هشام الأعور, Author at 180Post

1111111.jpg

​تتجاوز معركة «علي الطاهر» أبعادها التكتيكية المباشرة كاشتباك عسكري محلي حول مرتفع يطل على النبطية وكفرتبنيت والريحان وإقليم التفاح؛ إذ تمثل، في عمقها الاستراتيجي، اختباراً ميدانياً ميكروسكوبياً لإعادة رسم موازين القوة وتوزيع النفوذ في الشرق الأوسط عقب جولات المواجهة الموسعة التي شملت عدة جبهات إقليمية، ممتدة من غزة إلى لبنان وإيران، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز.

799-2.jpg

​يتصدّر شرط "نزع السلاح" أجندة الدبلوماسية الدولية والإقليمية كشرط شارط لأي ترتيبات تستهدف صياغة الاستقرار في المنطقة. وتتعامل المبادرات السياسية مع ملف السلاح (غزة ولبنان والعراق) بوصفه أصل الأزمة والمفتاح السحري لإحلال السلام. غير أن هذا الطرح يقع في خطأ تحليلي بنيوي؛ إذ يتعاطى مع القوة المسلحة باعتبارها المسبّب الأولي للنزاع، متجاهلاً حقيقة استراتيجية أثبتتها أدبيات العلوم السياسية وتاريخ الصراعات الممتدة: الأسلحة لا تنشأ من فراغ تكتيكي، ولن تتلاشى بقرارات إدارية أو إملاءات فوقية ما دامت البيئة البنيوية التي أنتجتها قائمة ومستمرة.

800-19.jpg

​حين يسقط البيت في بلدة حدودية جنوبية، لا ينتهي الأمر عند خسارة السقف والعمود. البيت هناك عقدة وجودية حية، وثيقة تمنح الأرض اسمها، وتمنح العائلة نسَبها العقاري والمكاني. لذلك، عندما تُنسف قرية بأكملها، فإن ما يجري هو إعادة رسم للجغرافيا البشرية، ومحوٌ عمدي للذاكرة المجتمعية بالقوة العسكرية. وبين ما تكشفه الصور الملتقطة من الفضاء وما يُحاك في الغرف الدبلوماسية المغلقة، يقف جنوب لبنان أمام واقع مأساوي مزدوج: هندسة تدميرية تُجرّد الأرض من معالمها العمرانية، وهندسة قانونية تهدف إلى تجريد الضحايا من حقهم في مقاضاة الجاني.

750-2.jpg

​شهدت مدينة سبتة—الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لأفريقيا—مؤخراً تدفقًا غير مسبوق لعشرات الآلاف من الأشخاص القادمين من الأراضي المغربية خلال فترة زمنية قياسية (تُقدّر بين 50 و60 ألف شخص، أغلبهم من الشباب). تسبب هذا الانهمار البشري في انهيار لحظي ومفاجئ لمنظومة ضبط الحدود الإسبانية، واستنزاف الطاقة الاستيعابية والأمنية للمدينة التي لا يتجاوز عدد سكانها 84 ألف نسمة.

800-47.jpg

لم تكن زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن في تموز/يوليو 2026 حدثاً دبلوماسياً شبيهًا بالبروتوكولات التقليدية التي تجمع القوى العظمى بالدول الصغرى، بل شكلت محطة مفصلية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. تتشابك في هذه اللحظة أبعاد المواجهة الأميركية – الإيرانية المفتوحة، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، ومحاولات تفكيك أو إعادة تموضع ترسانة "حزب الله"، بالتوازي مع صعود سلطة سورية جديدة تسعى لترسيخ شرعيتها.

The-Middle-East-black-hole.jpg

​لم تعد النيران المشتعلة في منطقتنا مجرد حرب تقليدية تبحث عن وقف مؤقت لإطلاق النار. إننا نعيش المخاض العنيف لولادة نظام إقليمي جديد؛ صراع ممتد يعيد تعريف السيادة الوطنية، ويتمحور حول التحكم بمفاتيح الطاقة، والإمساك بالممرات البحرية والبرية، وتوجيه شبكات التمويل والتكنولوجيا. السؤال الجوهري اليوم لم يعد: متى تصمت المدافع؟ بل: من يصيغ جغرافيا "اليوم التالي"؟ ومن يملك القدرة على إدارة تدفقات الاقتصاد الدولي؟

810-2.jpg

​في قلب الشرق الأوسط، لم يعد دويّ المدافع يتردد في غرف العمليات العسكرية ومراكز التخطيط الاستراتيجي وحسب، بل باتت أصداؤها تتداخل، بشكل غير مسبوق، مع ضجيج الحملات الانتخابية وحسابات صناديق الاقتراع في العواصم الفاعلة.

800-15.jpg

تكشف التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع. فكثيراً ما تغادر المعارك ساحات المواجهة العسكرية لتستقر داخل المجتمعات والدول نفسها، حيث تعود الصراعات بأشكال أكثر تعقيداً تتصل بالسلطة والهوية والاقتصاد وتوزيع النفوذ. وما أن تتراجع حدة المواجهة الخارجية حتى تطفو على السطح التناقضات الداخلية التي كانت الحرب تؤجل انفجارها.

800-5.jpg

​تحت وطأة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تعيش الدولة اللبنانية واحدة من أخطر المنعطفات السياسية التاريخية. فالوثيقة الموقعة في واشنطن بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026، والمعروفة إعلامياً بـ"اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل برعاية وضمانة الولايات المتحدة، لا يمكن قراءتها كإنجاز دبلوماسي عابر، بل هي وثيقة بالغة الخطورة تؤسس لالتزامات دولية مجحفة تمس جوهر الوجود السيادي للبنان.

823.jpg

​لم يعد مجدياً مقاربة المشهد في جنوب لبنان بمنطق الثنائيات الكلاسيكية: "الحرب الشاملة" أو "وقف إطلاق النار". لقد تجاوزت الأزمة الحالية حدود الاشتباك التكتيكي لتتحول إلى اشتباك بنيوي حول هندسة الأمن الإقليمي. في أروقة العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تُطبخ الصياغات الدبلوماسية للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، لا يدور النقاش حول تعديل بنود القرار 1701 فحسب، بل يمتد إلى محاولة فرض مقاربة سياسية وأمنية جديدة يمكن تسميتها بـ "المناطق التجريبية" (Experimental Zones).