بسّام ضو, Author at 180Post

801-12.jpg

ليس لدينا في السلطة اللبنانية "قادة". لدينا موظفون كبار. هؤلاءِ في الغالبِ الأعمِّ يأتون فَرْضَاً بمعادلاتٍ خارجية. أمَّا اللبنانيون فلا رأيَ لهم في اختيار هذا أو ذاك، والغريب أنهم يدفعون الثمن ويسكتون. تكثُرُ تسمياتُ المناصبِ: رئيس، وزير، نائب، مدير عام... إلخ، وتقلُّ قيمةُ التسمية. وهذا أمر مخجلٌ، لكنَّه - للأسف - طبيعيٌّ بالنسبة إلى الذين يتكيَّفون مع فساد النظام السياسي الطائفي في لبنان.

durchblick_farbig_calleri_eng_0.jpg

مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران- إذا نُفِّذت - ترسَّخ معادلاتٍ إقليمية ودولية جديدة انطلاقاً من الشرق الأوسط. وسواء أنجح التنفيذ أم لا، بسبب خرق ٍأميركيٍ أو إسرائيليٍّ فإنَّ هذه المعادلات تكرَّست واقعياً. لا عودة إلى الوراء إلَّا نحو حربٍ أشدَّ جنوناً، وأكثرَ اتساعاً تنتهي بمزيدٍ من التخريب الرأسمالي في العالم، وتُعجِّلُ في انهيارِ الإمبراطوريةِ الأميركيةِ وربيبتِها الإسرائيلية.

800-20.jpg

لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.

800-56.jpg

لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.

800-40.jpg

سقطت ورقة التين الأخيرة. تأكَّدت سَوْأة المفاوضات أكثر من أيِّ وقتٍ قريب مضى. الميثولوجيا الدِينَويَّة عن تناول آدم وحوَّاء من ثمار الشجرة المحرَّمة تحوَّلت إلى ميثولوجيا سياسية، تحققت عمليَّاً إذِْ تناولتِ السلطة من ثمار الشجرة الوطنيةِ التي لا تراها محرَّمة. أوْقعتْ نفسها في الخطيئةِ التي دبَّرتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي. اخترعا "هدنةً مؤقَّتةً" جديدة تنتهي في آخر حزيران/يونيو المقبل، وتحمل في طيَّاتها كلَّ عوامل استمرار العدوان. السقف الزمني في حدِّ ذاتِهِ شُبهة كبيرة.

801-5.jpg

بلغنا في لبنان أدنى دَرَكٍ. الحقيقة هنا جارفة وجارحة. أصبحنا نخشى الحديث عن الوَحدة الوطنية. كدنا نصل إلى شبهِ يقينٍ بأنها شبهُ مستحيلة. تلك هي الكارثة التي لا يعترف بها، ويعلن عنها إلَّا قليلون. وتلك هي التي يجب أن تكون محور حياتنا كي لا تتحوَّل إلى عبارة جوفاء، وقالبٍ لفظيٍّ مَيْتٍ، وشعار اِستلابيٍّ يُستدعى للاستهلاكِ في المناسبات والتصريحات. كلمات مُحنَّطة أمستْ تُستخدَمُ للتكاذُبِ الطائفي المتبادل، ولسدِّ فراغٍ سياسيٍّ وجوديٍّ وإنسانيّ.

800-15.jpg

يبدو أنَّ ما سُمِّيَ اجتماعاتٍ مباشرةً في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير "الإسرائيلي"، قد حَسَمتِ الجوهر الخطير للمفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ. وربما شارفت على الانتهاء في العمق المخفيّ، وفقاً لما أشارت إليه تصريحات الخارجية الأميركية. ولم يبقَ سوى الزيارة التي يريدُها "دونالد ترامب" من الرئيس اللبناني جوزاف عون كي يلتقي بـِ"بنيامين نتنياهو".

800-1.jpg

بين احتلال الأرض واحتلال الوعي، صِلَةٌ مَخفيَّة لكنها إستراتيجيّةٌ تماماً، وخطيرةٌ تتلازم معهما. وتكاد تكون جزءاً عضويَّاً مشتركاً بينهما. هذه الصلة ينشئُها كلُّ محتلٍّ، مثلما قد تنشِئها السلطات الداخليَّة في دولةٍ ما للسيطرة على وعي الجمهور وتدجينه. التعقيدات هنا كثيرةٌ وشديدة التشابك كونُ هذه الصلة لا تظهر مباشرة للعيان. لها طابع التسلُّل اللحْظَويِّ التراكُمي. ووظيفتها أن تؤثِّر في "اللاوعي الجمْعي"، كي تصنع لاحقاً مؤثرات متمادية في "الوعي العام"، وتنتج سلوكيَّات تتواءم مع مصالح مُنظِّميها، وتخلق قابليَّةً جاهزة للانسياق وراءَ مَن ينظِّمها، فيصبح المستعمَرُ(بفتح الميم) يتبنّى خطاب المستعمِر(بكسر الميم) وسرديّتَه، وتنشأ لديه حالة "استلاب الوعي"، وفقاً لتسمية "فرانز فانون" في روايته "معذّبو الأرض" التي ناقش فيها مخاطر هذه الحالة على مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال.

800-36.jpg

سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. "الوقْفُ" المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها "وقف إطلاق النار" احتفظ لـِ"إسرائيل" بما تُسمِّيه "حقَّ الدفاع عن النفس" و"حرية الحركة".