انطباعات Archives - 180Post

740.jpg

في مفاجأةٍ غير مُتوقَّعة سَمعِت "وحياة قلبي وأفراحه" صادرةً عن أحد الجيران. لم أتأكد إن كانت المناسبة هي بالفعل ظهور نتيجة الثانوية العامة، أم مُجرَّد مصادفة سعيدة جاء بها الراديو. للأغنية ذكرياتٌ كثيرة منذ الطفولة، ولصوت عبد الحليم الشجيّ أثرٌ لا يذوي في الروح، ولواقعنا الغنائيّ التعس فضلُ التعريف بقيمة الكلمة واللحن الحقيقيين. لم أسأل الجارة عن سِرّ انطلاق الأغنية عبر بابها؛ فعاداتنا المُستجَدَّة أن يبقى كلٌّ في حاله، وأن يحفظَ خصوصيةَ مَن حوله ويتكتَّم فضوله؛ كي يستحقَّ صفاتِ التحضُّر والرُّقِي.

800-25.jpg

ذهب ظني إلى أن رجلاً في مثل عمري لا يدخل التفكير في الماضي ضمن جملة اهتماماته اليومية والعادية. ظن قوي يسنده العلم ويؤكده الطب. ما يهمنا، أقصد جماعة كبار السن، ويحتل الأولوية في اهتماماتنا، هو الحاضر بما يعنيه، وبما يقدمه لنا من ثقة وساحة لعواطف هادئة، وبما يقدر على استعارته من الماضي عن طريق ذكريات منتقاة بعناية، ولغرض ووقت محددين.

ALI-YATA-COVER-1.png

في الذكرى التاسعة والعشرين لرحيله، نستحضر في هذا المقال مشاهد مكثفة من يوميات الزعيم الوطني والتاريخي علي يعتة (1920-1997)، ملقين الضوء على أدواره المتعددة كصحفي مقتدر يطوع الفكر بلغتي الضاد والفرنسية، ونائب برلماني أثبت أنه "فريق في جلباب رجل"، وقائد حزبي جعل من التواضع والانفتاح فلسفة قيادة. كما نتوقف عند إشراقات إنسانية وشهادات حية من كواليس مسيرته الصحفية والسياسية.

800-15.jpg

شاهدت مصادفة حوارًا طريفًا بطله صبيٌّ؛ صَحِبَته أمُّه للقاء مدرب كرة اليد؛ آملة أن ينضمَّ إلى الفريق الأول بالنادي. رحَّب المدربُ بالولد وراح يحدثه عن المُتطلَّبات والشُّروط التي تتجاوز امتلاكه الموهبة والمهارة؛ ومنها أن يعتاد على الصَّحو مبكرًا، وأن يتبعَ نظامًا غذائيًا خاصًا مَنزوع المُغرِيات، يعدو يوميًا مسافة طويلة ويواظب على تمرينات اللياقة البدنية الشاقة في صالة الإحماء. تراجع الولد قليلًا حين أدرك صعوبة الموقف وبدا مستاءً من فكرة خضوعه لمجموعة من الأوامر والنواهي، ميالًا للانسحاب وتجنُّب الأذى المُتوقَّع؛ وقبل أن ينطق نظرت له أمه مؤكدة على الكلام: "قلت لك؛ ما فيش حلاوة من غير نار".

800.jpg

زجَرَت الأمُ طفلَها الذي رفَضَ إكمالَ طعامه. قارنت بينه وبين صاحبِه ذي الجّسم المُمتلئ؛ إذ أقبل يأكل بشراهةٍ واضحةٍ دون أن يحتاجَ إلى توجيهٍ أو إلحاح، ولم تلبث مع غياب أيّ استجابة مُرضِية أن انفعلت، وعلا صوتها تأمر صغيرَها المتلكئ بالإسراع في إنهاء وجبته عن آخرها؛ لكن الجدَّة التي راقبت المَوقِف منذ البداية تدخَّلت ناصحةً بعدم الضَّغط عليه، وبمراعاة اختلافه عن زميله، وخَتمَت كلامها بالحِكمة الشعبيَّة الخالدة: "كلّ برغوث على أد دمُّه".

810-3.jpg

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

800-29.jpg

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

750-3.jpg

في جلسة جَمعَت عددًا من المعارف والأصدقاء؛ تحوَّلت دفَّة الحديث إلى بيئة عمل كلّ منهم وما تحوي من مشكلات. لم تخلُ مُداخلةٌ من شكوى ولم يذكر أحد على الإطلاق استمتاعه بحاله، إنما راح أغلبهم يعقد المقارنات بين السَّيء والأسوأ، ولم يلبث صديقٌ أن أجمل القعدة في كلمة لاقت من جميعهم القبولَ والاستحسان: "لا تعايرني ولا أعايرك الهمّ طايلني وطايلك".

008.jpg

على ناصية الشَّارع الذي أقطنه يقع محلُّ ملابس شهير، وأكثر شهرته مبنيّ على سلوك أصحابه؛ فكلبانِ أسودان يستوطنان عتباته ليلَ نهار، ويتوجَّهان إلى الداخل من حين إلى آخر؛ يتجولان قليلًا ثم يخرجان. اعتاد الزبائنُ وجودَهما، وأدركوا أن مُلَّاك المكان يطعمونهما، ولا يقتصدون في تدليلهما وملاعبتهما.

800-33.jpg

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.