اجتماعيًا، دفعت فئات واسعة من الفرنسيين ثمن ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع قدرتها على مجاراة الأسعار. فقد ارتفعت الأسعار تراكميًا بنحو 19 إلى 20 في المئة بين عامَي 2017 و2025، فيما شهدت أسعار الطاقة زيادات حادة، خصوصًا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 ثم اقفال مضيق هرمز في العام 2026. وارتفع مؤشر أسعار الطاقة الإجمالي بنحو 46 في المئة بين عامَي 2017 و2025، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز والوقود المنزلي بنحو 61 في المئة، وفق المؤشرات المعتمدة. وقد خفّفت إجراءات الدعم الحكومي بعض الأعباء، لكنها لم تُعِد الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
في الوقت نفسه، لم تتقدم الأجور الحقيقية بالوتيرة نفسها. وتُظهر بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء أن متوسط الأجر الصافي الحقيقي للعاملين بدوام كامل في القطاع الخاص انخفض بنحو 1.3 في المئة بين عامَي 2017 و2023. كما تراجعت القدرة الشرائية للأجر الصافي خلال عامَي 2022 و2023، قبل أن تعود إلى مستوى عام 2019. وتكشف هذه الأرقام محدودية المكاسب التي حققها العاملون في مواجهة موجة الغلاء، مع تفاوت آثار الأزمة بين الفئات الاجتماعية.
وجاءت احتجاجات “السترات الصفراء”، ثم المواجهة حول إصلاح نظام التقاعد عام 2023، لتعبّرا عن هذا التوتر الاجتماعي. وقد رفع الإصلاح سن التقاعد القانوني من 62 إلى 64 عامًا، مستندًا إلى المادة 49.3 من الدستور لتمرير القانون من دون تصويت نهائي في الجمعية الوطنية. ثم أدى قرار ماكرون حلّ الجمعية الوطنية عام 2024 إلى تعميق الانقسام السياسي وإضعاف قدرة الرئاسة على فرض برنامجها. وتكشف هذه المحطات اتساع أزمة الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، وتراكم الاعتراضات على الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.
خيارات حكومية صعبة
وتزيد الضغوط المالية من صعوبة المهمة الحكومية. فقد أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن العجز العام الفرنسي بلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، فيما وصل الدين العام إلى 115.6% من الناتج. وهذه الأرقام تضع الحكومة أمام خيارات صعبة بشأن الإنفاق والضرائب والخدمات.
فقد بلغت كلفة خدمة الدين العام المدرجة في موازنة 2026 نحو 59.3 مليار يورو، بزيادة قدرها 23.1 مليار يورو مقارنة بعام 2020، وفق تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي. ويعني ذلك أن فوائد الدين وحدها تستهلك موارد عامة ضخمة، وتضيّق هامش الإنفاق المتاح للخدمات العامة والاستثمار والسياسات الاجتماعية.
في هذا السياق، جاءت احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، التي جمعت طلابًا ونقابيين، بدعم من أحزاب اليسار ومجموعات من المحتجين على غلاء المعيشة وأوضاع التعليم التي ازدادت سوءًا بعد تخفيض الميزانية المخصصة للطلاب بنحو 21%، إضافة إلى النقص في الكادر التعليمي.
و فرضت حرب أوكرانيا أعباء اقتصادية إضافية على فرنسا وأوروبا، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى دعم كييف وزيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة تكوين المخزونات العسكرية. ووفق تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي، بلغت القيمة الإجمالية المقدّرة للدعم العسكري الفرنسي لأوكرانيا منذ عام 2022 نحو 6.5 مليار يورو، فيما بلغت النفقات المباشرة المسجّلة لدى وزارة القوات المسلحة نحو 1.65 مليار يورو بين عامَي 2022 و2025. ولا يمثّل الرقم الأخير الكلفة الاقتصادية الكاملة للحرب، كما يجب التمييز بين الدعم المقدّم لأوكرانيا وإجمالي الإنفاق العسكري الفرنسي.
وقد زادت الحرب الضغوط على الأسر والمؤسسات، وفرضت على الدولة تمويل إجراءات لتخفيف آثار أزمة الطاقة، إلى جانب الالتزامات الدفاعية والمالية.
تراجع النفوذ في أفريقيا
خارجيًا، كان تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا من أبرز مظاهر انحسار قدرة باريس على فرض خياراتها. فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد والسنغال، ثم انتهى الوجود العسكري الفرنسي في دول أخرى. وفي أجزاء من منطقة الساحل، توسّع الحضور الروسي بعد الانسحاب الفرنسي، من خلال ترتيبات عسكرية وأمنية جديدة.
يكشف هذا التحول حدود السياسة الفرنسية التي اعتمدت طويلًا على الوجود العسكري وشبكات النفوذ التقليدية. فقد تراجعت قدرة باريس على الاحتفاظ بمواقعها السابقة، فيما باتت علاقتها بعدد من الدول الأفريقية محكومة بشروط سياسية جديدة فرضتها السلطات المحلية والتحولات الشعبية والسياسية في هذه الدول، والتي تذكّرها بالحقبة الاستعمارية. ولم يكن الانسحاب الفرنسي مجرد إعادة انتشار عسكري، فقد مثّل خسارة لنفوذ سياسي واقتصادي تراكم على مدى عقود من الزمن.
وفي أوروبا، لم ينجح ماكرون في تحويل دعوته إلى الاستقلال الاستراتيجي إلى قدرة أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة. وظلت الحرب الأوكرانية عاملًا مركزيًا في السياسة الأمنية الأوروبية، بينما بقيت فرنسا مقيّدة بتوازنات حلف شمال الأطلسي والانقسامات بين الدول الأوروبية حول الإنفاق الدفاعي والعلاقة مع روسيا. وهكذا اتسعت الفجوة بين طموح باريس إلى قيادة أوروبا وبين قدرتها الفعلية على توحيد مواقفها وصوغ سياسة مستقلة.
وأيضاً في لبنان والشرق الأوسط
وفي الشرق الأوسط، واجهت السياسة الفرنسية اختبارًا إضافيًا لقدرة باريس على تحويل حضورها الدبلوماسي والعسكري إلى نفوذ فعلي. ففي لبنان، تحتفظ فرنسا بوجود عسكري ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل»، إلى جانب دور سياسي ودبلوماسي تاريخي. ومع استمرار العدوان الإسرائيلي، تجد فرنسا نفسها عاجزة، لأنها محكومة بسقف إسرائيلي – أميركي، برغم محاولاتها المتكررة لطرح بعض المبادرات، ومنها محاولة التمديد للقوات الدولية في الجنوب (اليونيفيل). ويطرح تراجع نفوذ حزب الله سياسيًا وعسكريًا أسئلة محرجة لجهة تزامنه مع تراجع نفوذ فرنسا.
أما في سوريا، فقد سعت فرنسا إلى استعادة موقعها بعد سنوات من القطيعة مع دمشق في عهد بشار الأسد، مستفيدة من التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام. فقد أعادت باريس فتح قنوات التواصل، وطرحت التعاون الاقتصادي والمساهمة في إعادة الإعمار. غير أن استعادة النفوذ تظل مرتبطة بقدرة فرنسا على تحويل المبادرات السياسية إلى حضور اقتصادي مستدام، في ظل تنافس إقليمي ودولي على مستقبل سوريا.
وتكشف الحالة الإيرانية جانبًا آخر من حدود الاستقلال الفرنسي. ففي عام 2015، كانت فرنسا طرفًا في الاتفاق النووي مع إيران، وسعت شركات فرنسية إلى توسيع أعمالها في السوق الإيرانية. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق (2018) في أثناء الولاية الأولى لدونالد ترامب وإعادة فرض العقوبات الأميركية دفعا شركات فرنسية كبرى إلى تعليق مشاريعها أو الانسحاب، خشية فقدان الوصول إلى السوق الأميركية والتعرّض للعقوبات. وشمل ذلك قطاعات السيارات والطاقة والطيران. وقد حاولت باريس الحفاظ على الاتفاق وتأمين قنوات اقتصادية بديلة، لكنها أخفقت في توفير ضمانات كافية لمعظم الشركات الراغبة في مواصلة أعمالها في إيران.
تكشف هذه التجربة مفارقة واضحة، وهي أن فرنسا دافعت عن الاتفاق النووي وعن الحل الدبلوماسي، لكنها عجزت عن حماية مصالح شركاتها عندما تعارضت مع السياسة الأميركية. وهكذا بقيت الدعوة الفرنسية إلى الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي أوسع من القدرة الفعلية على ترجمتها اقتصاديًا وسياسيًا.
وفي ملف فلسطين، وخاصة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة (2023-2026)، أظهرت الحرب حدود التأثير الفرنسي في مسار الأحداث، برغم المواقف الدبلوماسية التي اتخذتها باريس، ومنها الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فالمواقف السياسية لم تتحول إلى قدرة حاسمة على وقف الحرب أو فرض احترام القانون الدولي، في ظل اختلال موازين القوة واستمرار الدعم الأميركي لإسرائيل. وبقيت الفجوة قائمة بين الخطاب الفرنسي الداعي إلى حل سياسي وبين محدودية أدوات الضغط المتاحة لتغيير الوقائع على الأرض.
حصيلة ماكرون
تُقاس حصيلة إيمانويل ماكرون، إذًا، بنتائج هذه الملفات مجتمعة: تراجع القدرة الشرائية للأجور في سنوات مفصلية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتضخّم خدمة الدين، واتساع الانقسام الداخلي، وانحسار النفوذ الفرنسي في أجزاء من أفريقيا، مع استمرار اعتماد الأمن الأوروبي على المظلة الأميركية، ومحدودية قدرة باريس على حماية مصالحها الاقتصادية أو ممارسة تأثير حاسم في أزمات الشرق الأوسط.
لقد كشفت سنوات ماكرون أزمة نموذج حكم راهن على تحرير الاقتصاد وتعزيز التنافسية واستعادة المكانة الدولية، فيما تراكمت كلفة التحولات على قطاعات واسعة من المجتمع، وتقلّص هامش الدولة المالي والسياسي. وقد جاءت الاحتجاجات والانقسامات البرلمانية تعبيرًا عن اتساع المسافة بين مشروع السلطة وتجربة المواطنين اليومية.
وهكذا، تبدو حصيلة ماكرون محكومة بثلاثة اختبارات لم تُحسم، وهي: أزمة اجتماعية تتجدد مع كل موجة غلاء، ومالية عامة تتزايد أعباؤها، ونفوذ خارجي يصطدم بالفجوة بين الطموح والقدرة. وبين الوعود باستعادة القوة الفرنسية والنتائج التي أفرزتها سنوات الحكم، يبقى السؤال الأهم: كم من قدرة فرنسا الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية بقي متاحًا لمواجهة أزمات السنوات المقبلة؟
