ترامب وإيران في سباق مع الوقت.. ونتنياهو

في كتابه "قوة التفاوض" (دار هاشم)، أورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الجولة السادسة من المفاوضات النووية مع أميركا، التي كانت مقررة في مسقط في 15 حزيران/يونيو الماضي، كان يفترض أن تُحقّق اختراقاً على صعيد التوصل إلى اتفاق-إطار. ومن ثم جاءت الحرب الإسرائيلية طوال 12 يوماً لتنسف كل شيء.

هذه المرة، وبعد الجولة الأولى من المفاوضات بين عراقجي والمبعوثين الأميركيين الخاصين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في مسقط، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض، ليقنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم جدوى التفاوض مع النظام الإيراني، وليؤكد على خطوطه الحمراء، التي يعلم سلفاً أن إيران لن تقبل بها، مما يدفع بها إلى الانسحاب من المفاوضات. وينتفي بعد ذلك أي سبب لتأخير قرار الحرب.

غير أن زيارة نتنياهو، استدعت تساؤلاً مشروعاً حول الدوافع التي فرضت على هذه الزيارة صفة العجلة. وعلى سبيل المثال، هل شعرت إسرائيل بأن ترامب يوشك أن يبدي مرونة في المفاوضات، بحيث لا يأخذ في الاعتبار الشروط الإسرائيلية الثلاثة، تصفير تخصيب اليورانيوم وإخراج المخصب منه إلى دولة ثالثة؛ تفكيك البرنامج الصاروخي ووقف دعم الحلفاء الإقليميين؟ شروط، من شأنها أن تشكل استكمالاً لحرب حزيران/يونيو 2025 والوصول إلى اسقاط النظام، الغاية الفعلية لنتنياهو.

ترامب، واقع بين الخطوط الحمراء الإسرائيلية وتلك الإيرانية أيضاً، كون طهران تؤكد يومياً رفضها المطلق بأن تتجاوز المفاوضات البعد النووي، لتتناول قدراتها الصاروخية، التي تمسك بها كورقة من أوراق الردع المتبقية لها، بعد التدمير الذي لحق ببرنامجها النووي، عبر الضربات الأميركية على فوردو ونطنز وأصفهان في 22 حزيران/يونيو الماضي.

وبحسب المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون راشيل براندنبورغ، فإن ترامب “يريد الفوز، لكن ليس من الواضح بعد ما إذا كان هذا الفوز يجب أن يكون مرتبطاً ببرنامج إيران النووي، أو ببرنامجها للصواريخ الباليستية، أو كليهما، أو بتغيير النظام.. إذا تمكن فريقه من التوصل إلى اتفاق يمكن أن يُصوّره على أنه وقف لبرنامج إيران النووي، مثلاً، فقد يكون ذلك كافياً بالنسبة له لادعاء النصر والانسحاب”.

عند هذا النقاش، يجدر التذكير بأن نائب الرئيس الأميركي جي.دي. فانس، الكاره للتدخلات العسكرية في الخارج، صرح عقب زيارة لأذربيجان المجاورة لإيران في وقت سابق من هذا الأسبوع، أن تغيير النظام مسألة “متروكة للشعب الإيراني، إذا قرّر ذلك”، أما الولايات المتحدة فتركز الآن على ضمان عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية.

وعلى سبيل المثال، فإن نسبة تخصيب بحدود 3 في المئة مع رقابة دولية صارمة، تجعل إيران بعيدة جداً عن نسبة الـ90 في المئة اللازمة لصنع سلاح نووي. والإيرانيون اليوم، أكثر ميلاً للموافقة على رقابة مشددة على التخصيب، مع التمسك بمبدأ التخصيب نفسه. والأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، لفت الانتباه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة الماضي، بأن “من حق إيران أن يكون لديها قدرات نووية سلمية”.

ويستحضر مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر، مثالاً من خارج الشرق الأوسط، لكي يُدلّل على مكمن القلق الإسرائيلي. ويقول إن ترامب عندما أسقط في ولايته الأولى الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك المعروف اختصاراً بـ”نافتا”، فإن الاتفاق البديل، جاء “إلى حد كبير” متماثلاً مع الاتفاق السابق. فماذا يمنع تكرار الأمر اليوم مع إيران؟ في عام 2018، مزق ترامب الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأسبق  باراك أوباما، وليس مستبعداً أن يتوصل في المفاوضات الحالية إلى اتفاق يتضمن عناصر مشابهة لـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، التي لم تحظَ بموافقة إسرائيل عامذاك.

ولتهدئة روع نتنياهو وتحييد التدخل الإسرائيلي، يواصل ترامب ممارسة كل أشكال الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري على إيران. وها هو يأمر بإبحار حاملة الطائرات “جيرالد فورد” الأكبر من نوعها في العالم، من الكاريبي إلى الشرق الأوسط، لتكون إلى جانب الحاملة “إبراهام لينكولن”، وهناك جسر جوي متواصل لنقل أنظمة صاروخية مضادة للصواريخ، إلى مناورات مشتركة مع إسرائيل على اعتراض الصواريخ الباليستية، من خلال منظومة “مقلاع داود” الإسرائيلية.

وتصدر وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بشكل شبه يومي ضد كيانات إيرانية عاملة في قطاع النفط، ويدرس البيت الأبيض احتمال ملاحقة الناقلات الإيرانية ومصادرتها على غرار ما جرى خلال الحصار على فنزويلا الذي سبق عملية “العزم المطلق”، التي انتهت بخطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة للمحاكمة بتهمة تهريب المخدرات إلى الداخل الأميركي. بيد أن خبراء يحذرون من أن خطوة أميركية كهذه، من الممكن أن تؤدي إلى “حرب ناقلات” مشابهة لتلك التي اندلعت في ثمانينيات القرن الماضي. تقليد النموذج الفنزويلي لن يكون آمناً، وكذلك النموذج الجاري تطبيقه في كوبا، لدفع النظام إلى الانهيار من الداخل، تحت وطأة شل الاقتصاد.

في حالة إيران، يلجأ ترامب من وراء تعزيز الحشود العسكرية، إلى اقناع قادة النظام في إيران بجدية التهديدات الأميركية في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، ولا يني ينصح الإيرانيين “بأن يكونوا أكثر عقلانية ومسؤولية هذه المرة”، في إشارة إلى جولات التفاوض التي جرت في نيسان/أبريل وأيار/مايو الماضي. ويرى أنه في الامكان التوصل إلى اتفاق الشهر المقبل، كي لا يجعل سقف التفاوض مفتوحاً، وذلك كنوع من أنواع الضغط المتصاعد.

إقرأ على موقع 180  العسكريون الأتراك.. رحلة العودة إلى الثكنات!

الرغبة في التوصل إلى اتفاق، لا تُلغي احتمال فشل المفاوضات في حال لم يكتفِ ترامب باتفاق نووي مع إيران، وعمد إلى طرح مسألتي تحجيم القوة الصاروخية والنفوذ الإقليمي لطهران على طاولة المفاوضات، بما يرقى إلى نوع من الاستسلام الضمني.

إن بلوغ مثل هذا الاحتدام على طاولة المفاوضات، كفيل بنسف الخيار الديبلوماسي مجدداً. في هذا السياق، يُحذّر الخبير في الشؤون الإيرانية كريم سادجادبور في مقابلة مع مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، من أنه “إذا رأى ترامب أن هذه المفاوضات لن تؤدي إلى أي نتيجة، فإن احتمال قيامه بعمل عسكري أعلى من احتمال التوصل إلى اتفاق. لكن هذا لن يحدث بالضرورة في الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين”.

واقع الأمر، أن ثمة صعوبة في التكهن بالمسار الذي قد يتخذه التفاوض، هل يصل إلى نتيجة إيجابية أم إلى طريق مسدود؟ وعليه، تبقى احتمالات التسوية والحرب متساوية في الوقت الحاضر. والمفاوضون الأميركيون والإيرانيون يعون تماماً أن الوقت عامل حاسم في نزع الألغام التي يزرعها نتنياهو تحت طاولة المفاوضات، وحتماً ثمة استحقاقات أميركية لا يمكن القفز فوقها مثل موعد استضافة الأولمبياد في النصف الأول من حزيران/يونيو المقبل، ومن بعده موعد الانتخابات النصفية في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ما يجعل الأسابيع والأشهر الفاصلة حافلة بالتشويق، سلباً أم إيجاباً.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  من "الدفشرمه" العثماني إلى أطفال غزة.. حضارة القتل والإبادة!