ما نعيشه في جنوب لبنان اليوم ليس مجرد سلسلة من أعمال الهدم والتفجير؛ إنه أيضاً سجل متكرر لمحاولات إعادة بناء الحياة من الركام. ومن هنا يُطرح السؤال: كيف يمكن أن تتحول الصدمة، لدى بعض الناس والمجتمعات، إلى وعي أعمق وإرادة أقوى على العودة؟
وكما في كل حرب، لا بدّ من وجود ناجين من هول المعارك والصدمة المصاحبة لها. وبعض هؤلاء لا يتعافون من الصدمة فحسب، بل ينتقلون إلى مستوى أعلى من الوعي وإدراك أعمق للأولويات. وقد خاض الجنوبيون تجارب متكررة في التغلب على الصدمات طوال حياتهم، ونقلوا جانباً من هذه الخبرة إلى الأجيال اللاحقة. ويمكن قراءة بعض هذه التجارب في ضوء مفهوم «النمو ما بعد الصدمة»، الذي عرّفه عالما النفس ريتشارد تيديشي ولورنس كالهون.
تعريف النظرية وكيفية عملها
في تسعينيات القرن العشرين، فسّر عالما النفس هذا المفهوم بالقول إن الأزمات والحروب والتجارب القاسية لا يقتصر أثرها على الهدم النفسي للأشخاص الذين يمرّون بها، بل قد تتحول، لدى بعضهم، إلى نقطة تحوّل وتطوّر إيجابي عميق.
غير أن الصدمة وحدها لا تصنع القوة، ولا ينبغي أبداً أن نقرأ المعاناة بوصفها شرطاً ضرورياً للنضج. فالنمو ما بعد الصدمة هو تغيّر إيجابي محتمل ينشأ من الصراع النفسي مع أثر الصدمة؛ أي من محاولة الإنسان أن يفهم ما جرى، ويحتمله، ويعيد بناء معناه بمساندة محيطه. وهو بذلك يختلف عن الصمود؛ فالصمود هو القدرة على التكيّف والاستمرار برغم الأزمة، فيما يعني النمو تغيّراً أعمق في نظرتنا إلى أنفسنا وعلاقاتنا ومعنى الحياة.
ولكن السؤال هنا: كيف تحدث هذه العملية؟
لتوضيح الفكرة، يمكن تخيّل قصة افتراضية قصيرة عن فتى اسمه أحمد، ينتمي إلى عائلة جنوبية ويعيش في الضاحية الجنوبية لبيروت مع أهله وإخوته. بعد أن تناول وجبة السحور نحو الساعة الواحدة بعد منتصف ليل 2 آذار/مارس 2026، خلد إلى النوم على أن يستيقظ للذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي.
عند الساعة الثانية والنصف فجراً، دوّت انفجارات هائلة ناجمة عن غارات على عدة مواقع في الضاحية. استيقظ أحمد مذعوراً على أصوات الانفجارات، فيما كانت أخواته يبكين خوفاً. حاول تهدئتهن ريثما يجد الأهل طريقة للخروج من هذه المحنة. وكان المنزل المستهدف في المبنى نفسه الذي يقطن فيه أحمد وأهله، فتدمر جزء من منزلهم.
شعر أحمد بصدمة كبيرة لم يكن يتوقعها حتى في أسوأ كوابيسه. ففي تلك اللحظة، انهارت تصوراته السابقة عن عالم آمن ومتوقع. وهذه هي المرحلة الأولى: الحدث الصادم وانهيار الافتراضات.
وبعد خروجه من منزله وحيه، وابتعاده عن رفاقه، ونزوحه إلى منطقة جديدة كلياً لم يعتدها من قبل، حاول أحمد فهم ما حدث وتفكيكه مرة تلو أخرى، لعله يصل إلى إجابات عن الأسئلة الكثيرة التي تدور في رأسه. وهذه هي المرحلة التي تُسمّى الاجترار والمعالجة المعرفية. غير أن هذا التفكير المتكرر ليس دائماً طريقاً إلى النمو؛ فقد يتحول، إذا بقي الخوف من دون مساندة، إلى دوامة من القلق والإرهاق المستمرين.
بعد ذلك، حاول أحمد أن يصوغ تجربته من خلال رواية قصة تهجيره وما حدث معه، والتحدث عنها مع رفاقه الجدد. وبنى سردية خاصة به تناسب تجربته. وتُسمّى هذه المرحلة الإفصاح عن الذات والدعم. فالحديث عن الألم، حين يلقى إنصاتاً وتعاطفاً، قد يساعد على تحويل التجربة من كارثة صامتة إلى ذاكرة يمكن فهمها ومواجهتها.
وبعد مشاركة تجربته والتعبير عنها، ومن أجل التأقلم مع المحيط الجديد، بدأ أحمد في صياغة مفهوم جديد للعالم من حوله. لم يعد ينظر إلى الأمان بوصفه أمراً بديهياً وحقاً مكتسباً له ولعائلته، بل بات يراه قيمة تُبنى بالصمود والتكيّف مع المراحل الجديدة من الحياة.
ويمثّل انتقاله من سؤال «لماذا حدث هذا معي؟» إلى سؤال «كيف يمكنني الاستمرار برغم ما حدث؟»، إلى جانب استكمال تعليمه وممارسة هوايته في لعب كرة القدم، المرحلة الرابعة من العملية، التي تُسمّى إعادة بناء السردية والمعنى.
بعد ذلك، اكتشف أحمد أنه أصبح يفكر بطريقة مختلفة عما كان عليه سابقاً، إذ انعكست التجربة على جوانب جوهرية عدة في حياته. أصبح أكثر تقديراً للحياة بعدما سمع عن أعداد الشهداء والجرحى الذين يسقطون يومياً، وأدرك أن التفاصيل اليومية التي يعيشها مع عائلته أكثر قيمة وأهمية مما كان يظن. كما اكتشف أن لديه قدرة على التحمّل لم يكن يدرك وجودها. وتغيّرت أولوياته وأهدافه في الحياة، فأصبح أكثر نضجاً وعمقاً في تفكيره وخياراته المستقبلية. ورغم كل ما مرّ به مع عائلته، ازداد تعاطفه مع أقاربه وأصبح يميل إلى تعزيز روابطه الإنسانية بهم.
وهذه التغيرات ليست إلا تجليات محتملة لمجالات النمو التي حددها تيديشي وكالهون: تقدير الحياة، وتقوية العلاقات، واكتشاف قدرات شخصية جديدة، وفتح آفاق مستقبلية جديدة، وإعادة النظر في المعنى والقيم.
من التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
إن تجربة أحمد ليست حالة فردية معزولة، بل نموذج مصغّر لما يعيشه المجتمع الجنوبي والعاملي عبر تاريخه الممتد.
فالمجتمعات التي تتعرّض بصورة متكررة للحرب والتهجير والفقد لا تتعامل مع الصدمة بوصفها حدثاً فردياً فحسب، إذ تتراكم الذاكرة داخل العائلة والمكان. يتعلّم الأبناء من آبائهم كيف أعادوا بناء منازلهم بعد الحرب، ويسمع الأحفاد حكايات أجدادهم عن النزوح والعودة، فتتحول التجارب الفردية، مع الزمن، إلى ذاكرة جماعية يبني عليها المجتمع مستقبله وخياراته.
وهكذا، قد تنتقل خبرات التكيّف وإعادة البناء والتمسّك بالحياة إلى جانب الألم والخسارة. لكن هذه الذاكرة لا تنقل خبرة النجاة وحدها؛ إنها تنقل أيضاً أثر الجروح، والحاجة إلى الرعاية، وحق كل جيل في طلب الدعم من دون أن يُعدّ ذلك ضعفاً.
ومن هنا، يمكن فهم النمو ما بعد الصدمة في السياق الجنوبي، لا بوصفه حالة نفسية فردية فحسب، بل بوصفه عدسة تساعدنا على قراءة الطريقة التي حاول بها مجتمع كامل، مراراً، إعادة بناء حياته بعد كل مرحلة من مراحل الدمار.
أن يعود الإنسان إلى منزله.
أن يصلح أرضه.
أن يعيد فتح دكانه.
أن يرسل أبناءه إلى المدرسة.
أن يزرع شجرة مكان شجرة اقتُلعت.
أن يبدأ حياته من جديد.
تبدو هذه الأفعال بسيطة في الظروف العادية، لكنها تتحول بعد الحرب إلى إعلان عن استمرار الحياة.
إن «النمو ما بعد الصدمة» في هذا السياق ليس رفاهية نفسية، بل آلية وجودية للبقاء، وامتداد لسردية ترفض الانكسار وتصرّ على صنع المعنى والتمسّك بالأمل رغم قسوة الواقع.
خاتمة القول
لا أحد يعرف معنى أن يُدمَّر منزله أكثر من مرة، ثم ينهض ليعيد بناءه من جديد، كما يعرف ذلك الجنوبي. ولا أحد اختبر مرارة النزوح والتهجير عن أرضه سنوات طويلة، ثم ظلّ مشدوداً إليها ينتظر لحظة العودة مهما طال الزمن، كما اختبرها الجنوبي. ولا أحد يعرف ثقل الفقد حين يطال الأب أو الأم، أو الزوج أو الزوجة، أو الأخ أو الأخت، أو القريب والصديق، كما عرفه الجنوبي.
ومع ذلك، أثبت أهل الجنوب، مرة تلو أخرى، أن الصدمة نفسها ليست ما يصنع القوة، بل قدرة الإنسان، بمساندة محيطه، على الصراع مع أثرها وإعادة بناء المعنى. فالركام لا يعني النهاية، بل قد يكون بداية لبناء جديد.
ليست هذه الحرب الأولى التي يمرّ بها الجنوب، وقد لا تكون الأخيرة. لكن مهما اتسعت مشاهد الدمار، ومهما بلغ حجم القتل والنزوح والفقد، تبقى إرادة الحياة أقوى من الخراب، وإرادة العودة أقوى من التهجير، وإرادة البناء أقوى من الدمار.
«لا حرب، ولا قتل، ولا نزوح، ولا تهجير يستطيع أن يُبعد الجنوبي عن أرضه؛ لأنه جنوبي».
