب واعتبرها وجودية — أعاد رسم صورته بعنف شديد عند جزء واسع من العرب، والسوريين خصوصًا، وبات بالنسبة إليهم عدوًا يوازي إسرائيل أو ربما يتخطاها. لا يجوز هنا حذف ما سلف من السيرة كي يصبح الرجل صالحًا للرثاء، ولا ينبغي أيضًا استخدام هذه السيرة لإنكار قدرته الاستثنائية على التأثير. وهذه هي خصائص البروباغندا: تجعل الإنسان إما قديسًا أو شيطانًا.

بعد اغتياله في 27 أيلول/سبتمبر 2024، انتُخب الشيخ نعيم قاسم أمينًا عامًا للحزب، وهكذا نجحت المؤسسة في ما يُفترض بالمؤسسات أن تفعله: ملء الموقع. لكن سؤالًا آخر بقي خارج النظام الداخلي: من يملأ الفراغ؟

سطوة الغياب

سمّى ماكس فيبر أحد أشكال السلطة «السلطة الكاريزمية»: شرعية لا تنبع أساسًا من القانون أو المنصب، بل من إيمان الأتباع بصفات استثنائية في شخص بعينه. المشكلة أن مصدر قوة هذا النوع من السلطة هو نفسه مصدر هشاشته: الشخص يموت، ولا توجد مادة قانونية أو قوة غيبية تستطيع أن تنقل إلى خلفه ما كان الناس يشعرون به تجاه سلفه. يمكن نقل الصلاحيات، ولكن لا يمكن نقل الذاكرة. يمكن توريث المنصب، ولكن لا يمكن توريث صورة الابن الذي استشهد عام 1997، ولا دحر إسرائيل عام 2000، ولا انتصار تموز عام 2006، ولا حتى ثلاثة عقود من انتظار فصل الخطاب، ولا حياة كاملة تحت احتمال الاستشهاد. ولذلك ربما يكون السؤال: من سيكون نصرالله الجديد؟

الشخصيات التاريخية لا تنتجها المؤسسات وحدها، بل ينتجها اللقاء النادر بين الإنسان والظرف. جمال عبد الناصر احتاج إلى الاستعمار، وقناة السويس، وصعود القومية العربية، والراديو، والساحة العربية الخارجة من الاستعمار لكي يصبح عبد الناصر الذي لا يغادر الذاكرة برغم انطواء عقود من الزمن على رحيله. ونصرالله احتاج إلى احتلال إسرائيل للجنوب، والثورة الإيرانية، والحرب الأهلية، وعامي 2000 و2006، وسوريا وإيران والعراق واليمن والبوسنة، والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وخصومه وكارهيه، وحتى الأخطاء التي قسّمت الناس حوله. لا يمكن إعادة طلب هذه المواد من التاريخ. ولهذا ربما يأتي قائد أفضل منه في شأن، أو أعلم منه في شأن آخر، أو أكثر مرونة سياسيًا، لكن ظهور رجل يجمع، في اللحظة نفسها، سلطة العمامة والبُردة، وكاريزما الصوت والحضور، وذاكرة الحرب، وشرعية الدم في نظر جمهوره، ليس أمرًا يمكن توقعه لمجرد أن الحزب يحتاج إليه.

قد يكون للحزب قادةٌ يخلف بعضهم بعضًا، أما الغياب فلا خليفة له حتمًا!

البُردة بعد الجسد

عندما شُيّع السيد نصرالله في شباط/فبراير 2025 أمام حشود ضخمة، في المدينة الرياضية في بيروت، بدا المشهد كما لو أن الغائب هو أكثر الحاضرين حضورًا. وهنا تعود البُردة، ليس بوصفها لباسًا يرتديه رجل آخر، بل بوصفها الفراغ الذي يحتفظ بشكل الجسد بعد رحيله. ما كان على الجسد يصبح بعد الموت أثرًا، وما كان أثرًا يبدأ بالتجذّر في الذاكرة. لكن الذاكرة ليست مؤرخًا؛ الذاكرة صانعة أفلام محترفة، تختار اللقطة التي تناسب الحكاية، وتحذف التردد والوهن، وتخلق الإيقاع المثالي، وتختصر السنوات والأحداث، وتترك صوتًا أو ابتسامة أو إصبعًا مرفوعًا، وتسمح له بأن يمثّل ثلاثين عامًا.

الرجل الحي عدو الأسطورة، لأنه إنسان، وبالتالي يمكن أن يخطئ، أما الميت فيتوقف عن إفساد صورته. ومنذ تلك اللحظة، بدأت صورتان متناقضتان ومتخاصمتان لنصرالله في الابتعاد عن الرجل الذي عاش فعلًا؛ إذ سيحتفظ خصومه بأسباب كرهه وبغضه، وسيحتفظ مؤيدوه ومحبوه بالصورة والخطب والحضور، وبالرجل الذي عاش مطاردًا ومات مستهدفًا.

من يمتلك الرجل الحقيقي؟ لا أحد!

التاريخ قد يحاول، أما الذاكرة فلا تريد الرجل كاملًا أصلًا؛ تريد منه ما تحتاج إليه.

أسطورة الغياب

وهكذا، بعد الرحيل، تبدأ المرحلة الثانية من حياة الزعيم الشيعي اللبناني العربي الإسلامي السيد حسن عبد الكريم نصرالله؛ الحياة التي تمنحها الجماعات لموتاها حين يصبح موتهم جزءًا من تعريفها لنفسها. الأسطورة هنا لا تعني الكذب؛ الأسطورة هي أن يصبح الإنسان التاريخي أكبر من المعنى الذي يُحمَّل عليه. سيظل في الكتب رجلًا سياسيًا يمكن دراسة قراراته ومساءلتها، أما في وجدان مؤيديه، فقد تحوّل شيئًا فشيئًا إلى زمن كان فيه الصوت موجودًا، وكان ثمة، في تصورهم على الأقل، من يعرف ماذا يقول بعد وقوع الكارثة.

إقرأ على موقع 180  هذا ما طلبته قيادة الجيش حماية لحقوق لبنان الغازية من الإستباحة الإسرائيلية

ومع كل أزمة جديدة، سيظهر السؤال القديم في صيغة أكثر إيلامًا: ماذا لو كان هنا؟ ومع كل خطيب جديد، ستأتي المقارنة حتمًا، ومع كل هزيمة ستعيد الذاكرة ترتيب الماضي حتى يبدو أكثر صلابة مما كان عليه في الحقيقة. وهكذا لا يعود الغياب نقصًا في الحضور، بل يصبح هو نفسه شكلًا من أشكاله.

ربما لهذا كانت البُردة هي الصورة الأنسب للتدليل؛ ففي البداية نظن أن قيمتها في أن يرتديها الخليفة، ثم نكتشف أن بعض الأردية تصبح، بعد موت أصحابها، أكبر من أن يرتديها أحد، ويجب أن تبقى معلقة، لا لأنها تنتظر الرجل التالي، بل لأنها أصبحت تشير إلى رجل لن يعود. وهنا يصل الاغتيال إلى مفارقته الأخيرة؛ إذ تستطيع القوة أن تقتل الجسد، وتستطيع أن تحطم المقر، وتستطيع أن تفرض على الحزب أن يبحث عن قائد جديد، لكنها لا تستطيع أن تأمر ذاكرة خصومها بما يجب أن تنسى.

حسن نصرالله مات، وهذه ليست استعارة. أما ما سيحدث له بعد الموت، فمسألة أخرى تمامًا؛ لأن الرجل، منذ اللحظة التي تعجز فيها الحياة عن إضافة شيء إلى سيرته، يصبح مادة في يد الذين بقوا. وعندها لن تكون البُردة هي ما بقي من الرجل، وإنما ستكون ما بقي من الزمن الذي مثّله.

وهناك، حين يصبح الغياب ذاكرة، والذاكرة حنينًا، والحنين طريقةً في قياس الحاضر، لن يعود السيد حسن نصرالله مجرد قائد مات، بل سيصبح، عند مناصريه، شيئًا أصعب على السياسة وأطول عمرًا منها: أسطورة الغياب.

Print Friendly, PDF & Email
علي زعيتر

كاتب ومخرج لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  سوريا الجديدة تنهض بالاستقواء بالخارج أم بتحصين الداخل؟