يمكن تغيير ميزان القوى، والاستيلاء التدريجي على مجال بحري أو موقع استراتيجي، وإضعاف اقتصاد دولة، واختراق بيئتها المعلوماتية، والتأثير في قرارها السياسي، وإرباك مجتمعها واقتصادها، وفرض وقائع جديدة عليها، من دون أن توجد لحظة واحدة يستطيع المؤرخ أو المحلل السياسي أن يشير إليها قائلًا: هنا بدأت الحرب.
هنا ندخل إلى ما يُعرف بـ: استراتيجية المنطقة الرمادية. فما هو تعريفها؟
تعرّف الأدبيات الاستراتيجية المنطقة الرمادية، بصورة عامة، بأنها المجال الواقع بين الممارسة السياسية الاعتيادية والصراع العسكري المباشر؛ أي المجال الذي يستخدم فيه الفاعل الاستراتيجي أدوات عسكرية وغير عسكرية لتحقيق مكاسب، مع تعمد البقاء دون العتبة التي تستدعي حربًا مفتوحة. وتدخل ضمن أدواتها العمليات المعلوماتية، والإكراه الاقتصادي، والعمليات السيبرانية، واستخدام الوكلاء والقوات شبه العسكرية، وغيرها. وهذا قريب من التعريفات المتداولة للمنطقة الرمادية باعتبارها منافسة تسعى إلى تغيير ميزان القوى مع تجنب تجاوز عتبة الحرب التقليدية.
لكننا نريد الذهاب أبعد من ذلك. فالمنطقة الرمادية ليست مجرد مكان بين الحرب والسلام؛ لأن هذا التعريف يبقي الحرب والسلام أصلين ثابتين، ويجعل الرمادي مجرد مساحة فاصلة بينهما. أما ما نريد الوصول إليه فهو احتمال أن تصبح المنطقة الرمادية نفسها حالةً أكثر استدامة، بل سمة بنيوية في النظام العالمي الجاري تشكله.
لذلك نقترح قلب المسألة:
المنطقة الرمادية ليست المسافة بين الحرب والسلام؛ إنها استراتيجية لجعل هذه المسافة نفسها ميدانًا للصراع.
فالفاعل الاستراتيجي لا يريد بالضرورة الانتقال من السلام إلى الحرب، وإنما يريد العمل داخل اللايقين الذي يفصل بينهما.
وهنا يمكن الاستعانة، على سبيل التشبيه المفاهيمي، ببعض أدوات المنطق غير الثنائي. فالمنطق متعدد القيم (Many-valued Logic) لا يحصر القيم في الصدق والكذب وحدهما، والمنطق الضبابي (Fuzzy Logic)، وهو إحدى عائلات المنطق متعدد القيم، يسمح بدرجات للصدق أو العضوية بين صفر وواحد. أما «المتصل» (Continuum)، فهو التعبير الرياضي الأنسب عندما نقصد وجود عدد غير متناهٍ من القيم بين صفر وواحد.
وتذهب النيوتروسوفيا (Neutrosophy) إلى نموذج يدخل فيه اللاتعيّن نفسه بوصفه مكوّنًا مستقلًا، بحيث يجري التمثيل، في بعض صيغها، بثلاثة مكونات:
T = Truth: الحقيقة/الصدق
I = Indeterminacy: اللاتعيّن/عدم التحديد
F = Falsity: الزيف/الكذب.
وبهذا المعنى الاستعاري، لا نكون أمام حالة يجب إجبارها على أن تكون حربًا أو سلامًا، ولا حتى أمام درجة واحدة بينهما، بل أمام مستويات من الحرب واللاحرب واللاتعيّن تتداخل في الوقت نفسه.
وهذا هو المعنى الذي نريده للمنطقة الرمادية.
قد تتبادل دولتان السفراء، ويبلغ التبادل التجاري بينهما مليارات الدولارات، فيما تخوضان في الوقت نفسه صراعًا استخباراتيًا وسيبرانيًا حادًا. الرمادي هنا ليس لونًا عابرًا بين الأبيض والأسود؛ بل يصبح لونًا قائمًا بذاته.
ومن هنا يمكن أن نصوغ تعريفًا أقرب إلى ما نقصده:
استراتيجية المنطقة الرمادية هي هندسة أفعال تراكمية محدودة، موزعة وقابلة للإنكار أو الالتباس، تحقق في مجموعها أثرًا استراتيجيًا كبيرًا، فيما يبقى كل فعل منفرد دون عتبة الرد الاستراتيجي الكبير.
وهذا يتقاطع من جهة مع فكرة الفاعل بلا كتلة، ومن جهة أخرى مع الفاعل غير المتعيّن.
ليست قوة الفعل الواحد هي الأساس، بل العلاقة بين الأفعال وتراكمها:
فعل محدود + فعل محدود + تراكم العلاقات بينها = أثر استراتيجي قد يكون أكبر بكثير من كل فعل منفرد.
استراتيجية العتبة
إذا كان للمنطقة الرمادية مركز ثقل، فهو مفهوم العتبة (Threshold). فلكل دولة مستوى ما، إذا تم تجاوزه، يصبح في إمكانها أن تقول: ما يحدث أصبح حربًا ويستوجب ردًا مختلفًا.
لكن ماذا لو بقي الخصم دون تلك العتبة باستمرار؟
سفينة صيد تسبب احتكاكًا ليست حربًا. هجوم سيبراني محدود ليس بالضرورة حربًا. تجسس مدروس ليس حربًا. حملة معلوماتية ليست حربًا. عقوبة تجارية ليست حربًا. تمويل جهة سياسية أو مسلحة لا يُصنّف، في ذاته، حربًا. طائرة مسيّرة مجهولة المصدر قد تخلق معضلة إسناد. وقوة وكيلة لا تُعامل دائمًا بالطريقة نفسها التي يُعامل بها جيش الدولة الراعية.
لكن عندما تعمل هذه الأدوات معًا، يمكن أن تنتج أثرًا يقترب من أثر عملية استراتيجية كبرى.
ومن هنا تظهر المفارقة:
قد يكون المجموع أقرب إلى الحرب، فيما لا يكون أي جزء منفرد منه حربًا؛ فالكل لا يُختزل إلى مجموع أجزائه.
وهذه إحدى أهم الخصائص الإدراكية للمنطقة الرمادية: فهي تجعل الطرف المستهدف عاجزًا ليس فقط عن الرد، بل أحيانًا عن تسمية ما يحدث له، فيضطر إلى التعامل مع الوقائع بالمفرّق بدل التعامل معها بوصفها نمطًا كليًا.
تسليح اللايقين
هنا تتصل المنطقة الرمادية بمفهوم يمكن تسميته تسليح اللايقين (n of Uncertainty)Weaponizatio).
في الحرب التقليدية نعرف، في الغالب، من هاجم، وبأي سلاح، ومن أين؛ وربما نستطيع استنتاج ما يريد.
أما في المنطقة الرمادية فتتكاثر الأسئلة: هل الدولة المعنية هي التي نفذت الفعل؟ هل الهجوم السيبراني حكومي أم فردي أم صادر عن جماعة مستقلة؟ هل السفينة مدنية فعلًا؟ ما مقدار استقلال الميليشيا عن الدولة الراعية؟ هل الضغط الاقتصادي سياسي أم تجاري؟ هل الحملة الإعلامية عفوية أم منظمة؟ هل الحادث مقصود أم نتيجة خطأ؟
إن اضطرار الطرف الآخر إلى قضاء الوقت والجهد في الإجابة عن هذه الأسئلة قد يصبح جزءًا من أثر العملية نفسها؛ لأن اللايقين يستهلك قدرته على التصنيف ويؤخر قراره.
وهكذا لا يعود اللايقين نتيجة نقص المعلومات فقط، بل قد يصبح أداة استراتيجية مقصودة.
فالفاعل لا يخفي نفسه دائمًا بالكامل، ولا يكشف نفسه بالكامل. إنه يريد أن يكون:
مرئيًا بما يكفي لإيصال الرسالة، وملتبسًا بما يكفي لتعقيد الرد.
فالإنكار الكامل قد يحرم بعض الأفعال من قيمتها الإشارية أو الردعية، فيما قد يستدعي الوضوح الكامل ردًا مباشرًا. ولذلك يحتاج بعض فاعلي المنطقة الرمادية إلى درجة محسوبة من الالتباس.
المثال الصيني: كيف تستولي على الواقع من دون لحظة استيلاء؟
يعد ما حدث في بحر الصين الجنوبي من أبرز المختبرات لفهم هذه الاستراتيجية.
فبدل الاعتماد حصريًا على البحرية النظامية، استخدمت الصين مزيجًا من خفر السواحل، والسفن المدنية وسفن الصيد، والميليشيا البحرية، وبناء المنشآت، والحضور المتكرر في المناطق المتنازع عليها.
وهنا يصبح السؤال، بعد اكتمال الأمر الواقع:
متى وقع الاستيلاء؟
ليس ثمة بالضرورة يوم واحد يصلح جوابًا.
هناك سفينة، ثم عدة سفن، ثم دوريات متكررة، ثم خفر سواحل، ثم منشأة، ثم مراقبة وإدارة فعلية، ثم خرائط وخطاب قانوني، حتى يتحول الوجود المتكرر إلى اعتياد.
في 8 نيسان/أبريل 2012 رصدت الفلبين سفن صيد صينية في منطقة سكاربورو شول المتنازع عليها، على مسافة نحو 120 ميلًا بحريًا غرب جزيرة لوزون. ووصلت السفينة الفلبينية BRP Gregorio del Pilar في 10 نيسان/أبريل، وصعد بحارة فلبينيون إلى سفن الصيد لتفتيشها والاستعداد لاعتقال الصيادين.
ثم وصلت سفينتان صينيتان غير مسلحتين للمراقبة البحرية وتمركزتا عند مدخل البحيرة، ما حال عمليًا دون الاعتقالات. وبعد ذلك استبدلت الفلبين سفينتها البحرية بسفينة لخفر السواحل في محاولة لخفض التصعيد.
لكن الوجود الصيني أخذ يتكثف تدريجيًا. وبحلول 21 أيار/مايو كان في المنطقة خمس سفن حكومية صينية وأكثر من اثنتي عشرة سفينة صيد في مقابل سفينتين فلبينيتين. وفي 15 حزيران/يونيو سحبت الفلبين سفينتيها، رسميًا في سياق سوء الأحوال الجوية، وسط روايات متعارضة عن تفاهم على انسحاب متبادل. ولم تُستعد الإدارة الفلبينية السابقة للمنطقة، وتحولت السيطرة الفعلية إلى الصين.
تكمن الأهمية الاستراتيجية في أن بكين لو أرسلت أسطولًا حربيًا، وأنزلت قوات ورفعت العلم وأعلنت الاستيلاء على سكاربورو، لتحول الحدث إلى فعل عسكري واضح بفاعل وتاريخ محددين، ولكان تصنيف الرد أسهل سياسيًا وعسكريًا.
لكن ما حدث اتخذ مسارًا مختلفًا:
صيادون، سفن مراقبة، خفر سواحل، مزيد من السفن، مفاوضات، انسحاب فلبيني، بقاء صيني، ثم دوريات وسيطرة فعلية.
إنه ما يمكن تسميته:
تراكم الأمر الواقع (Cumulative Fait Accompli).
فبدل صناعة أمر واقع كبير يستدعي ردًا موازيًا، تُصنع سلسلة من الوقائع الصغيرة التي قد لا يبرر أي منها منفردًا خوض حرب. وعندما تُجمع بعد سنوات يتبين أن الجغرافيا الاستراتيجية نفسها قد تغيرت.
ويندرج في السياق نفسه ما سُمّي «استراتيجية الملفوف»: طبقات من سفن الصيد والميليشيا البحرية، ثم خفر السواحل، فيما تبقى القوة البحرية النظامية في الخلفية. وهو تشبيه استخدم لوصف الطريقة الصينية في إحاطة المنطقة المتنازع عليها بطبقات متعاقبة من الوجود البحري.
وفي حزيران/يونيو 2026 وصفت إدارة خفر السواحل التايوانية تحركات سفن حكومية صينية حول المياه المحيطة بتايوان بأنها تصعيد لأنشطة «المنطقة الرمادية»، واتهمت بكين بمحاولة خلق انطباع بأنها تمارس اختصاصًا قضائيًا في تلك المياه. هذا توصيف تايواني رسمي، فيما تتمسك بكين بموقفها المعروف بشأن السيادة على تايوان.
وقد ظهرت البنية نفسها في أزمة منصة النفط (Haiyang Shiyou 981) عام 2014، عندما وضعتها الصين قرب جزر باراسيل في مياه متنازع عليها تطالب بها فيتنام، ورافقها عدد كبير من سفن خفر السواحل والسفن الحكومية وأصول عسكرية، ووقعت عمليات احتكاك وصدم بين سفن الطرفين من دون تحول الأزمة إلى حرب مفتوحة.
البنية واحدة: عنصر مدني أو شبه مدني يتحول إلى مركز لفعل استراتيجي، تحيط به قوات إنفاذ قانون أو شبه مدنية، فيما تبقى القوة العسكرية النظامية في الخلفية.
في المنطقة الرمادية لا يحتل الفاعل المكان أولًا ثم يفرض الاعتياد؛ بل يكرر الحضور حتى يصبح الحضور اعتيادًا، ثم يتحول الاعتياد إلى إدارة، والإدارة إلى سيطرة فعلية.
عندها يكتشف الطرف الآخر أن استعادة الوضع السابق تتطلب تصعيدًا أكبر بكثير من التصعيد الذي كان يكفي لمنع تشكله في البداية.
وهنا تكمن المفارقة: تكلفة صناعة الأمر الواقع تكون صغيرة وموزعة، أما تكلفة إزالته بعد اكتماله فقد تصبح كبيرة ومركزة.
إنه: فخ الأمر الواقع التراكمي.
من «الأمر الواقع» إلى «الأمر المعتاد»
يمكن الذهاب أبعد من مفهوم الأمر الواقع. فالمرحلة التالية هي تطبيع الأمر الواقع.
الهدف ليس فقط أن أضع سفينتي في المكان الذي تعترض عليه، بل أن أكرر وجودها إلى الحد الذي يصبح فيه غيابها هو الحدث، لا وجودها.
اليوم الأول: استفزاز.
اليوم الثلاثون: أزمة.
السنة الثانية: مشكلة مزمنة.
السنة الخامسة: واقع جيوسياسي.
الزمن هنا أداة للقوة؛ فالمنطقة الرمادية تستثمر في قدرة البشر والمؤسسات على التكيف مع الشذوذ المتكرر.
ويمكن تسمية ذلك:
التآكل الإدراكي للخط الأحمر (Cognitive Erosion of the Red Line).
فالخط الأحمر لا يُكسر بالضرورة بضربة واحدة؛ بل قد يتآكل بكثرة الدوس عليه بخطوات صغيرة.
روسيا والقرم: الفاعل الموجود وغير الموجود
شكّل ظهور القوات التي عُرفت إعلاميًا بـ«الرجال الخضر الصغار» (Little Green Men) في سياق سيطرة روسيا على القرم عام 2014 مثالًا بارزًا على الغموض في الإسناد.
كانت قوات مسلحة محترفة ترتدي زيًا أخضر من دون شارات وطنية واضحة. وسيطرت على مبانٍ ومواقع استراتيجية في سيمفيروبول والقرم، فيما بقي السؤال الأول في اللحظات المبكرة: من هؤلاء؟
لو دخلت قوات تحمل العلم الروسي وأعلنت موسكو منذ اللحظة الأولى أنها قواتها، لكان تصنيف الحدث أكثر وضوحًا. لكن غياب الشارات فتح مجموعة أخرى من الأسئلة: هل هم جنود روس؟ قوات دفاع ذاتي محلية؟ متطوعون؟ من أصدر الأوامر؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية والسياسية؟
وفي 4 آذار/مارس 2014 قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنهم قوات دفاع ذاتي محلية، قبل أن يعلن في 17 نيسان/أبريل أن عسكريين روسًا وقفوا خلف قوات الدفاع الذاتي في القرم.
لم تكن القيمة الاستراتيجية للغموض في أنه ظل دائمًا؛ فقد اتضحت الهوية لاحقًا. كانت القيمة في الزمن الذي اشتراه الالتباس.
كما أن السيطرة على العقد الاستراتيجية ــ البرلمان والمطارات والمرافق الحكومية ومحيط القواعد ــ قللت الحاجة إلى السيطرة المتزامنة على كل الجغرافيا.
وهنا نصل إلى فكرة قوة العقد الشبكية:
ليس من الضروري دائمًا أن تحتل كل الجغرافيا؛ فقد يكفي أن تسيطر على العقد التي تجعل بقية الجغرافيا عاجزة عن العمل بصورة مستقلة.
المطار عقدة. البرلمان عقدة. الاتصالات عقدة. الطرق والمداخل عقد. والقواعد العسكرية عقد.
وهنا نلتقي مجددًا مع مفهوم:
الفاعل بلا كتلة.
فالفاعل موجود في الأثر، لكنه ضبابي في الهوية.
وتصبح القوة قادرة على ممارسة فعلها من دون أن تمنح الطرف المستهدف، في اللحظة ذاتها، فاعلًا واضحًا يستطيع توجيه الرد إليه.
إنها عملية فصل، ولو مؤقت، بين الفعل ونسبته إلى فاعله.
الوكلاء: فصل القوة عن المسؤولية
تظهر الصيغة نفسها في استخدام الوكلاء؛ إذ تستطيع دولة أن توفر التمويل أو التكنولوجيا أو التدريب أو المعلومات أو الغطاء السياسي، فيما يقوم فاعل آخر بالفعل الميداني.
والأهم هنا ليس اسم الوكيل، بل المبدأ:
المنطقة الرمادية تستطيع تعقيد عملية إسناد المسؤولية.
في النموذج التقليدي تكون العلاقة أوضح بين مالك القوة ومستخدمها والمسؤول عنها. أما في البيئة الشبكية فقد يمتلك طرف المال، وآخر التكنولوجيا، وثالث المعلومات، ورابع التنفيذ، وخامس القدرة الإعلامية أو السياسية على منح الفعل شرعية.
فمن الذي فعل؟
الجميع؟ أم لا أحد بمفرده؟
هنا ندخل مرة أخرى إلى السيادة المفككة والفاعلية الموزعة.
المنطقة الرمادية والعالم الشبكي
لهذا لا ينبغي فهم المنطقة الرمادية بوصفها مجرد تكتيك عسكري، بل بوصفها ظاهرة تتعزز مع انتقال ممارسة القوة من:
الفاعل الكتلي إلى الفاعل الشبكي.
في النموذج الدولتي الكلاسيكي، كانت القوة أكثر قابلية للتعيين: جيش، حدود، قيادة وقرار. أما في الشبكة فتتوزع الوظائف على عقد مختلفة.
ولهذا تستطيع القوة اليوم أن تمر عبر شركة، أو مصرف، أو منصة رقمية، أو جماعة مسلحة، أو ميناء، أو كابل بحري، أو قمر صناعي، أو شركة تأمين، أو خوارزمية، أو مؤثر، أو سفينة مدنية، أو مؤسسة قانونية.
وهكذا لا تعود القوة مضطرة إلى الظهور دائمًا في صورة القوة التقليدية.
وهذه إحدى الخصائص المهمة في عصرنا:
قد تكون أشكال القوة الأكثر تطورًا هي تلك القادرة على إنتاج بعض نتائج القوة، من دون أن تبدو في كل لحظة وكأنها تستخدم القوة.
الاقتصاد منطقة رمادية أيضًا
لنفترض أن دولة تعتمد بدرجة كبيرة على ميناء، أو مورد للطاقة، أو سوق تصدير، أو نظام دفع، أو معدن نادر، أو ممر بحري.
يمكن الضغط عليها عبر تلك العقدة من دون عمل عسكري مباشر، فيما يتأثر قرارها السياسي نتيجة هذا الضغط.
وهنا يتصل الأمر بمفهوم «هندسة الاعتماد» (Dependency Engineering) الذي نعمل عليه.
قد يكون الاعتماد الاقتصادي طبيعيًا في بدايته، لكن عندما يدرك فاعل أن الطرف الآخر لا يستطيع الاستغناء بسهولة عن عقدة معينة، يتحول الاعتماد إلى قابلية للإكراه، ثم إلى قدرة محتملة على استخدام العلاقة نفسها أداةً للضغط.
وهكذا لا تكمن المنطقة الرمادية فقط فيما يفعله الفاعل أثناء الأزمة، بل فيما بناه قبلها من علاقات اعتماد.
وقد تبدأ استراتيجية المنطقة الرمادية قبل سنوات من لحظة استخدامها الفعلية.
الهجوم السيبراني: فعل بلا جبهة
المجال السيبراني مناسب بصورة خاصة للمنطقة الرمادية بسبب مشكلة الإسناد (Attribution)؛ أي تحديد الفاعل بدرجة تسمح ببناء قرار سياسي وقانوني عليه.
يمكن سرقة بيانات، وتعطيل مؤسسات، واختراق بنى تحتية، وتسريب وثائق أو تنفيذ عمليات تأثير، فيما يستغرق تحديد الفاعل وقتًا، وقد يبقى موضع خلاف.
وتظهر هنا نتيجة مفاهيمية مهمة.
في الحرب التقليدية يساعد المكان غالبًا على كشف الفعل والفاعل: الدبابة موجودة هنا، والطائرة جاءت من اتجاه معلوم. أما في البيئة السيبرانية والشبكية فقد يكون:
الأثر حاضرًا، فيما الفاعل غائب مكانيًا أو غير متعيّن عيانيًا.
وهذا أحد أشكال الفاعل بلا كتلة، أو الفاعل الذي يكون:
حاضرًا استراتيجيًا، غائبًا جغرافيًا، أو صعب التعيين المباشر.
لماذا يصعب الرد على المنطقة الرمادية؟
لأنها لا تهاجم القوات المسلحة أو الجغرافيا وحدهما، بل قد تستهدف شيئًا أعمق:
مسار اتخاذ القرار نفسه.
لنفترض أن دولة تعرضت لعشرة أفعال محدودة. في كل مرة يجب أن تسأل: هل يستحق هذا الفعل التصعيد؟ هل لدينا دليل كافٍ على الفاعل؟ هل يسمح القانون بالرد؟ هل الرد متناسب؟ هل سيقود إلى حرب؟ وهل تبرر الواقعة منفردة هذه المخاطرة؟
وفي الوقت الذي تعمل فيه المؤسسات على الإجابة، يكون الفعل التالي قد وقع.
إذن قد لا يكون الهدف الحقيقي تعطيل القوة العسكرية التي يمتلكها الخصم، بل:
تعطيل قراره.
وهنا يمكن صياغة مفهوم:
شلل العتبة في اتخاذ القرار (Threshold Paralysis).
وهو الوضع الذي يدرك فيه الطرف المستهدف أن خصمه يغير الواقع، لكنه لا يجد فعلًا منفردًا كبيرًا بما يكفي لتبرير الانتقال إلى مستوى أعلى من الرد.
بهذا المعنى، تفتت الأجزاء الصغيرة قدرة الطرف المستهدف على اتخاذ رد كلي على النمط المتراكم.
(*) راجع مقالات الكاتب ضمن هذه السلسلة على موقع 180 بوست
(**) فصل من كتاب قيد الإعداد: «كيف تغيّرت السياسة»؟
(يُتبع)
