ولأن العراق هو العراق؛ ذلك النموذج العربي المتفرد في حضارته وثقافته وإنسانه، بدا عبد الحسين شعبان صورةً مصغرة عن وطنه. فهو متفرد، كما بلده، في عطائه الفكري الغزير، حتى جاوز عدد مؤلفاته الثمانين، وكأن كل كتاب منها ابن جديد يضاف إلى أسرته الثقافية الكبيرة.
على وقع «هسهسات الضوء»، كان عبد الحسين شعبان يحاور الكلمة، فتلد كتابًا جديدًا. يا لهذا الخصب الفكري في زمن يندر فيه الإنتاج، ويكثر فيه العقم الثقافي. رجل بلغ الثمانين، وما زال ينجب معرفة، وكأن العمر عنده يقاس بما يكتب، لا بما يمضي من سنوات.
لقد قسّم عبد الحسين شعبان يومه بين عالمين: الليل للإنجاب، والنهار لاستقبال المهنئين بالمولود الجديد. ففي الليل، حيث تهمس الأضواء للأحلام، تتشكل الأفكار وتنضج، لتولد كتبًا تحمل شيئًا من روحه. وفي النهار، يتأمل مولوده الجديد، لا يفرق بين كتاب وآخر، فكلها أبناء للفكر، وكلها ثمرة عمر أمضاه في البحث والكتابة.
ولأنه من أوائل المدافعين عن حقوق الإنسان والمرأة في الوطن العربي، كان يرى في الأنثى امتدادًا للعائلة لا انتقاصًا منها، ويردد أن البنت تأتي بالصهر، فتتسع بها العشيرة، مستحضرًا المعنى الإنساني العميق في قول الرسول الكريم ﷺ: «تناكحوا، تزاوجوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة».
وبعقل لا تحده حدود، ولا تعوقه سدود، ولا تكبله قيود، ظل يحلق في آفاق الفكر والثقافة والسياسة وحقوق الإنسان، محاولًا أن يرى الأشياء من علٍ، حيث تتسع الرؤية، من دون أن يغفل تفاصيل الواقع في الأسفل. ومن هذا التفاعل بين «الفوق» و«التحت»، وبين «القرب» و«البعد»، تتشكل لديه صورة أكثر اكتمالًا للمجتمع، أشبه بلوحة فنية تقترب منها لتدرك تفاصيلها، ثم تبتعد عنها لتكتشف جمالها الكلي.
ولعل هاتين الثنائيتين، «الفوق والتحت» و«القرب والبعد»، تشكلان مدخلًا لفهم المجتمع في حركته التاريخية، من ابن خلدون إلى كارل ماركس، مرورًا بكبار المفكرين الذين حاولوا قراءة الإنسان في علاقته بالسلطة والتاريخ والتحولات الاجتماعية.
في «هسهسات الضوء”- في أنطولوجيا الثقافة العراقية، يأخذنا عبد الحسين شعبان بيدٍ حانية في رحلة عبر الذاكرة العراقية؛ هنا جلس محمد مهدي الجواهري، وهنا بكى بدر شاكر السياب، وهنا أنشدت نازك الملائكة قصائدها، وهنا تألم أحمد الصافي النجفي، وهنا كتب مظفر النواب صرخته المدوية في وجه المنافي، وهناك يطل بلند الحيدري، حاملاً صليبه في منفاه، فيما يمر طيف نظمي، الحالم الذي دفع ثمن نزاهته.
إنها ليست مجرد سيرة لأسماء ثقافية، بل خريطة لوجع العراق وجماله، لذاكرته وانكساراته، ولعلاقة المثقف بوطنه، حين يصبح السجن أكثر حضورًا من الحرية، والمنفى أكثر اتساعًا من الوطن.
يا عراق… يا جرحًا لا يندمل، ويا بلسمًا لا يغيب، متى أزورك، فيأخذني المتنبي إلى شارعه، ويقودني أبو نواس إلى حانته، لأرى بغداد كما كانت في الذاكرة، لا كما أرادتها الحروب؟
يا عراق، يا نسغ الحضارة في شجرة التاريخ، يا وطنًا أثخنته الجراح، فأصابها ميكروب الطائفية حتى تورمت، وما زال ينتظر من يداويها. ورغم كل ما أصابك، سيبقى الأمل بالترياق قائمًا، وستبقى، كما كنت دائمًا، أكبر من جراحك، وأعمق من محنك.
