حين تصبح القوة فخًّا للإمبراطوريات

كثيرًا ما يفكّر أحدنا بعقلانية، ويفترض أن القوى الكبرى والإمبراطوريات تفكّر مثله. لكن هذا الإسقاط أقرب إلى تصوّراتنا منه إلى الواقع. فلك أن تسأل: متى فكّرت الدول، ولا سيما الغربية الإمبراطورية منها، أو ذات السمات الإمبراطورية، بعقلانية وانتهجت سلوكًا واقعيًا؟ وهل من العقلانية أن توتّر هذه الدول علاقتها بالعرب والمسلمين، وتضع مصالحها على فالق تهديد استراتيجي من أجل «إسرائيل»؟

صحيح أن إسرائيل بُنيت كرأس رمح لهذه القوى، وأنها تمثّل رأس جبل الجليد لمشروعها الهيمني في المنطقة، أو امتداد إمبراطوريتها الشرق أوسطية، لكن ما ثبت حتى اليوم أن كلفتها باهظة جدًا، ولا سيما في العقود الأخيرة، إذ غدت أكبر بكثير من عوائدها عليها. صاروا هم يدفعون من جيوب مواطنيهم ليحموها، بدلًا من أن تكون هي لحمايتهم!

فلماذا يصرّون على إجهاد دافعي الضرائب لتحمّل أعباء دعمهم المطلق لإسرائيل؟ هل لسبب عقلاني، أم لمخاوف غير مبرّرة، أم لفهمهم الخاطئ لشعوب المنطقة، أم لقصر نظرهم وإحاطتهم المحدودة بالإسلام وعالمه، الذي اختصروه في فئات معيّنة؟ أم أن ما يحرّكهم هو ما يُعرف بهاجس أو “فخ ثيوسيديدس” (القوى الصاعدة مقابل القوى المهيمنة)، أم كرههم للإسلام كدين حين يحمل رؤية تحرّرية إنسانية؟

ما يعني أن ما يحرّك أنظمتهم قد يكون عقيدة أيديولوجية، أو وهمًا يحلّ محل الوقائع، أو مخاوف غير علمية، أو وهم القوة، أو أزمة أنظمة وأزمة صناعة قرار في دولهم، تتداخل فيها عوامل كثيرة، من بينها جماعات الضغط واللوبيات، كما يرى ستيفن والت وجون ميرشايمر، اللذان تناولا تأثير اللوبي الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما في كتابهما (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy).

وما يُصعّب فهم الإمبراطورية الأميركية هو نموذجها التفكيكي الذي قد يحمل الشيء وضدّه، ما يوحي للآخر بإمكانية ملاقاته والتفاهم معه، إذ يغفل هذا الآخر أن كل ما يراه ليس سوى وجوه لحقيقة إمبريالية كامنة. وفي هذه الجزئية تحديدًا، يمكن للآخر أن يستفيد من هذه السمة في بنية أميركا.

***

تعدّدت كتابات المفكّرين والمؤرّخين والفلاسفة حول الحضارات وأسباب انهيارها. ويبدو مثيرًا للاهتمام موقف بعض كبار من تناولوا الحضارات، ناهيك عن الإمبراطوريات، ومفاده أنها تنتحر ولا تموت؛ أي إن الضغوط الخارجية تكشف أبعاد المشكلة الداخلية وتسرّع تفاقمها. بينما شرح آخرون، من خلال استقراء تاريخي وعلمي، كيف تذهب هذه القوى إلى خيارات خاطئة وغير عقلانية، برغم وجود خيارات عقلانية وممكنة عديدة.

ومن يتصفّح كتب التاريخ يفاجأ بأن قوى الهيمنة كأنها لا تتعلّم من أخطائها، أو أنها محكومة بقواعد قسرية تؤدّي، في نهاية المطاف، إلى تراجعها، أو حتى إلى انهيارها التام أحيانًا.

وبرغم تعدّد هذه الأسباب، يبقى السبب الطاغي وراء كل ذلك، أو سبب الأسباب، هو العقلية. نعم، العقلية التي تُبنى عليها الافتراضات. فالمشكلة أن القوة بذاتها تتحوّل إلى عقلية مستحكمة، وإلى أرضية ومنطلق لأي تفكير، ويصبح الاستخفاف بالآخر وافتراض سهولة تجاوزه وتحييده هما الحاكمَين، فتبقى الإمبراطورية تعيش قلقًا دائمًا. وهنا يكمن أول مسارات السقوط.

فالإمبراطورية لا تدرك أن أعداءها ومنافسيها يدأبون على تشخيص مكامن ضعفها، ويعرفون أنهم إذا أحسنوا إصابتها في تلك النقاط، أصابوها في مقتل.

وفي مختلف الكتب السماوية، وفي أمّهات كتب التاريخ، ما يكفي من القرائن والأمثلة التي تستعرض الصراع بين قوة المستكبر وقلّة إمكانات المستضعف، وكيف ينجح المستضعف، في توقيت معيّن يختاره، وفي لحظة محدّدة من انجلاء طبيعة الصراع، أو في لحظة غرور عمياء تحيط بالمستكبر، في توجيه ضربة مركّزة إلى نقطة محدّدة، أو في نقل موضوع الصراع من بُعد إلى آخر، مستفيدًا من رؤيته للصراع وتكامل أبعاده.

بالنسبة إلى المستضعف، ترتبط القوة بسياق وبحدود مهما بلغت، ولا يمكن لأي قوة في العالم أن تختصر جميع عناصر القوة في آن واحد. لذلك لا يحتاج المستضعف إلى استجماع كل عناصر القوة المادية لخوض المواجهة، لأن أصل تفكيره لا ينبني على مراكمة القوة المادية، بل على القدرة، وبالتالي على توفير القدر الضروري جدًا منها، بما يحمي فكرته ولا يهدّدها.

إن القوى الإمبراطورية، في الواقع، تتجاوز فيها القوة كونها وسيلة لتصبح هدفًا بحد ذاتها، ولذلك تجنح إلى مراكمتها بشكل متطرّف، وبلا توازن أو اعتدال. انظر إلى حال القوى التي تُسمّى عظمى اليوم، حين تراكم من الإمكانات النووية ما تستطيع به تدمير الأرض مرّات عدّة، أي تدمير ذاتها أيضًا!

بينما يرى المستضعف في لحظة قوته ضرورة توفير القدرة لحماية الذات، سبيلًا إلى التوازن وإتاحة الفرصة لمنطقه. وهذا القدر من القوة ضروري ولازم، إذ من دونه قد ينجذب عموم الناس إلى مظهر القوة المادية، ويفترضون إطلاقها، أو ربما يرون في أي إنجاز تحقّقه دليلًا على صوابية منطقها، بينما لا يرون الحقّ مالكًا القوة الكافية التي تمكّنه من القيادة. وهكذا قد يتسلّل الوهم إليهم.

الإمبراطوريات تعيش وهم القوة إلى حدّ تنسى فيه، أو تغفل عن حقيقة راسخة، ألا وهي أن السلطة إذا لم تتحوّل إلى مشروعية، والطاعة إذا لم تتحوّل إلى واجب، فإنها لا يمكن أن تستمر، وستفشل.

إقرأ على موقع 180  أحياناً يجب تغيير بعض الضُبّاط

***

المشكلة التي نواجهها اليوم تكمن في أن الوهم يتسلّل إلى كل إمبراطورية على حدة؛ فكلّ منها تظنّ أن نموذج قوتها يتيح لها الهروب من هذه الحقيقة أو القفز فوقها، وأنها قادرة على النجاح والانتصار. فتغفل حتى عن البديهيات والمسلّمات، وترفض أن تتعلّم من التاريخ وقواعده، وممّا أصاب الإمبراطوريات التي سبقتها.

وليس أقرب إلى ما نتحدّث عنه ممّا يحصل اليوم مع الإمبراطورية الأميركية، التي هي، بالمناسبة، الأكثر هشاشة في تركيبها من غيرها، برغم أنها الأكثر قوة ممّا سبقها.

فهي تعتبر نفسها فوق التاريخ، وتمجّد قوتها وسلاحها كما لو أنهما لا يُقهران. فهل هذا واقع أم وهم؟ ماذا عن حروب العقدين الأخيرين؟ وماذا عن آخر جولاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أليست نذيرًا كافيًا؟

لقد كانت تلك الجولة درسًا كبيرًا للولايات المتحدة في ضرورة أن تقبل هزيمة استراتيجية، وتعترف بالفشل، وتحتكم إلى العقل.

لكن مشكلة أميركا اليوم مركّبة جدًا: عقل إمبراطوري يرفض أن يخضع ويذعن أمام الواقع والحقائق، فيرى تراجع هيمنته أمام قوة إقليمية نهاية الطريق، ونهاية المسار الغربي بأسره؛ وقيادة سياسية تعيش وهمًا ونرجسية غير مسبوقين في تاريخ الرؤساء، كما تعيش ضغوطًا داخلية بسبب فشل وعودها، وتخاف من الداخل كما تخاف من الخارج؛ واتجاه أيديولوجي ينزع إلى العداء والحقد على الإسلام، وعلى “النموذج الإيراني” على وجه الخصوص.

لذلك، مع كل يوم يمضي، تضيق الخيارات وينفد الوقت بسرعة. الأشهر المقبلة حاسمة: هل ستعيد أميركا الكرّة فتغرق أكثر، مع ثمن باهظ يدفعه العالم كله، أم ستلجأ إلى حدّ أدنى من العقلانية والسويّة، وتبحث عن طريق آخر ما يزال متاحًا وممكنًا؟

Print Friendly, PDF & Email
بلال اللقيس

باحث سياسي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  السلفيون في لبنان والجار المتغيّر: من فتاوى الجهاد إلى اختبار السياسة