لا تكمن المعضلة اللبنانية التاريخية في العجز عن إثبات الحق القانوني والأخلاقي في الأرض، بل في التحدي المتمثل في تحويل هذا الحق من مقولة معيارية مجردة إلى واقع سياسي وأمني تستطيع الدولة حمايته وإدارته.
لا تكمن المعضلة اللبنانية التاريخية في العجز عن إثبات الحق القانوني والأخلاقي في الأرض، بل في التحدي المتمثل في تحويل هذا الحق من مقولة معيارية مجردة إلى واقع سياسي وأمني تستطيع الدولة حمايته وإدارته.
لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى مدينة النبطية مجرد محطة في أجندة رسمية، بل كانت مواجهة حية بين خطاب "استعادة الدولة" ومرارة الواقع الذي يعيشه الجنوبيون، منذ ثلاث سنوات. المدينة التي تحمل جراح الحرب وتلملم آثار الدمار في أسواقها وأحيائها، لا تطلب عاطفة سياسية أو بيانات إنشائية، بل تسأل عن قدرة السلطة السياسية على تحويل حضورها المعنوي إلى أمان حقيقي وحقوق قابلة للتطبيق.
ليس مضيق باب المندب مجرد مجرى مائي يصل بين حوضين بحريين، بل عقدة جيوسياسية مركبة تختزل معادلات واسعة من الصراع على الطاقة والتجارة وموازين النفوذ. فاختلال أمن الملاحة فيه لا يهدد اليمن أو الدول المطلة على البحر الأحمر فحسب، بل يصيب مباشرة شريان الإمداد بين آسيا وأوروبا، ويهدد عائدات قناة السويس، ويربك تدفقات النفط الخليجي، ممتدًا بآثاره الاقتصادية إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مسرح الصراع.
عقب اتساع رقعة المواجهة الإقليمية على خلفية حرب غزة، كان لافتاً للانتباه صعود ظاهرة جيوسياسية أربكت الحسابات الاستراتيجية التقليدية: تحوّل تنظيم محلي يسيطر على جزء واسع من اليمن المنهك إلى طرف قادر على التأثير المباشر في حركة الملاحة البحرية العالمية، ودفع القوى الغربية إلى استدعاء أساطيلها لحماية ممرات البحر الأحمر. تحولٌ لا يُعبّر عن تغيّر جذري في موازين القوة، وحسماً ميدانياً لمصلحة «أنصار الله» (الحوثيين) في مواجهة القوى الدولية أو الإقليمية، لكنه يمثل نمطاً متطوراً من استخدام أدوات محدودة الكلفة لإنتاج مفاعيل استراتيجية وتكاليف اقتصادية تفوق حجم تلك الأدوات بأضعاف.
نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.
في إسرائيل، لا تُقاس الحروب فقط بما تحققه في الميدان، بل بما تستطيع الحكومة تحويله إلى شرعية سياسية في الداخل. وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، حيث تقف إسرائيل أمام مفترق بالغ الحساسية: حرب تركت آثاراً عميقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومواجهة مفتوحة أو متحركة على الجبهة اللبنانية، وملف إيراني لم يُغلق، وتسويات إقليمية يجري البحث في ملامحها، وانتخابات كنيست مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
لم يكن "اتفاق الإطار" اللبناني الإسرائيلي الصادر في واشنطن مجرد إجراء تقني لتهدئة الحدود أو تدبير أمني لإدارة الصراع، بل مثّل محطة تحول هيكلي في موقع لبنان الإقليمي والدولي.
تتجاوز معركة «علي الطاهر» أبعادها التكتيكية المباشرة كاشتباك عسكري محلي حول مرتفع يطل على النبطية وكفرتبنيت والريحان وإقليم التفاح؛ إذ تمثل، في عمقها الاستراتيجي، اختباراً ميدانياً ميكروسكوبياً لإعادة رسم موازين القوة وتوزيع النفوذ في الشرق الأوسط عقب جولات المواجهة الموسعة التي شملت عدة جبهات إقليمية، ممتدة من غزة إلى لبنان وإيران، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز.
يتصدّر شرط "نزع السلاح" أجندة الدبلوماسية الدولية والإقليمية كشرط شارط لأي ترتيبات تستهدف صياغة الاستقرار في المنطقة. وتتعامل المبادرات السياسية مع ملف السلاح (غزة ولبنان والعراق) بوصفه أصل الأزمة والمفتاح السحري لإحلال السلام. غير أن هذا الطرح يقع في خطأ تحليلي بنيوي؛ إذ يتعاطى مع القوة المسلحة باعتبارها المسبّب الأولي للنزاع، متجاهلاً حقيقة استراتيجية أثبتتها أدبيات العلوم السياسية وتاريخ الصراعات الممتدة: الأسلحة لا تنشأ من فراغ تكتيكي، ولن تتلاشى بقرارات إدارية أو إملاءات فوقية ما دامت البيئة البنيوية التي أنتجتها قائمة ومستمرة.