ولا يمكن، في تقديرنا، فصل 7 تشرين الأول/أكتوبر (طوفان الأقصى) عما تراكم قبله. فالعملية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية فجّرت مواجهة تجاوزت غزة سريعاً، فيما تولت إسرائيل استهداف ساحات وقوى المقاومة، وأخذت الولايات المتحدة على عاتقها حماية البنية الإقليمية التي تعتبرها ضرورية لمصالحها ومصالح إسرائيل، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.
هكذا تجمعت مسارات كانت متفرقة في حرب واحدة واسعة: قوة عسكرية فائقة؛ تقنيات متقدمة؛ ذكاء اصطناعي؛ حرب معلومات، وخطاب أيديولوجي يعيد تعريف الجغرافيا والهوية والشرعية. وفي موازاة ذلك، تعرضت كثير من القواعد والأعراف والمؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لاختبار قاسٍ، وبرز من جديد سؤال العلاقة بين القوة والقانون، وبين التفوق العسكري والحق.
المفارقة الأساسية أن توقيت الحرب، من الزاوية العملياتية، لم يكن الأمثل لجبهة المقاومة وفق مسار استعدادها وتدرجها. لكن التوقيت، بالمعنى الاستراتيجي والتاريخي، حمل نتائج مختلفة. فقد قطعت الحرب مساراً إقليمياً كان يتجه نحو مزيد من التطبيع، وتعميق ترتيبات أمنية مشتركة في مواجهة إيران وحلفائها، وربط اقتصادات المنطقة ضمن هندسة سياسية وأمنية جديدة.
وقبل 7 تشرين (أكتوبر)، كان التقارب السعودي ـ الإسرائيلي يتقدم بعد اتفاقات التطبيع مع الإمارات والبحرين، وكانت القيادة المركزية الأميركية تعمل على رفع مستوى التكامل الدفاعي بين شركائها في المنطقة، فيما كانت الضغوط على إيران ومحورها تتخذ أشكالاً متعددة. وفي سوريا وغيرها، كانت التحولات تتراكم في اتجاه إعادة تعريف مواقع الدول ووظائفها.
ولو استمر هذا المسار من دون انفجار كبير، لربما وجدنا المنطقة أمام هندسة مختلفة، يصبح فيها الصراع أقل وضوحاً بين محورين وأكثر انتقالاً إلى داخل المجتمعات العربية والإسلامية نفسها، في صورة نزاعات طويلة واستنزاف مفتوح. وهذه ليست سابقة تاريخية؛ فالحروب الكبرى كثيراً ما أعادت تعريف الدول وحدودها ووظائفها. حدث ذلك بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، كما شهد الشرق الأوسط محاولة أخرى لإعادة تشكيله بعد احتلال العراق عام 2003.
لكن الحرب الراهنة أظهرت أن إعادة رسم المنطقة ليست عملية هندسية تجري من أعلى فقط. فالمجتمعات والقوى المحلية تملك بدورها قدرة على التعطيل والمقاومة وفرض كلفة على المشاريع الكبرى. ومن هنا يمكن فهم استمرار جبهة المقاومة برغم ما تعرضت له من خسائر وتراجعات قاسية في بعض الساحات. فهي لم تخرج من الميدان، ولم تُحسم الحرب عليها، كما أن خصومها لم يتمكنوا، حتى الآن، من تحويل التفوق العسكري إلى نظام إقليمي مستقر ونهائي.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: عسكري مباشر، وجيوسياسي إقليمي، وأخلاقي ـ ثقافي عالمي. على المستوى العسكري، دفعت قوى المقاومة أثماناً كبيرة وخسرت قادة وقدرات ومواقع. وعلى المستوى الجيوسياسي، بقيت المنطقة بعيدة عن الاستقرار الذي كان يُراد فرضه وعن الهندسة التي كان يُراد لها أن تحسم هوية المنطقة لعقود. أما على المستوى الأخلاقي والثقافي، فقد أعادت غزة ولبنان وإيران طرح أسئلة ظُنّ أن العالم تجاوزها: ما قيمة القانون الدولي إذا غاب عند الامتحان؟ وما معنى حقوق الإنسان إذا خضعت للحسابات السياسية؟ وهل يجوز أن تتحول القوة إلى مصدر للشرعية بذاتها؟
بهذا المعنى، لم تكن قيمة الصمود في منع الهزيمة فقط، بل في إبقاء هذه الأسئلة مفتوحة. وقد تحركت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، من الجامعات إلى الشوارع والنقابات والمؤسسات المدنية، بما أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الأخلاقي والسياسي الدولي. ولم يؤد ذلك إلى وقف الحرب، لكنه منع فرض رواية واحدة عليها، وأعاد الاعتبار إلى الضمير العام بوصفه قوة لا يمكن تجاهلها كلياً.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم قرار حرب الإسناد لبنانياً. فالسؤال المطروح على من اتخذ هذا الخيار لم يكن عسكرياً فقط: هل ندخل الحرب أم نبقى خارجها ولماذا تحملتم كل تلك الكلفة ولماذا تستمرون؟ بل كان أخلاقياً وسياسياً أيضاً: هل يمكن الوقوف متفرجين على ما يجري في فلسطين، ثم الادعاء بعد ذلك أننا جزء من قضية واحدة ومصير واحد؟
الإجابة سهلة ومُيسّرة: من لا يقرأ التاريخ لا يأخذ منه العِبر. لقد دخلت المقاومة الحرب لأنها اعتبرت أن الصمت أمام استغاثة المظلوم خيانة لهويتها وفهمها لنفسها وللمنطقة. ويمكن مناقشة القرار وكلفته وأخطائه، بل يجب ذلك، لكن لا يمكن فهمه إذا اختُزل فقط في ميزان الربح والخسارة المباشر. فهو انطلق من تصور يرى أن فلسطين ليست قضية خارجية، وأن مصير المنطقة مترابط، وأن الفصل بين ساحاتها لم يعد ممكناً كما كان من قبل.
وهذا لا يلغي الكلفة. فالحرب حملت دماراً وتهجيراً وفقداً وخسائر عسكرية واقتصادية جسيمة، لكن السؤال السياسي: هل كانت الكلفة ستختفي لو لم تقع المواجهة، أم كانت المنطقة تتجه أصلاً نحو صيغة جديدة تُقصي قوى المقاومة وتعيد ترتيب موازينها ووظائف دولها؟
وهنا تصبح قراءة التاريخ ضرورية. فالذين ينظرون إلى كل ساحة بمعزل عن الأخرى قد لا يرون أن إعادة تشكيل الإقليم لا تبدأ بالخرائط وحدها، بل بتغيير وظائف الدول، وتحالفاتها، وعقودها السياسية، وهوياتها الاستراتيجية. وقد عرف العالم نماذج متعددة من ذلك، من مرحلة ما بعد الحربين العالميتين إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يربح معركة، بل بمن ينجح في تحديد شكل المنطقة بعد انتهاء الحرب.
نعم، بعد ثلاثة أعوام على 7 تشرين الأول/أكتوبر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من إعلان انتصار كامل لهذا الطرف أو هزيمة كاملة لذاك. جبهة المقاومة جُرحت وتراجعت في مواقع، لكنها بقيت حاضرة. وإسرائيل والولايات المتحدة، وبرغم الإبادة والتدمير والمستويات غير المسبوقة من القوة والتقنية والضغط، لكنهما لم تصلا إلى نظام إقليمي مستقر يحسم المسألة مرة واحدة. وبين الطرفين، تغيرت البيئة نفسها: في السياسة، وفي الرأي العام، وفي تعريف الأمن، وفي العلاقة بين ساحات المنطقة.
وربما يكون الأثر الأعمق لهذه الأعوام الثلاثة أنها كشفت حدود القوة حين تعجز عن إنتاج شرعية، وحدود النظام الدولي حين يعجز عن تطبيق قواعده بالتساوي، وحدود المشاريع الإقليمية حين تتعامل مع الشعوب كأنها مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها. وفي المقابل، تعلّمت جبهة المقاومة نفسها دروساً قاسية في معنى الحرب الحديثة، وفي التكنولوجيا والاستخبارات وإدارة الساحات، وفي الفارق بين الصمود العسكري والقدرة على تحويله إلى مكاسب سياسية واستراتيجية.
قد يعيد الخصوم المحاولة، فالتاريخ لا يحدثنا عن إمبراطوريات تتراجع بسهولة عن مشاريعها أو تعترف سريعاً بفشلها، وغالباً ما ترفع الكلفة قبل أن تعيد حساباتها. لكن ما حدث منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أثبت، على الأقل، أن المنطقة ليست صفحة بيضاء، وأن شعوبها وقواها ليست مجرد موضوع لإعادة الهندسة.
ثلاثة أعوام لم تحسم الحرب بعد، لكنها غيّرت شروطها. وربما غيّرت معها شيئاً أوسع: الطريقة التي يرى بها العالم منطق القوة والحق، والطريقة التي ترى بها المنطقة نفسها ومستقبلها.
