بسمة عبد العزيز, Author at 180Post

750-5.jpg

خلال الفترة القَّصيرة التي شَهدت إغلاقًا عامًا في التاسعة مساءً، تذكرت حاليَ مُستقرة بعض الوقت بإحدى المدن الأجنبية التي تسير على قواعد صارمة، فتُلزِم حوانيتها بمواعيد مبكرة للنوم والصحيان. طبيعة جميلة ولا جدال، أحياء مُغرِقة في الهدوء، معزولة عن الأصوات الصاخبة التي تحرم النسبة الكبرى من قاطني القاهرة حقَّهم الأصيل في الاستمتاع بالصَّمت ولو لدقائق قليلة. تصوَّرت قبل مروري بالتجرِبة أن الكتابةَ في الأجواء الناعمة الساكنة عملٌ موفقٌ سديد؛ لكني كنت ولا شكّ مخطئة. شعور غامِر بالمَلل يبدأ في الزَّحف بمجرد انقضاء أول نهار. تخلو الشوارع عند السادسة مساءً؛ لا تُرى فيها محالٌ ساهرة ولا أشخاصٌ يتسكعون هنا وهناك، ولا حتى حيوانات أليفة تجوبُ الأرصفةَ وتنبش صناديقَ القمامة؛ مواتٌ شاملٌ مُكتمِل الأركان. أدركت مع تعدُّد الزياراتِ على هذا المنوال، مَغزى المثل الشهير: "الجَّنة من غير ناس ما تنداس".   

800.png

اجتمَعْت وبعضُ الصَّديقات بعد غيبةٍ طويلة، جلسنا نجترُّ بعضَ الذكريات ونتحسَّر كعادة الناسِ هذه الأيام على ما صارت إليه الأحوال. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعلنت صديقة نيتها المُغادَرة؛ كي تلحقَ بموعد درس ابنتها. حاولنا إثناءَها في حين أصرَّت وقامت فجأة صائحة أنها تأخرت بما يكفي؛ لكنها صَدَمت بحقيبتها كوبَ القهوة الذي لم تُنهِه، فهوي بمحتوياته؛ ليلون البلاطات الرمادية بلونٍ بنيّ داكن، وليهرولَ النادلُ ناحيتنا، بينما نضحك وتهتف إحدانا: "يا مستعجل عطَّلك الله".

800-37.jpg

أثناء لقاءٍ دوريّ لطيف؛ أطلعتني صديقة مُحبَّة للعمل اليدويّ على بعض منتجاتها: أغراض بسيطة للمناسبات الشخصية والأعياد. حافظات صغيرة من القماش السّميك، سلاسل مفاتيح، أكواب ودفاتر؛ فيها ما يحمل أيقونات الميلاد ورمضان وشمّ النسيم وعيد الأضحى، وفيها أيضًا ما هو مزدان بعبارات ساخرة ورسوم خفيفة الظل.

9bb00df5fb0f4cfae104fcf884773e63.jpg

على هامِش صفحة في كرَّاس قديم، وجدت بيتًا يبدو أنني أعجَبت به فنقشته أكثر مِن مرَّة. قال الشاعر: "يفوز باللذَّات كلُّ مُغامِرٍ.. ويموت بالحَسَراتِ من يَخشى العَواقِب". البيتُ مَنسوبٌ لأبي البقاء الرندي، ويُذكَر في مَواضع مُتعددة مع استبدال مُفردة أو أخرى بما يوازيها أو يكافئها، أما عن أسلوب التقرير الحاسِم، فيستبعد الاحتمالات التي تخالف المعنى المَرغوب؛ وخلاصة القوْل أن المُغامرةَ مصدر سَّعادة أكيد، أما التخلي عنها وتجنُّبها؛ فباعثٌ على الحَسرة جالبٌ للشقاء.

700-1.jpg

جلس رجلٌ في أواسط العمر، ومن حوله بضعة أصدقاء؛ ينصتون لأشعار مختارة يلقيها. كان يتمايل مندمجًا مع الكلمات، يحرك يديه ويؤمّن على المعاني بهزات خفيفة من رأسه؛ فيما يطلق السامعون آهات الاستحسان. سمعته يشدو بأبيات جاهين: "عجبي عليك يا زمن.. يا بو البدع يا مبكّي عيني دمًا.. إزاي أنا أختار لروحي طريق.. وأنا اللي داخل في الحياة مرغمًا.. عجبي!". انتهى من وصلته؛ فانطلق التصفيق وتصايح الجالسون معلنين إعجابهم؛ إذ لم يكن، والحال على ما هي عليه، ختامٌ أفضل.

800-4.jpg

عقدت شابَّةٌ في دائرة المعارف والأصدقاء قرانَها، ولم يمُر شهران إلا وطلبت الانفصالَ وأتمَّت إجراءاته بالفعل. حكت في لقاء شهدَ فضولَ المجتمعين كلهم؛ نساءً كانوا أم رجالًا؛ إنها تزوَّجت بعدما لمَست بنفسِها قدرةَ العريس على توفير حياة ناعمة ومريحة، لا تخلو من كماليات ورفاهية؛ ثم إذا بها تفاجأ بسوءِ الخُلُق وقُبح المُعاملة. ردَّت إحدى الصَّديقات بعدما ظلت صامتةً طيلة القعدة؛ تتابع التفاصيلَ وتعكسها في علامات امتعاض مَمزوجة بشيء من التَّشفي: "الطمَع يقلُّ ما جمَع". 

rich_versus_poor__julio_carrin_cueva.jpg

في معظم الأعمال الدرامية التقليدية التي اعتدنا مشاهدتها قديمًا، يتطلع الشاب الفقير إلى فتاة من عائلة غنية. يحاول الوصول إليها، لكنه يجد من ينصحه من معارفه وذويه بالتعقل والرضا بما لديه. فإن طال الحديث، قيل في محاولة إثنائه عن رغبته: "العين ما تعلاش عن الحاجب". ظاهر القولة يبدو متزنًا وحكيمًا، لكن باطنها يحمل الإذعان لواقع مُجحف والاستسلام لهرمية بغيضة يدرك القائل صعوبة تخطيها. والمجاز في الأمثولة مُوجع قاسٍ؛ فالموضع التشريحي لعين الإنسان ثابت لا يتغير، تمامًا مثل موقع المرء في مجتمع درج على أن يحدد وجوده وإنسانيته بالطبقة التي ينتمي إليها، حتى إن مخالفته تُقابل بالرفض إجماعًا.

750-5.jpg

لم يتصوَّر أحدٌ أن يأتيَ زمانٌ، يحكم فيه دولةً كبرى تحظى بمكانة سياسية واقتصادية عظمى بين الأمَم؛ شخصٌ لا يتمتَّع بأدنى درجاتِ اللياقةِ والحِكمة، ولا يشغل نفسَه كثيرًا أو قليلًا بالقواعد والتقاليد والبروتوكولات؛ إنما يحطمها تباعًا، ويَضرِب بشروط المنطِقَ عرضَ الحائط، ويجعل من ذاته أضحوكةً وسط أترابه.

790.jpg

لما تطرَّق الحديث إلى الدراما والمسلسلات، انقسم الجالسون إلى فريقين؛ فريق يرى أن دواعي الانتقام العادل تبيح الخداع والغشَّ وما توفر على دربهما من وسائل، وآخر يرى أن الالتزام بالمبادئ والأخلاقيات لا بد وأن يحكمَ محاولة استرجاع الحقّ، وأن الضرورات لا تبيح على الدوام المحظورات. دار الكلامُ حول مسلسل بعنوان "قسمة العدل"، سبق عرضُه الدراما الرمضانية وأحرز نسبة مشاهدة مرتفعة. البطلة التي أوقعت بكل من أعطاها ثقته حازت إعجاب الأغلبية وتأييدها؛ لكن صديقة في أواسط العمر انبرت تنتقدها وترفض تصرفاتها وتقول: "قليل الأصل ما تطمرش فيه العِشرة". 

fine.jpg

لم يكُن في الجلسة من حديثٍ سوى عن الحربِ التي تشنها الولاياتُ المتحدة الأمريكية على إيران. تباينت كالعادة الآراءُ؛ ثمَّة مَن بنى موقفَه على تأييد غير مشروط للهيمنة الرأسمالية مقابل كره جذريّ عميق لنظام المُرشد، وثمَّة مَن دعم المقاومة في مواجهة العدوان سواء كانت دينية أو علمانية؛ غير أن الحاضرين أغلبهم قد اتفقوا على كون سياسات الرئيس دونالد ترامب ضربًا من الحمق عصيًّا على الاستيعاب؛ ولا سيما أن الصَلف الأمريكيّ الأصيل يتزايد في الآونة الأخيرة فلا يترك براحًا كافيًا للاختيارات، ولا يعبأ بوجود مفاوضات، ولا يكترث لتعهُّدات أو اتفاقات؛ إنما يخرق كلَّ ناموسٍ وعرف.