وميض “البايجرز” قبل سنتين: عندما يصنع التوقيت معادلة جديدة!

تأتي الذكرى الثانية لتفجير أجهزة الـ"باجرز" والاتصال اللاسلكي في لبنان لتستحضر واحدة من أكثر اللحظات قسوة وذهولاً في تاريخ المقاومة اللبنانية؛ يومٌ تحولت فيه وسائل الاتصال اليومية إلى أدوات للموت والدمار، مخلفةً وراءها آلاف الجرحى ومئات الشهداء، وجراحاً عميقة لم تلتئم بعد. لم يكن التفجير خرقاً أمنياً وتكنولوجياً غير مسبوق فحسب، بل كان لحظة فارقة أعادت تعريف مفاهيم الأمان في عصر التكنولوجيا المتقدمة.

في 26 أيلول/سبتمبر 1983، وفي أوج الحرب الباردة، تلقت شاشات الإنذار المبكر في مركز عسكري سوفيتي إشارة تفيد بأن الولايات المتحدة أطلقت خمسة صواريخ نووية. ووفقاً للبروتوكول، كان ينبغي إبلاغ القيادة العليا فوراً، ما قد يقود إلى مواجهة نووية؛ لكن الضابط المكلف، ستانيسلاف بيتروف، لم يتعامل مع الإنذار كحقيقة نهائية. انتظر دقائق معدودة، وافترض أن الإشارة قد تكون خطأً تقنياً، وهو ما تبين لاحقاً أنه صحيح.

هنا تكمن مفارقة التوقيت: في بعض اللحظات يكون القرار الصحيح هو التحرك فوراً، وفي لحظات أخرى تكون القوة في الامتناع عن الحركة.

الوقت هو المادة الخام للحياة، أما التوقيت فهو فن استخدام هذه المادة في اللحظة المناسبة. ولا يرتبط النجاح في السياسة والحرب، بحجم القوة المتاحة، بل باللحظة التي تُستخدم فيها هذه القوة وكيفية تسييلها.

وكما عبّر وليام شكسبير في «يوليوس قيصر»: “هناك مدّ في شؤون البشر، إذا ما رُكبت موجته في الوقت المناسب قادت إلى النجاح، وإن فُوّتت، جرت رحلة الحياة في الضحالة والشقاء”.

من الانتظار إلى صناعة الصدمة

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى المواجهة بين إسرائيل وحزب الله على الجبهة اللبنانية عام 2024 بوصفها تطبيقاً عملياً لفن استخدام الزمن والتوقيت كأدوات قتال في ساحة المعركة.

بدأت “حرب إسناد” غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل أن تدخل في أيلول/سبتمبر 2024 مرحلة اتسمت بتسارع الأحداث وتخللها انتقال إسرائيل من الاستنزاف إلى سلسلة عمليات متلاحقة استهدفت منظومات الاتصالات والقيادة والبنية العسكرية للحزب، وفق الخط الزمني الآتي:

  • 17 أيلول/سبتمبر 2024: انفجار آلاف أجهزة النداء المستخدمة في شبكات الحزب (ضرب منظومة الاتصالات).
  • 18 أيلول/سبتمبر: موجة ثانية من انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكية (ضربة ثانية لشل الاتصالات).
  • 20 أيلول/سبتمبر: غارة على اجتماع لقيادة “قوة الرضوان” في الضاحية الجنوبية. (ضرب منظومة القيادة والسيطرة العملياتية).
  • 23 أيلول/سبتمبر: بدء عملية «سهام الشمال» بغارات واسعة على الجنوب والبقاع ومناطق أخرى (ضرب المنظومة الصاروخية).
  • 27 أيلول/سبتمبر: استهداف مقر القيادة المركزية للحزب واستشهاد الأمين العام السيد حسن نصرالله وقائد الجبهة الجنوبية علي كركي (ضرب رأس الهرم القيادي الجهادي في الحزب).
  • 1 تشرين الأول/أكتوبر: إعلان إسرائيل بدء العملية البرية في جنوب لبنان.
  • 3 تشرين الأول/أكتوبر: غارات استهدفت الأمين العام الجديد السيد هاشم صفي الدين وقائد الاستخبارات العسكرية وقيادات أخرى، ما أدى إلى استشهادهم (ضرب البديل في رأس القيادة).
  • 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024: دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.

عند قراءة هذه الأحداث المتتابعة، يظهر أن الفاصل الزمني أصبح جزءاً من الضربة نفسها؛ فالهدف لم يكن إنزال خسائر فقط، بل تقليص الزمن المتاح للحزب لاستيعاب ما حدث، ثم الترميم واستعادة المبادرة. وقد استطاعت إسرائيل تحويل الزمن من إطار تجري فيه الحرب الى سلاح يستخدم داخلها.

الإيقاع العملياتي

في العلوم العسكرية، المبادرة لا تعني الهجوم فقط، بل امتلاك السيطرة النفسية والعملياتية على مجريات الصراع. ومن يفرض الإيقاع يحدد متى تبدأ الأزمة، وكم من الوقت يمتلك الطرف الآخر لمعالجتها، ومتى ينتقل القتال من مستوى إلى آخر.

ويمكن فهم ذلك من خلال دورة (الرصد، التوجيه، القرار، الفعل). فالتفوق لا يتحقق بمجرد امتلاك معلومات أو قوة نارية أكبر، بل بالقدرة على إكمال هذه الدورة بسرعة تفوق قدرة الخصم على فعل الشيء نفسه. وعندما تتلاحق الضربات بوتيرة أسرع من قدرة الطرف المقابل على الرصد والفهم واتخاذ القرار، يصبح الزمن نفسه أداة لتعطيل دورة قراره.

وبهذه القراءة، لم تكن سلسلة الضربات في أيلول/سبتمبر 2024 قائمة على مبدأ «ضربة قوية» فقط، بل على مبدأ أكثر تعقيداً: ضربة تليها أخرى قبل استيعاب الأولى، بما يقلّص قدرة الخصم على استعادة التوازن وتنظيم دورة قراره. وقديماً كانت الغلبة في الحروب التقليدية للجيوش الأكبر عدداً وعتاداً، أما حديثاً فأصبحت المعلومة وسرعة الوصول إليها والاتصال عناصر حاسمة في تحديد المنتصر، ما نقل المعارك من «حرب الاستنزاف والعتاد» إلى «الحرب القائمة على الشبكات والمعلومات» (Network-Centric Warfare).

هل نجح حزب الله في التأقلم مع الواقع الجديد؟

مع احتدام المعارك البرية في جنوب لبنان في آذار/مارس 2026، برز استخدام حزب الله للمسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية بوصفه تطوراً نوعياً في أساليب القتال. فقد أتاحت هذه التقنية استهداف آليات وجنود الجيش الإسرائيلي من مسافات تمتد لعدة كيلومترات، مع تقليص مستوى انكشاف العناصر المنفّذة للعمليات، ما منح الحزب قدرة أكبر على المناورة في مواجهة التفوق الإسرائيلي الجوي والتكنولوجي.

ويمكن النظر إلى إدخال هذا النوع من السلاح باعتباره أحد مظاهر التأقلم مع الواقع الميداني الجديد الذي فرضته إسرائيل في معارك الجنوب، ولا سيما في ظل كثافة الاستطلاع والمراقبة الجوية وصعوبة استخدام بعض الوسائل التقليدية بالفاعلية السابقة.

إقرأ على موقع 180  لن يرحل ترامب في هدوء

ويشير الاعتماد على هذه التقنيات أيضاً إلى استمرار قدرة الحزب على تطوير حلول منخفضة التكلفة ومرتفعة الأثر، ومحاولة إيجاد بدائل تكتيكية تقلّص الفجوة الناجمة عن التفوق التكنولوجي والجوي الإسرائيلي. لكن نجاح التأقلم لا يُقاس بإدخال سلاح أو تقنية جديدة فحسب. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة المنظومة العسكرية ككل على الحفاظ على فعاليتها واستمراريتها تحت ضغط الاستطلاع والقصف والاستنزاف، وفي قدرتها على إعادة بناء دورة القرار والقيادة بالسرعة التي يفرضها الإيقاع الجديد للمعركة.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن حزب الله أظهر قدرة جلية على التأقلم التكتيكي، لكن السؤال الأكبر يبقى ما إذا كان هذا التأقلم قادراً على التحول إلى قدرة استراتيجية مستدامة.

ولكن التوقيت لا يعمل وحده

مع ذلك، يُخطئ من يفسر ما حدث بالتوقيت وحده. فاختيار اللحظة المناسبة يحتاج إلى معلومات دقيقة واستعداد طويل الأمد؛ إذ لا يمكن تنفيذ سلسلة عمليات متلاحقة بهذا الشكل من دون قدرة استخبارية عملت سنوات على بناء بنك أهداف، ومعرفة دقيقة بهياكل القيادة والاتصالات، وقدرة جوية وعسكرية جاهزة للاستفادة من هذه المعلومات في اللحظة المطلوبة.

لذا فإن نجاح التوقيت ليس حدثاً منفصلاً يبدأ عند إطلاق الصاروخ أو تنفيذ العملية؛ بل قد يكون الخبر الذي تشاهده على الشاشة آخر مرحلة في عملية تحضير امتدت أشهراً أو سنوات.

النجاح التكتيكي ليس بالضرورة نصراً استراتيجياً

لكن ثمّة جانب آخر لا بد من أخذه في الحسبان. فرغم قوة الضربات التي تلقاها حزب الله في أيلول/سبتمبر 2024، لم تُشلَّ قدرته على إطلاق الصواريخ، واستؤنفت عملياته عبر الحدود حتى بعد ضربة أجهزة النداء (البايجرز واللاسلكي)، كما استمر القتال بعد استشهاد عدد من قادته الميدانيين الكبار. ويُعدّ استمرار قدرته على العمل برغم تلك الضربات مؤشراً إلى قدرته على امتصاصها والتعامل معها.

وهذا يستدعي التفريق بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. فقد تكون العملية ناجحة تكتيكياً لأنها تحقق المفاجأة، أو تصيب هدفاً مهماً، أو تربك منظومة القيادة والسيطرة؛ لكن النجاح الاستراتيجي يقاس بسؤال أكبر: هل أدى كل ذلك إلى تحقيق الهدف السياسي والعسكري النهائي للحرب؟

فالحروب لا تُقاس بعدد الأهداف المدمرة أو القادة المستشهدين فقط، بل بالنتيجة التي تستقر عليها الأمور بعد انتهاء العمليات. وهنا يعود عنصر الزمن؛ فالعملية التي تبدو ناجحة بعد أربع وعشرين ساعة قد تبدو مختلفة بعد ستة أشهر، وما يُعتبر إنجازاً عسكرياً في لحظة معينة قد يحتاج إلى مسار سياسي لاحق ليتحول إلى مكسب استراتيجي قابل للاستمرار.

لذا فإن التوقيت لا يهم فقط في بداية الحرب وأثناءها، بل أيضاً في معرفة متى تتوقف القوة العسكرية ومتى تبدأ السياسة لترجمة نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية. وكما يُنسب إلى تشرشل، فإن كسب الحرب يقتضي القوة والجسارة، أما صناعة السلام فتتطلب الحكمة وبعد النظر.

خاتمة القول

في قصة الضابط السوفيتي كان الانتظار هو القرار الحاسم، أما في المواجهة على الجبهة اللبنانية فكانت سرعة وتيرة الأحداث عنصراً مركزياً في إدارة المعركة. والعبرة ليست في أن تكون سريعاً أو بطيئاً، بل في قدرتك على التقاط «اللحظة المناسبة» لاتخاذ القرار.

الوقت متاح للجميع، لكن «اللحظة» تصنعها أنت. ولا يكفي امتلاك القوة في السياسة أو الحرب، بل تكمن العبرة في حكمة التوقيت التي تحوّل هذه القوة إلى فعل يغيّر المعادلة. فالتفوق لا يعني امتلاك الموارد وحدها، بل القدرة على تحديد اللحظة التي تتحول فيها تلك الموارد إلى أثر استراتيجي.

وكما قال مارك توين: “الفرق بين الكلمة الصحيحة والكلمة الصحيحة في الوقت المناسب هو الفرق بين الوميض وصاعقة البرق”.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إيران على طريقة «إخوة ليلى».. إدارة الأزمة أخطر من الانفجار