لم يكن الظل في قصة شليميل مجرد انعكاس فيزيائي على الأرض، بل كان يمثل الهوية والسيادة الشخصية التي تجعل الإنسان كائنًا مهابًا ومحترمًا؛ فمن يفقد ظله يفقد قدرته على الوقوف في ضوء الشمس. وبالمثل، فإن السلاح في لبنان يمثل لقطاع واسع من اللبنانيين ذلك الظل الردعي الذي يحمي الجسد الوطني من الانكشاف أمام الخارج. وثمة مفارقة في أن العروض التي تدعو إلى التخلي عن السلاح تلبس رداء رجل المال الغامض في قصة شاميسو، وهي هنا أميركا التي تلوّح بصُرّة الذهب الدولية والوعود السحرية للخروج من نفق الأزمات المالية. لكن التجربة التاريخية ورؤى المفكرين الواقعيين مثل جون ميرشايمر تحذّر من أن القوى التي تتنازل عن أظافرها مقابل وعود بالرخاء تنتهي دائمًا إلى حالة من التبعية المطلقة، حيث تصبح الثروة الموعودة مجرد أصفاد ذهبية لا تملك معها الدولة قرارها أو قدرتها على حماية منجزاتها. فما نفع المال إذا كان صاحبه يخشى السير في وضح النهار خوفًا من افتضاح عجزه أمام الوحش الإسرائيلي المتربص؟
وفي هذا السياق، يبرز التقاطع مع مأساة فاوست الذي ظنّ أن توقيعه على العقد بدمه سيمنحه العلم المطلق واللذة التي لا تنتهي، ليكتشف أن الشيطان الأميركي لا يقدم هدايا مجانية، بل يهدف إلى الاستيلاء على المركز الذي تنطلق منه الإرادة والكرامة. فمحاولة نزع السلاح تحت ضغط الأزمات المعيشية هي محاولة لتجريد المجتمع من روحه الدفاعية وتحويله إلى كائن آلي يتحرك وفق إرادة الممول. ويرى المحلل السياسي أليستير كروك أن المقايضة المطروحة ليست تسوية سياسية عادية، بل صفقة وجودية يُطلب فيها من اللبناني أن يبيع شرفه وكرامته وأداته الوحيدة للردع مقابل وعود من أطراف كانت هي نفسها سببًا في الضغوط المالية، تمامًا كما عرض ميفيستوفيليس على فاوست كل كنوز الأرض شريطة أن يتخلى عن ملكيته لنفسه. والنتيجة الحتمية لهذه الصفقات هي النبذ الذي عانى منه بيتر شليميل، إذ وجد نفسه ثريًا يملك كل ما تشتهيه الأنفس، لكنه فقد الاحترام وأصبح منبوذًا، وهو ما يخشاه الكثيرون من أن يتحول لبنان إلى كيان بلا ظل، أي بلا قدرة على فرض إرادته أو حماية ثرواته النفطية والبرية، ليصبح مجرد ساحة تتقاذفها مصالح واشنطن وتل أبيب، بينما هو يلهث خلف صُرّة المال التي لا تمتلئ أبدًا.
إن الاستعارات الأدبية هنا تكشف أن الأمن لا يمكن شراؤه بالمال، وأن الدول التي تفرّط في عناصر قوتها الجوهرية مقابل وعود بالاندماج في المنظومة الدولية غالبًا ما تجد نفسها ضحية للغدر. فالسلاح في التجربة اللبنانية تحوّل إلى جوهر مرتبط بالأرض وكرامة الإنسان، والتخلي عنه في ظل غياب بدائل وطنية جدية يعني الدخول في نفق الصفقة التي تعطي بيد لتأخذ باليد الأخرى ثروات البلد كله. فالمجتمع الدولي، بقيادة الإدارة الأميركية، الذي يغري لبنان بالمال مقابل السلاح، لا يفعل ذلك حبًا في رفاهية الشعب، بل رغبة في تحويله إلى كيان هش يسهل التحكم بمساره وتطويعه لخدمة مشاريع إسرائيل الإقليمية التي تتناقض مع مصالحه الوطنية العليا. فمن يبيع روحه مقابل لحظة من المتعة المادية كما فعل فاوست، يجد نفسه في النهاية وحيدًا أمام مصيره عندما يحين موعد الحساب. وكذلك لبنان الذي يُراد له أن يكون بلا ظل، يجد نفسه مكشوفًا أمام شمس العدوان الإسرائيلي التي لا ترحم الضعفاء.
علاوة على ذلك، فإن قصة شليميل تعلّمنا أن المال الذي لا يرافقه احترام الذات يتحول إلى لعنة؛ فالرجل الذي باع ظله لم يستطع الاستمتاع بذهبه لأن نظرات الازدراء كانت تلاحقه في كل مكان. وهذا هو حال الأمم التي ترتهن لقرارات الخارج مقابل المساعدات، فهي تفقد هيبتها وتصبح مجرد رقم في معادلات الآخرين. بهذا المعنى، كلُّ محاولة لتسويق تسليم السلاح مدخلًا للرفاهية هي استعادة لمشهد بيتر وهو يمد يده لصُرّة الذهب، غافلًا عن أن الثمن هو الشرف وكل ما يجعله إنسانًا كامل الأهلية. فالسيادة الوطنية هي الظل الذي يرافق جسد الدولة، وإذا ما انفصل الظل عن الجسد فقدت الدولة توازنها وسقطت في أول حفرة تواجهها. فالقوة الردعية هي التي تمنح المال قيمته، وهي التي تجعل الاستقرار حقيقة لا مجرد هدنة مؤقتة يمنّ بها العدو على الداخل.
إن التحليل العميق لمجريات الأحداث يشير إلى أن الوعود الأميركية بالانتعاش الاقتصادي مقابل تنازلات أمنية هي بمثابة عقد ميفيستوفيلي مكتوب بوعود برّاقة تخفي في طياتها انتزاع عناصر القوة ونهب الثروات. فالتجربة مع القوى العظمى أثبتت أن من يُفرّط في قوته الذاتية لا يجد من يحميه، بل يجد من يبتزه بمزيد من التنازلات، تمامًا كما كان الشيطان يطالب فاوست بمزيد من الانغماس في الضلال حتى لا يترك له طريقًا للعودة. وهكذا فإن لبنان اليوم يقف أمام امتحان تاريخي: هل يظل متمسكًا بظله السيادي وقوته التي تمنحه الندية، أم ينساق خلف بريق الذهب الأميركي الزائف ليجد نفسه في النهاية بلا مال وبلا سلاح وبلا كرامة؟
إن الدروس المستقاة من شاميسو وغوته تصرخ في وجه كل من يظن أن الصفقات مع واشنطن وتل أبيب قد تنتهي بسلام؛ فالثمن دائمًا هو الروح، والروح هنا هي القدرة على قول «لا» في وجه الإملاءات وحماية ثروات الأجيال القادمة.
