المقاومة اللبنانية Archives - 180Post

800-21.jpg

ما كان مُفاجِئًا بالنِّسبة إليّ نهاية الأسبوع الفائت، بصراحة، ليس "رفض" دونالد ترامب للمُقترَح الإيرانيّ من أجل الوصول إلى اتِّفاق بين الطّرفَين. ما كان مُفاجِئًا حقًّا: هو المُقترَح الإيرانيّ نفسه. حقّاً، لم أكن أتصوَّر أنّ القيادة الإيرانيّة الحاليّة تذهب إلى هذا الحدّ البعيد، ليس فقط في مستوى المُواجهة، بل أيضًا، في اتِّجاه مُحاولة إعادة تشكيل المشهد الإقليميّ بأكمله.

800-18.jpg

تدخل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، هذا الأسبوع، جولتها الثالثة، على وقع خروقات واسعة لما تسمى "الهدنة المؤقتة"، وكذلك في ظل استمرار التدمير والتهجير المنهجيَّين وتهديدات إسرائيلية بتوسيع العمليات البرية. وبذلك، لا تبدو الطاولة التفاوضية منفصلة عن الميدان، بل امتدادًا له بوسائل أخرى: يذهب لبنان إليها مثقلًا بملف وقف العدوان، والانسحاب، وعودة المهجّرين، وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، فيما تدخلها إسرائيل من موقع القوة، واضعةً نزع سلاح المقاومة في صلب أي تفاوض مع لبنان.

780-9.jpg

حضرة رئيس الجمهورية السيد جوزاف عون المحترم؛ بما أنّي مواطن لبناني أباً عن جد، ومنذ أكثر من 66 سنة، فإن من حقي أن أناقشك في سياستك الخارجية حيال الدفاع عن أرض البلاد وسيادتها وحماية أهلها.. وأنا منهم.

800-36.jpg

سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. "الوقْفُ" المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها "وقف إطلاق النار" احتفظ لـِ"إسرائيل" بما تُسمِّيه "حقَّ الدفاع عن النفس" و"حرية الحركة".

800-30.jpg

لا تقف خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة عند حدود فتح باب التفاوض مع إسرائيل، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتصل بتموضع لبنان المستقبلي في الإقليم. فلبنان، الذي عاش منذ عقود تحت وطأة تأثيرات خارجية متراكبة (أميركية سورية سعودية، أميركية إيرانية، أميركية-إسرائيلية إلخ..) يجد نفسه اليوم أمام مفترق شديد الحساسية: هل تقود المفاوضات الحالية إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة الحرب والسلم باسم جميع اللبنانيين، أم تدفعه، تحت ضغط النار والانقسام الداخلي، من التأثير الإيراني إلى التموضع في الجهة الإسرائيلية؟

FB_IMG_1776069351699.jpg

تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.

801-2.jpg

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان لبنان يتأثر بالتفاوض الأميركي الإيراني، بل كيف أصبح جزءًا من شروطه. فالتطورات الميدانية في الجنوب، حرباً ثم هدنة، تكشف أن لبنان لم يعد ساحة تُستخدم للضغط من الخارج، بل بات عنصرًا قادراً على صنع أو تعديل المعادلات التفاوضية نفسها. هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار نقل الجبهة الجنوبية (المقاومة اللبنانية) من موقع التأثير غير المباشر إلى موقع إنتاج الشروط السياسية.

800-23.jpg

لبنان كيانٌ قَلِقٌ. يقفُ راهنًا على شفا منزلقاتٍ خطيرة. لا شيء يُنقذه إلّا صحوة وطنية وجوديّة تشبهُ المعجزة. هذه الكلمات صاعقةٌ حتمًا، لكنها تعكس واقعنا الكارثي. لولا إضاءة استثنائية من المقاومة في الجنوب، لكان ما نتخوّف منه مستقبليًا قد حلّ بنا الآن.

626591940022.jpg

في الحروب الحديثة، لم يعد التقدّم العسكري يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف على إنتاج معنى سياسي وانتصار قابل للتسويق. فالجيوش، حين تعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى، لا تتوقف عن القتال، بل تعيد تعريف أهدافها، وتنقل المعركة من الجغرافيا إلى الرمزية، ومن السيطرة الميدانية إلى صناعة الصورة.

800-18.jpg

إنّ القراءة الموضوعيّة والواقعيّة للمشهد اللّبنانيّ اليوم، مع الابتعاد عن الاصطفافات العاطفيّة والأيديولوجيّة، تشير إلى أنّ التّقديرات التي سادت لدى أقطاب السّلطة اللّبنانيّة، وكذلك لدى أقطاب الحكومة الاسرائيليّة، قبل الثّاني من آذار/مارس الفائت... لم تعكس، في أحسن الأحوال، الواقع الميدانيّ والأمنيّ بدقّة. وهذا ما يُفسّر التّطوّرات الرّاهنة إلى حدّ كبير، بما في ذلك جولة المفاوضات المباشرة في واشنطن، وما سبقها من أخذ وردّ حول قضيّة وقف النّار أو الهدنة المؤقّتة أو التّدرجيّة على الجبهة اللّبنانيّة.