توازنات ما بعد وقف النار: من يرسم مستقبل لبنان؟

في اليوم التّالي تقريباً لإعلان اغتيال المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران السيد علي الخامنئي على يد الجَيشَين الاسرائيليّ والأميركيّ، أو بالأحرى في وسط اللّيلة التّالية لهذا الإعلان، فاجأ “حزب الله” – أقلّه في الظّاهر – الحكومة اللّبنانيّة وأغلب أركان الدّولة اللّبنانيّة بانخراطه عمليّاً في الحرب الدّائرة في الإقليم، مُعلناً أنّه قد قام بمهاجمة عدد من الأهداف الاسرائيليّة شمال الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، ممّا أدخل الجبهة اللّبنانيّة عمليّاً في المواجهة العسكريّة والأمنيّة المعقّدة القائمة حاليّاً في المنطقة.

صرّح “حزب الله” يومَها إذن إنّه قد قام بهذه العمليّة وفاءً لدماء السّيّد الخامنئيّ، وردّاً على ما اعتبره اعتداءات اسرائيليّة متكرّرة على لبنان منذ ما يُقارب الـ١٥ شهراً، فيما شدّد خطابه يومَها وبعدَه على عدم التزام “إسرائيل” باتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الذي يرجع إلى ٢٧ تشرين الثّاني/نوفمبر من عام ٢٠٢٤، كما شدّد على فشل الدّولة اللّبنانيّة عمليّاً في الوصول إلى أيّ نتيجة مُنصفة بالحدّ الأدنى – للبنان ولأهل الجنوب اللّبنانيّ تحديداً – من خلال الجُهود الدّبلوماسيّة والسّياسيّة وما إلى ذلك. وكلّ هذا طبعاً، من دون نسيان ذكر الجانب المتعلّق بعجز الجيش اللّبنانيّ، بحسب هذا الخطاب نفسه أقلّه، بقدراته الحاليّة المحدودة: عجزه عن القيام بواجب الدّفاع عن البلد وتحرير الأرض بدلاً من “المقاومة المسلّحة”.

ويُشدّد خطاب حزب الله، وخطاب النّخب والشّرائح الواسعة المؤيّدة له في البلد، أيضاً: على تحميل الجانب الأميركيّ عمليّاً مسؤوليّة عدم تسليح الجيش اللّبنانيّ بما يكفي، وذلك بهدف حماية “أمن إسرائيل” كما يكرّر هذا الخطاب نفسه إذن.

أمّا الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، وبدعم من أغلبيّة القوى المشارِكة فيها، فقد رفضت هذا الانخراط العسكريّ جُملةً وتفصيلاً، وهي لم تزل تعتبر وبشكل علنيّ: أوّلاً، أنّ حزب الله إنّما قد خالف الأطر الشّرعيّة عمليّاً، خصوصاً من خلال كسره لمبدأ حصر قرار الحرب والسّلم بيد الدّولة؛ ثانياً، أنّ حزب الله إنّما دخل في هذه المعركة بطلب ايرانيّ ضمنيّ، أو أقلّه، اسناداً للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران، لا دفاعاً عن لبنان أو ردّاً على الاعتداءات الاسرائيليّة كما يدّعي؛ ثالثاً، أنّ هذا التّنظيم العسكريّ – وربّما السيّاسيّ – قد بات عمليّاً يُغرّد خارج سرب القانون والشّرعيّة والمؤسّسات (بالإضافة إلى خروجه عن الشّرعيّة الدّوليّة)، وبالتّالي، فقد اتّخذت هذه الحكومة عدداً من القرارات والاجراءات، تذهب في عمومها في اتّجاه جعل “المقاومة الاسلاميّة في لبنان” عمليّاً منظّمة خارجة عن القانون، وفي اتّجاه فتح الطّريق أمام نزع سلاحها ولو بالقوّة (أي من خلال الجيش اللّبنانيّ نفسه).

وقد قامت السّلطة الاجرائيّة في لبنان، متمثّلة برئيس الجمهوريّة جوزاف عون وبمجلس الوزراء، بعدّة خطوات اضافيّة، تسير في اتّجاه قبول مبدأ المفاوضات المباشرة مع “العدوّ الاسرائيليّ” (بحسب التّعبير اللّبنانيّ الاعتياديّ)، ممّا زاد في الانقسام والتّوتّر الدّاخليَّين إلى حدّ كبير وخطير، حتّى في ما يعني بعض الأقطاب السّياسيّين الذين كانوا قبلَها عموماً على موقف مضطرب أو ضبابيّ أو غير اعتياديّ تجاه عمليّة حزب الله هذه.

فرصة ذهبية للحزب وخصومه!

في عمق الأمور، يعتقد حزب الله على الأرجح أنّ بداية العدوان الأخير على إيران قد أعطت المقاومة المسلّحة فرصةً ذهبيّة في لبنان، تستطيع من خلالها العودة إلى ميادين القتال وإلى لعب الدّور الذي رسمته هي لنفسها عبر السّنين، مع محاولةٍ لتغيير موازين القوّة الحاليّة طبعاً، إن كان تجاه الخارج أو حتّى تجاه الدّاخل المعادي لخطّها ولثوابتها بحسب هذه القناعة. من المهمّ هنا تذكّر أنّ الحزب كان، منذ ٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، ومنذ ما بعد سقوط النّظام السّوري السّابق والحليف الاستراتيجيّ له في التاسع من كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه: كان يتلقّى الضّربة تلو الأخرى من قبل “إسرائيل”، من دون أن يستطيع أن يقوم بأيّ ردّ فعليّ، عمليّاً.

يعتقد العقل الاستراتيجيّ والسّياسيّ للحزب بالتّالي، وفي المرجّح، إنّ المرحلة السّابقة المذكورة لا يُمكن أن تستمرّ ولا يُمكن القَبول بعودتها بأيّ شكل من الأشكال، ولو طال أمد القتال الحاليّ نسبيّاً ولو تعقّدت مجرياته وساحاته ربّما.

ويَزيد من قوّة القناعة المذكورة هذه تقييم حزب الله وحلفائه المحلّيّين والاقليميّين – التّقييم الضّمنيّ غالباً ربّما – للحكومة الحاليّة، ولتموضعها الدّوليّ والاقليميّ، حيث يعتبرون على الأرجح أنّهم أمام مجموعة قوى ذاهبة بعيداً في التّحالف مع المشروع الأميركيّ من جهة، وفي التّماهي مع المساعي الاقليميّة على اختلافها للقضاء على مشروع المقاومة المسلّحة – وعلى حزب الله كمنظومة – عسكريّاً وسياسيّاً من جهة ثانية.

في المقلب الآخر، يبدو من الواضح بدوره أنّ القناعة العميقة المرجّحة للفرقاء الأساسيّين المكوّنين لهذه الحكومة: هي أنّ هذا الحزب، والمؤسّسات والتّيّارات التي تدور في فلكه، ليس في جوهر الأمور إلّا أداةً و”وكيلاً” بيد اللّاعب الايرانيّ في الإقليم. ولذلك، فهم يعتبرون أنّ حزب الله وسلاحه يُشكّلان خطراً كبيراً على البلد، وصولاً إلى تشكيلهما خطراً كبيراً على هذه السّلطة نفسها خصوصاً إذا ما خرج الحزب منتصراً – كحركة مُقاومة لا كجيش نظاميّ طبعاً – من هذه الحرب. تبدو صورة اليوم التّالي للانتصار الذي بات مُمكناً للحزب في هذه المرحلة، بعد أن كان مُستحيلاً في ذهن أغلب هذه الأطراف ربّما: تبدو صورة اليوم التّالي هذه حاملةً بالتّالي لقلق كبير من ناحية الحكومة ورئيسها نواف سلام ومكوّناتها الرّئيسيّة وداعميها الإقليميين.

فتّّشوا عن ماكس فيبر!

ويُمكن الحديث، على مستوى مفاهيم العلوم الاجتماعيّة هذه المرّة، عن صراع قد لا يقلّ ضراوةً وشراسةً بين الفريقَين ولو بشكل غير واعٍ أحياناً، في ما يخصّ “مفهوم الدّولة” بشكل خاصّ. فالفريق الحكوميّ الحاليّ، وحلفاؤه الأساسيّون، والشّرائح الشّعبيّة الواسعة التي تؤيّده، يبدو في موقع من يتبنّى نظرة “نزوليّة” أو “مبدئيّة” للدّولة. فتبدو هذه الأخيرة عنده وكأنّها مفهوم مُتصوَّر في الذّهن يَحملُ صفاتٍ لا بُدّ من أن تُفرضَ على أرض الواقع ولو بالقوّة. وعلى رأس هذه الصّفات أو السّمات أو الجوانب تكمن مسألة ما يُسمّى “باحتكار العنف”. في هذه المسألة الأخيرة بالتّحديد، يذهب الكثير من الباحثين والمُتابعين اليوم إلى اعتبار أنّ البيئات الحاضنة لتوجّهات الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، إنّما تتبنّى – إلى حدّ كبير نسبيّاً – تصوّراً فيبريّاً للسّيادة ولاحتكار العُنف (نسبةً إلى عالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر طبعاً).

ومع الأخذ بالاحتياطات اللّازمة في ما يعني المصطلحات المستخدمة (لأسباب لا مجال للدّخول فيها هنا): يُمكن الادّعاء، في مقابل ذلك، أنّ الفريق الثّاني، علناً أو ضمنيّاً، إنّما يُدافع عن مفهوم للدّولة يُمكن اعتبار أنّه “صعوديّ” أو “واقعيّ”. إذ يُطلب من هذه الدّولة عمليّاً – مع التّبسيط – أن “تكتسب” حقوقها الأهمّ. ولذلك، يردّد هؤلاء أنّ على “الدّولة”، لا أن تترك واقعاً أهالي بعض المناطق بلا حماية تجاه الاعتداءات الخارجيّة وبلا بدائل جدّيّة للمقاومة المسلّحة: بل على هذه “الدّولة”، في هذا الإطار، وبحسب هذا الرّأي إذن، أن تقوم بواجبها الرّدعيّ والدّفاعيّ أوّلاً، أي قبل أن تطلب احتكار العنف و”حصريّة السّلاح” بناءً على مسوّغات نُزوليّة أو نظريّة كما أشرنا.

“الكلمة للميدان”

من الزّوايا الأمنيّة والسّياسيّة إذن، وصولاً إلى المفاهيميّة، تبدو الحالة اليوم “صِفريّةً” (Zero-sum game) في الغالب، كما يُعبّر بعض أهل الرّياضيّات والاحتمالات، وإلى حدّ كبيرٍ وخطيرٍ جدّاً. إلى حين كتابة هذه السّطور، وباختصار: لم يزلْ كلُّ طرفٍ يهدف إلى تحقيق نصرٍ جذريٍّ على الآخر، ويذهب بعيداً نسبيّاً في تحرّكه التّصعيديّ على الأرض السيّاسيّة وربّما الأمنيّة. بكلّ موضوعيّة وبكلّ واقعيّة: الحالة اللّبنانيّة اليوم، لا سيّما في ما يعني اليوم التّالي للحرب، خطيرة جدّاً، وتُشبه – إلى حدّ لا يُستهان به – حالات ما قبل اندلاع نزاعات أو اضرابات أهليّة من النّوع العميق، بل وربّما الوجوديّ كما رأينا.

أمّا حزب الله، فهو يقول ويعمل إلى الآن على قاعدة أنّ “الكلمة للميدان” الأمنيّ والعسكريّ (والاقليميّ)، وبالتّالي، لا يُعطي أيّ أُذنٍ صاغية عمليّاً لما تقوم به هذه الحكومة من اجراءات تصعيديّة طالما أنّ الجيش اللّبنانيّ لا ينفّذ خطوات عسكريّة تجاهه قد يعتبرها الحزب خطيرة (وهو يستبعدها في المرجّح إلى الآن، كأغلب اللّبنانييّن على الأرجح أيضاً، وخصوصاً في هذه الظّروف). وبطبيعة الحال، وإلى اليوم أيضاً، فإنّ مقولة “إنّ الكلمة للميدان” تبدو كذلك مقولة الجانب الاسرائيليّ، ممّا يضع الدّولة اللّبنانيّة برمّتها أمام تحدّياتٍ متصاعدة الخطورة.

إقرأ على موقع 180  لبنان ينتفض من أجل مقاضاة جلاد معتقل الخيام

المخارج السلمية

ضمن هذا المشهد، واعتماداً على هذه الوقائع الرّاهنة وعلى التّجارب السّابقة، ما هي الوساطات الدّبلوماسيّة والمخارج السّلميّة الممكنة؟

في ظلّ هذه الحالة الصّفريّة الخطيرة داخليّاً، وفي ظلّ الحرب الدّائرة، وفي ظلّ عودة بعض الجهات العربيّة الأساسيّة – مع استثناء الجانب المصريّ حتّى الآن – إلى تموضع عدائيّ نسبيّاً تجاه الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران: يبدو أنّ المخرج الأكثر واقعيّةً – وفعاليّةً – يكمن اليوم في محاولة الوصول إلى حوارٍ شاملٍ وجدّيٍّ بين المجتمع الدّوليّ – بمشاركة الولايات المتّحدة كلاعب أساسيّ طبعاً – من جهة، وبين القيادة الايرانيّة نفسها من جهة ثانية، يكون ملفّ لبنان أحد بنوده الأساسيّة.

مجدّداً: نحن هنا أمام اتّجاه يُمثّل النّظرة الأكثر واقعيّةً للأمور في اعتقادنا، وبعيداً عن الشّعارات المُعتادة. فمن الواضح، ضمن هذا الإطار عينِه: أوّلاً، أنّ الملفّ في عمقه اقليميٌّ إلى حدّ كبير، مهما حاولنا التّهرّب من هذه الحقيقة، كما يحدث في المُعتاد؛ ثانياً، أنّ هذا الملفّ متعلّق بعمق كذلك بالتّوجّهات الاستراتيجيّة القائمة أو المحتملة “للجمهوريّة الاسلاميّة” وحلفائها في الاقليم، ومتعلّق بالاتّفاق أو بالتّسوية اللّتَين يُمكن أن يصلوا إليهما مع الولايات المتّحدة خصوصاً، وبعد هذه الجولة العسكريّة تحديداً؛ ثالثاً، أنّ القضيّة صارت متعلّقة إلى حدّ كبير أيضاً، وفي عمق الأمور كذلك، وفي اتّجاه ليس ببعيدٍ عمّا سبق، بالحاجة الملحّة إلى اتّفاق و/أو تسوية معيّنتَين، كذلك بين الولايات المتّحدة بشكل خاصّ… وبين المكوّنات والقيادات الشّيعيّة الأساسيّة في المنطقة بأسرها.

من هنا، فمن المنطقيّ أن توكل مهمّة أيّ وساطة، إلى أطراف بات دورها مركزيّاً في الحوار العامّ القائم اليوم في المنطقة وبعمق نسبيّاً، أي إلى: مصر (عربيّاً)، لكن بالاشتراك تحديداً مع باكستان وتركيا.

إنّ هذا الطّرح، في واقعيّتِه إن جاز التّعبير، ينطلقُ كما أشرنا من حقيقةٍ باتت شبهَ مُسلَّمٍ بها في المشهدِ اللّبنانيّ الرّاهن: وهي أنّ الحِوار الدّاخليّ المُجدي بين الطّرفين الرّئيسيَّين المذكورَين بات مُقفلاً أو مُعطَّلاً إلى حدٍّ بعيد، ليس فقط بفعلِ التّباينات السّياسيّة التّقليديّة، بل لأنّ كلَّ فريقٍ باتَ مُرتبطاً عمليّاً، أكثر فأكثر وبشكل أكثر خطورة، بالتّموضعات الاقليميّة – والمبدئيّة، وربّما الوجوديّة، كما رأينا – شديدة التّوتّر. وبالتّالي، فإنّ أيَّ محاولةٍ لتنظيم حوارٍ داخليٍّ صرف، من دون رافعة اقليميّة ودوليّة تكون قويّة وواضحة، تبدو اليومَ محدودة الجدوى، إن لم نقلْ غيرَ قابلةٍ للتحقّقِ أساساً في الظّروفِ الحاليّة. وهذا يصحّ طبعاً، بشكل أكبر، إذا كان الهدف هو الوصول إلى حلّ جذريّ للنّزاع الدّاخليّ القائم، لا سيّما حول “السّلاح”… وصولاً ربّما (لم لا؟) إلى قضيّة تطبيق اتّفاق الطّائف برمّتها، وايجاد مخارج جذريّة في ما يعني المخاوف الأساسيّة الخاصّة بمكوّنات البلد الأساسيّة.

الفرصة المصرية.. عالية

في هذا السّياق، تبرزُ جمهوريّة مصر العربيّة كخيارٍ عربيٍّ أكثرَ توازناً وواقعيّةً لقيادةِ مثلِ هذه الوساطة، لا سيّما وأنّ بعضَ القوى العربيّة الأخرى، وفي مقدّمها المملكة العربيّة السّعوديّة، تبدو اليومَ، إلى حدٍّ ما، طرفاً منحازاً بوضوح في الصّراعِ الاقليميّ الدّائر، سواء من حيثُ تموضعها السّياسيّ أو من حيث انخراطها في الدّيناميّاتِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ المرتبطةِ به بشكل أو بآخر. أمّا مصر، وعلى الرّغمِ من مصالحِها الواضحة، فلا تزالُ تحافظُ نسبيّاً على موقعِ الوسيطِ القادرِ على التّواصلِ مع مختلفِ الأطراف، بما يُعزّزُ من قدرتِها على لعبِ دور توافقيّ في الحالة اللّبنانيّة.

ولا يُمكنُ لهذا الدّورِ المصريِّ أن يكتملَ أو أن يُثمرَ من دون غطاءٍ عربيٍّ مؤسّسيٍّ أوسع طبعاً، يتمثّلُ تحديداً في جامعةِ الدّولِ العربيّة، بما تُوفّرهُ من شرعيّةٍ مؤسّسيّة معيّنة قد تُساعدُ على احتضانِ أيِّ مبادرةٍ من هذا النّوع، وعلى تحويلِها من مجرّدِ جهدٍ ثنائيٍّ أو ثلاثيٍّ إلى مسارٍ عربيٍّ مُتكاملٍ. إلى جانبِ ذلك، تستفيدُ مصر، في الحالةِ اللّبنانيّة أيضاً، من رصيدٍ تاريخيٍّ من التّعاطفِ الايجابيّ، ومن مستوىً معيّنٍ من الثّقةِ السّياسيّةِ العامّة.

أمّا على المستوى الأوسع، فإنّ إشراكَ كلٍّ من باكستان وربّما تركيا لا يأتي من بابِ التّوازنِ الشّكليّ فحسب، بل من واقعِ تحوّلاتٍ فعليّةٍ في أدوارِهما الإقليميّةِ والدّوليّة. فباكستان، خصوصاً، تبدو اليومَ في موقعٍ متقدّمٍ نسبياً ضمن مساراتِ الحوارِ الإقليميّ، مع حضورٍ متنامٍ في قنواتِ التّواصلِ الفعّال مع الولاياتِ المتّحدة كما نرى، ومع امتلاكِها في الوقتِ نفسه لعلاقاتٍ استراتيجيّةٍ وثيقةٍ مع الصّين، بما يجعلُها لاعباً قادراً على التّقاطُعِ مع محاور دوليّة واقليميّة متعدّدةٍ في آنٍ واحد.

وفي المحصّلة، فلا بُدَّ من التّشديدِ مجدّداً على أنّ الأزمة اللّبنانيّة الرّاهنة ترتبطُ، في عمقِها، بالسّؤالِ الجوهريِّ حولَ كيفيّةِ التّعاملِ مع التّهديدِ الإسرائيليّ في لبنان وفي المنطقة، وبالسّؤالِ غير البعيد عنه حولَ تموضعِ لبنان ازاءَ الحروب الدّائرة في المنطقة، وازاءَ التّوازنات الجيوسياسيّة التي تُعادُ صياغتُها اليومَ على نحوٍ متسارعٍ وخطير.

 تحدّي “وقف إطلاق النّار”

إنَّ الوصولَ إلى “وقف إطلاقِ نارٍ” مؤقّت، أو إلى الهدنةِ المؤقّتة، لا يمكنُ قراءتُهُ إلّا بوصفِهِ دليلاً على الجدوى العالية نسبيّاً للطّرحِ الذي ندافعُ عنه في ما يعني المخارج السّلميّة والتّسوَويّة للأزمة اللّبنانيّة.

فمن الواضح أنّ الدور الباكستانيّ كانَ محوريّاً جدّاً في نقل الضّغطِ الإيرانيّ بصورةٍ ملموسةٍ إلى القيادة الأميركيّة، في ما يعني ادراج الجبهة اللّبنانيّة ضمن معادلة وقف اطلاقِ النّار في المنطقة.

كما ويبدو جليّاً أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” لم تعترض، في هذه المرحلة، على ابقاءِ العاملِ السعوديّ حاضراً بشكل ملموس في الحلّ اللّبنانيّ الدّاخليّ، بالتّنسيق طبعاً معَ الشّريك الباكستانيّ، على الأرجح بهدف ارساء نوعٍ من التّوازن النّسبيّ مع النّفوذ الأميركيّ المهيمن حاليّاً داخلَ تركيبة السّلطة التّنفيذيّة.

انطلاقاً من ذلك، يمكنُ القولُ إنّنا إذن أمامَ مسارينِ واضحين اليوم: مسارٍ أوّل يطرحُ مخرجاً عقلانيّاً وواقعيّاً، وهوَ المسارُ الذي ندعو إليه عموماً، والذي بدأت ملامحُهُ تتكرّس على الأرض كما رأينا؛ ومسارٍ ثان يدفعُ نحوهُ بنيامين نتنياهو في لبنان، يقومُ على تأجيجِ مواجهةٍ داخليّةٍ حادّةٍ بين “السّلطة” و”المقاومة”، من شأنِها أن تُوقعَ الحكومةَ اللبنانيةَ في فخّ التّصعيدِ الدّاخليّ ربّما، مستفيداً في ذلك طبعاً من ضغطٍ أميركيٍّ منحازٍ لهُ في هذا الاتّجاهِ على ما يبدو واضحاً حتّى الآن.

وعليه، فإنَّ التّحديَ الحقيقيَّ يكمنُ حاليّاً في ترسيخِ المسارِ الأوّلِ ودعمِهِ، لما يحملُهُ من قدرٍ أكبر من العقلانيّة والواقعيّة، ولما يوفّرُهُ من قدرةٍ كبيرةٍ على ابعادِ شبحِ المواجهاتِ الداخليّة، وكلِّ ما قد ينزلقُ بالبلاد نحو احتمالاتِ حربٍ أهليّة… أيّاً يكن شكلُها أو مسمّاها.

(*) يُنشر بالتزامن مع موقع dialogueinitiatives.org 

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "الحاكم" ومصرفيون وسياسيون.. خطر النوم بسرير واحد!