ويثير الانقسام، الذي لم يُعلَن انشقاقًا، قضيتين: الانقسام والانشقاق في الأحزاب، وأسباب الانقسام.
في ما يتصل بالانقسام الحزبي، يحسن العودة إلى نقطة البداية. فالحزب السياسي، أيّ حزب سياسي، جماعة إرادية التقت على فكرة (مبدأ/ عقيدة/ برنامج)، وانضوت في عصبة/ تنظيم، وتميّزت بتعددية منابتها الجغرافية والطائفية والطبقية والفكرية. ومهما بلغت درجة الشمولية في فكر الحزب القومي، يستحيل شطب التعدد في المنابت. والحزب، أيّ حزب، يعمل في مجتمعات تتطور، وهي تتطور بسرعة في أيامنا هذه، وتستجدّ فيها معطيات، يستحيل أن يحيط بها ما أُنتج لحظة التأسيس، فكريًا وتنظيميًا.
وعليه، فالتباين في الحزب، أيّ حزب، طبيعي، وهو كالساقية أو النهر، عندما لا «يُقنى» له، يتفرّع. ولم تلحظ الأحزاب السياسية العربية هذه التقنية، باستثناء المؤتمر السادس للحزب الشيوعي اللبناني (1992)، الذي أقرّ المنابر التي لم تصمد. وبهذا، كانت الانقسامات، ثم الانشقاقات، سمة هذه الأحزاب. وهي، بهذا المعنى، تعبير عن أزمة في الحزب، أو الأحزاب.
وقد فقدت الأحزاب، ومنها نموذجنا الذي نكتب عنه، البوصلة في مواجهة الأزمة. فقد تكون الأسباب التي لُخّصت آنفًا صحيحة؛ فالتنافس على السلطة موجود وطبيعي في أيّ اجتماع سياسي، والاختلاف حول تأويل النص المؤسّس طبيعي، وبخاصة أن النص المؤسّس مضى عليه ما يقرب من السبعين عامًا، وظروفه شديدة الاختلاف عن الظرف الراهن. والانحراف عن العقيدة طبيعي ما دامت التأويلات متباينة، وكلّ تأويل يعتبر نفسه العقيدة.
وأرى أن البوصلة المفقودة هي البرنامج في الحزب، وأكاد أعمّم ذلك على كل الأحزاب. والبرنامج، بما يتجاوز وروده في بيانات الأحزاب، هو خطة لمرحلة زمنية محددة، مستوحاة من فكر الحزب وأهدافه الكبرى، يُعلن فيها ما سينجزه خلال تلك المرحلة، تبعًا لمعطياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبعًا لإمكاناته وتحالفاته البرنامجية، وتبعًا للحقل السياسي الذي يعمل فيه.
ويقع في قاع غياب البرنامج في الأحزاب التباسٌ في فهم الحزب، بين الدعوة/ العقيدة والعصبة/ التنظيم. فبقدر ما تكون الدعوة ضرورية، بوصفها جامعًا ومنشّطًا، وهي نص فكري لا يعرف الحدود الجغرافية، فإن العصبة/ التنظيم قوة اجتماعية تعمل في حقل محدد هو الدولة. ولم تُولِ الأحزاب القومية والإسلامية، وكذلك الأحزاب اليسارية والليبرالية، الدولةَ الاهتمامَ، لاصطناعية الكيانات عند الأولى، ولأولوية الطبقة عند الثانية، ولأولوية الطائفة عند الثالثة.
ولم يكن عدم الاهتمام بالدولة لبداهة وجودها ورسوخها، بل لرفض معلن حينًا، ومضمر في أغلب الحالات؛ إذ لم تكن الدول الناشئة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية راسخة الأركان، وهي، في الأساس، لم ترسُ أسسها عبر محاولات إصلاح الدولة العثمانية. وتجاذبت الناشئةَ منها العصبياتُ الأولية، وهي التي تغلّبت، ودعواتُ التجاوز القومي والأممي التي كُبتت.
والدولة، بقانونها ومؤسساتها وسيادتها المفترضة، التي فُرضت بإرادة استعمارية، لم ترسُ دعائمها بعد الاستقلالات، لاستمرار فعالية الدول الكبرى فيها من جهة، ولانشغال الاستقلاليين، والقوميون واليساريون بينهم، بالسلطة دون الدولة ودون الوحدة، من جهة أخرى. وهي اليوم أكثر عرضة للإضعاف والتفتّت بفعل الشركات المتعددة الجنسيات والدول الراعية لها، والحركات الإسلامية غير المعترفة بها والخارقة لها، الأمر الذي يعني، حزبيًا، إضعاف حقل اشتغال الأحزاب، وقد يكون هذا بعض أزمتها.
ولا يعني القول ببرنامج للحزب السياسي في الدولة التي يعمل ضمنها شطبَ ما يتجاوزها في دعوة كلٍّ منها، من وحدة سورية أو عربية أو أممية، أو إزالة غبن طائفي أو إثني، بل تعديل قاعدته سياسيًا، بإدراج ما يفيد كلًّا منها ضمن الممكن، لا المشتهى، وبما لا يلغي المكوّنات الأخرى في الاجتماع السياسي الواحد.
وقد يكون مطلب إنعاش مؤسسات الدولة وسيادتها والقانون فيها مطلبًا جامعًا للوحدويين واليساريين والطائفيين، لتصدّيه للإمبريالية الجديدة التي توغل في السيطرة والاستغلال والتفتيت، وتسقط فكرة الأحزاب نفسها، ناهيك عن أهدافها، وتضع الطوائف والأحزاب الطائفية في سديم مجهول المصير.
وعليه، يكون البرنامج في الحزب السوري القومي، وفي غيره من الأحزاب، بالمعنى الذي حدّدته، برنامجًا في حقل سياسي محدد هو الدولة «القطرية»، يُدرج خطوات نحو الوحدة ومواجهة إسرائيل والإمبريالية ضمنه، ومعيارًا سياسيًا للتباين بين مكوّنات الحزب، يقيه من الانشقاقات، لا الانقسامات التي تتحوّل نحو قضايا ملموسة وتحميها المنابر. ويساعد تعدّد المؤسسات في الحزب السوري القومي، ووجود المحكمة، ووضوح صلاحيات كلٍّ منها، في ضبطها.
