وفي صلب الموقف الإيراني يبرز شرط أساسي لإنضاج هذا المسار، وهو وقف الحرب على جميع الجبهات، ومنها لبنان. هذه النقطة ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التفاهم، لأن بقاء القتال في إحدى الساحات يعني، في الحسابات الإيرانية، أن الحرب لم تنتهِ فعلياً. ومن هنا يأتي الربط بين وقف المواجهة وبين الانتقال إلى ملفات أخرى يفترض أن تكون جزءاً من التسوية.
وللبنان مكانة خاصة في هذه المعادلة. فالجبهة الجنوبية ليست ملفاً منفصلاً عن المشهد الإقليمي، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية مؤجلة إلى مرحلة لاحقة. وإذا كان المطلوب التوصل إلى تفاهم يضع حداً للحرب، فإن مستقبل الجنوب سيكون حكماً جزءاً من الأسئلة التي ستظهر بعد وقف النار: طبيعة الترتيبات الأمنية، دور الدولة اللبنانية، آليات الرقابة، ومستقبل الانتشار الدولي، عودة النازحين والاعمار.
وهنا تظهر حساسية أي حديث عن صيغة لقوات متعددة الجنسيات يمكن أن تحل مكان قوات “اليونيفيل”، خصوصاً إذا اقترنت مهمتها بملف سلاح حزب الله وتحت الفصل السابع. فالمسألة لا تتعلق بتغيير اسم القوة أو شكل انتشارها، وإنما بالصلاحيات التي ستمنح لها وبالجهة التي تحدد مهمتها. وأي صيغة تمس السيادة اللبنانية أو تفرض ترتيبات تتجاوز المؤسسات الدستورية ستحتاج إلى معالجة سياسية داخلية، لا إلى قرار خارجي.
على الضفة الأخرى من المشهد، يحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في الحسابات التفاوضية. فالمقترح الإيراني المؤلف من سبعة بنود يربط إعادة فتح المضيق بخطوات متبادلة، ما يجعل الملاحة جزءاً من التفاهم المنتظر. وهنا تتجاوز أهمية هرمز موقعه الجغرافي، لأنه يرتبط مباشرة بتدفق الطاقة وبأسعار النفط وبحركة التجارة العالمية.
وإذا كان هرمز يمثل البوابة الرئيسية للطاقة، فإن باب المندب يضيف بعداً آخر إلى المعادلة. فالبحر الأحمر يشكل طريقاً حيوياً للتجارة، وأي اضطراب في حركة السفن يرفع كلفة النقل والتأمين ويضغط على الأسواق. ولذلك فإن التطورات في هذين الممرين لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية للحرب، خصوصاً مع دخول أمن الملاحة على خط المواجهة.
وفي هذا السياق تبرز السعودية باعتبارها دولة تقع في قلب هذه الحسابات الجغرافية والاقتصادية. فالتطورات الأمنية التي طالتها، إلى جانب التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، تجعل أمن المملكة مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار الحرب وبمستقبل البحر الأحمر وحركة الطاقة. وكلما طال أمد المواجهة، ازدادت صعوبة إبقاء هذه الملفات منفصلة عن بعضها.
أما واشنطن فتجد نفسها أمام تفاوض متعدد الطبقات. فهي تريد بحث ملفات استراتيجية تشمل البرنامج النووي والأمن الإقليمي، بينما تضع طهران وقف الحرب ورفع القيود المفروضة على حركة الملاحة والطاقة ضمن مقدمات الانتقال إلى تفاهم أوسع. وهنا لا يقتصر الخلاف على مضمون الاتفاق، بل يمتد إلى السؤال عن نقطة البداية: ما الذي يجب أن يتحقق أولاً حتى يصبح التفاوض قابلاً للبناء عليه؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع ارتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب. فأسعار النفط المرتفعة، وحاجة أوروبا إلى تأمين إمدادات الغاز، واضطراب طرق الشحن، كلها تجعل استمرار المواجهة مسألة تتجاوز حدود الحسابات العسكرية. فالدول التي تعتمد على استقرار الأسواق تجد نفسها أمام فواتير إضافية، فيما تتحول الطاقة والملاحة إلى أدوات ضغط تؤثر في القرار السياسي.
ومن هذه الزاوية، يصبح هرمز أكثر من ورقة إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة. إنه جزء من معادلة اقتصادية واسعة، يمكن أن تتأثر بها دول منتجة ومستهلكة في آن واحد. كما أن أي تفاهم بشأن المضيق لن تكون آثاره محصورة في حركة السفن، بل ستطال أسعار الطاقة وحركة التجارة وتوقعات الأسواق.
لكن الاختبار الأصعب يبقى في كيفية الانتقال من وقف النار إلى ترتيبات ما بعد الحرب. فالتجارب السابقة أظهرت أن الهدوء العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع. وفي الحالة اللبنانية تحديداً، ستكون الأسئلة المتعلقة بالحدود والسيادة والسلاح وإعادة الإعمار وإدارة الجنوب حاضرة بقوة، ما يجعل المرحلة التالية بحاجة إلى تفاهمات واضحة وليس مجرد هدنة مؤقتة.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على شمول وقف الحرب مختلف الساحات. فالمسألة بالنسبة إلى طهران لا تبدو مرتبطة فقط بوقف الضربات على الأراضي الإيرانية، بل بمنع بقاء جبهة مفتوحة يمكن أن تعيد إنتاج المواجهة بعد أيام أو أسابيع. وهذا الشرط، إذا بقي ثابتاً في المفاوضات، سيضع أي ترتيبات للجنوب اللبناني ضمن الإطار الأوسع للتفاهم الإقليمي.
لذا، لن يتوقف إنضاج التسوية على اتفاق يشمل هرمز وحده، ولا على ملف نووي منفرد، ولا على ترتيب أمني في الجنوب اللبناني. المسألة أكبر من ذلك، لأنها تتعلق بكيفية جمع هذه الملفات في إطار واحد يسمح بوقف الحرب ومعالجة تداعياتها.
في الخلاصة، إذا بقيت جبهة مفتوحة، أو بقي ملف أساسي خارج التسوية، فإن العودة إلى التصعيد ستظل ممكنة. أما إذا نجحت المفاوضات في بناء تفاهم يتعامل مع الجبهات والممرات البحرية والطاقة والملفات السياسية باعتبارها أجزاء من صورة واحدة، فقد يصبح الانتقال من الحرب إلى التسوية أكثر واقعية.
فالمسألة في النهاية ليست فقط متى تبدأ المفاوضات، بل على أي أرضية تبدأ، وما الذي يجب أن يتحقق كي تنضج التسوية وتصبح قابلة للحياة؟
