حين تولد الاستراتيجية من دون خطة

ثمة افتراض قديم وشائع في التفكير الاستراتيجي، مؤداه أن النتائج الكبرى لا بد أن تكون مسبوقة دائمًا بقرارات كبرى، وأن التحولات الاستراتيجية تقف وراءها عقول خططت لها، وحددت مراحلها، ثم دفعت الأحداث في اتجاهها. غير أن كثيرًا من التحولات التاريخية والسياسية لم يتخذ مساره النهائي وفق استراتيجية مكتملة مسبقًا، ولم يكن جميع الفاعلين فيه يمتلكون تصورًا شاملًا للنتائج أو حتى استراتيجية واضحة للخروج من الأزمات التي دخلوا فيها.

الأهم أن دراسة الأنظمة المعقدة تتيح لنا النظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة: فقد تحدث نتيجة كبرى من دون قرار مركزي واحد أنتجها، وقد يتشكل نظام من دون مهندس منفرد صممه، وقد تظهر استراتيجية لم يضعها أحد مسبقًا بصورتها النهائية، وإنما تشكلت تدريجيًا من تفاعلات لم يكن مسارها الكامل محسوبًا.

هنا ندخل إلى مفهومين بالغَي الأهمية لفهم السياسة والاستراتيجية في عالم اليوم والغد: الانبثاق (Emergence)، والاستراتيجية المنبثقة (Emergent Strategy).

الانبثاق.. عندما ينتج التفاعل ما يتجاوز عناصره

الانبثاق، في أحد تعريفاته الأساسية، هو ظهور خاصية أو نمط على مستوى الكل، لا نجده بالصورة نفسها في أي عنصر منفرد من عناصره، ولا يكفي لفهمه النظر إلى تلك العناصر بمعزل عن العلاقات والتفاعلات التي تربط بينها.

فالخاصية الجديدة لا تصدر بالضرورة عن عنصر واحد، وإنما تنشأ من شبكة التفاعلات بين العناصر. وقد يكون الناتج مختلفًا نوعيًا عما توحي به دراسة كل عنصر منفردًا، بحيث لا تكفي العلاقة الخطية البسيطة بين سبب واحد ونتيجة واحدة لتفسيره.

ويمكن تقريب هذه الفكرة، على المستوى الفلسفي، بما نسميه «الزمن العمودي»؛ أي تلك اللحظة التي يظهر فيها تحول نوعي يقطع الاسترسال الظاهر للمسار السابق، فيكشف أن التراكمات التي بدت عادية كانت تُنتج واقعًا جديدًا. وهذه استعارة لتوضيح طبيعة التحول، وليست تعريفًا علميًا مستقلًا للانبثاق.

وهنا تكمن النقلة المعرفية: فالسؤال لا يقتصر على «من فعل؟» و«ما السبب المباشر؟»، بل يتسع ليشمل سؤالًا آخر: ماذا أنتج تفاعل الفاعلين جميعًا، وما الخاصية الجديدة التي ظهرت على مستوى النظام؟

لا يعني هذا التخلي عن البحث في الأسباب، بل الانتقال من تفسير يختزل الظاهرة في سبب منفرد إلى تفسير يدرس التفاعلات والاعتماد المتبادل والتغذية الراجعة والظروف التي تسمح بظهور أنماط جديدة.

ففي التفكير الخطي المبسط قد نقول إن:

A تؤدي إلى B

أما في النظام المعقد، فقد تتفاعل العناصر:

A + B + C + D

لكن الناتج لا يكون مجرد مجموعها:

A+B+C+D

بل يظهر نمط جديد يمكن أن نرمز إليه بـ:

X

ولا يكون هذا النمط مجرد جمع حسابي لخصائص العناصر. فالكل هنا يمتلك خصائص تنظيمية أو سلوكية لا تظهر بالطريقة نفسها في كل جزء منفردًا، وإن ظلت هذه الخصائص مرتبطة بعناصر النظام وتفاعلاتها.

ومن الممكن التعبير عن الفكرة بصورة تقريبية:

تفاعلات متبادلة ← ظهور أنماط ← تغذية راجعة وتراكم ← خصائص جديدة على مستوى النظام.

ولتبسيط الصورة، فإن سرب الطيور قد يُظهر تنظيمًا جماعيًا معقدًا من دون أن يمتلك قائدًا مركزيًا يرسم لكل طائر مساره لحظة بلحظة. تنشأ أنماط حركة السرب من استجابة الطيور لجيرانها وللبيئة المحيطة، فيما يظهر على المستوى الجماعي انتظام يتجاوز سلوك الطائر المنفرد.

والسوق أيضًا لا يمتلك عقلًا مركزيًا واحدًا يحدد جميع نتائجه، ومع ذلك تتشكل فيه اتجاهات وأسعار وفقاعات وانهيارات نتيجة تفاعل قرارات الأفراد والمؤسسات والتوقعات والقيود الاقتصادية.

أما الشبكات الاجتماعية، فتتكون من ملايين الأفراد الذين يتخذ كل منهم قرارات محدودة ويعبّر عن مواقفه الخاصة، لكن تفاعلهم قد ينتج رأيًا عامًا أو موجة احتجاج أو ذعرًا جماعيًا أو اتجاهًا سياسيًا لم يقرره فرد واحد بصورته النهائية.

وقد يسهم هذا المنظور في تفسير قيام بعض الأنظمة السياسية وسقوطها. فالبحث عن سبب منفرد، أو عن خطة مركزية تفسر جميع النتائج، قد يحجب أثر التفاعلات المتراكمة بين المجتمع ومؤسسات الدولة والاقتصاد والقوى السياسية والظروف الخارجية.

وهذا لا يجعل التحليل السببي عبثيًا، وإنما يجعله أكثر صعوبة وتركيبًا. كما أن عدم القدرة على توقع نتيجة بعينها لا يعني استحالة التنبؤ بكل الأنماط؛ فقد تتيح بعض النماذج رصد اتجاهات أو احتمالات، ولو بقي توقيت التحول وشكله الدقيق غير محسومين.

إننا أمام تعقيد يتداخل فيه التشابك مع عدم اليقين، وتصبح فيه معرفة العلاقات بين العناصر ضرورية لفهم ما قد يظهر على مستوى الكل.

من الانبثاق إلى الاستراتيجية المنبثقة

إذا انتقلنا من نظرية التعقيد إلى المجال الاستراتيجي، واجهنا سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الخصائص الكلية للأنظمة قد تنشأ من التفاعلات، فلماذا نفترض أن كل استراتيجية يجب أن تكون موجودة بصورة كاملة قبل الفعل؟

ارتبط مفهوم الاستراتيجية المنبثقة بصورة خاصة بأعمال هنري مينتزبرغ (Henry Mintzberg) وجيمس ووترز (James A. Waters)، ولا سيما دراستهما المنشورة عام 1985 حول الاستراتيجيات المتعمدة والمنبثقة.

ومن الضروري هنا التمييز بين الاستراتيجية المقصودة (Intended Strategy)، وهي ما ينوي الفاعل تحقيقه؛ والاستراتيجية المتعمدة (Deliberate Strategy)، وهي الجانب الذي يتحقق وفق المقاصد السابقة؛ والاستراتيجية المتحققة (Realized Strategy)، وهي النمط الذي يظهر فعليًا في الأفعال؛ والاستراتيجية المنبثقة (Emergent Strategy)، وهي النمط الذي يتحقق من دون أن يكون مقصودًا مسبقًا بصورته النهائية.

وقد وضع هنري مينتزبرغ وجيمس ووترز الاستراتيجيات المتعمدة والمنبثقة على طرفَي متصل، بدل التعامل مع الواقع الاستراتيجي باعتباره مجرد تنفيذ آلي لخطة سابقة.

ويمكن تعريف الاستراتيجية المنبثقة بأنها نمط استراتيجي يتكون تدريجيًا من سلسلة أفعال وقرارات وتكيفات، من دون أن يكون هذا النمط، كما تحقق فعليًا، قد خُطط له بالكامل منذ البداية.

فلسنا دائمًا أمام مسار واحد هو:

خطة ← أفعال ← نتائج.

بل قد نكون أمام مسار أكثر تركيبًا:

أفعال ← تفاعل مع الواقع ← تعلم ← تعديل ← تكرار وتراكم ← ظهور نمط استراتيجي.

وهنا تصبح الاستراتيجية، في جانب منها، اكتشافًا لما يتشكل أثناء الممارسة، لا مجرد تطبيق لما تقرر قبلها.

قد تدخل دولة في صراع وهي تركز على أدوات عسكرية، ثم تكتشف خلال المواجهة أن الأدوات الاقتصادية أو التكنولوجية أكثر تأثيرًا في بعض أهدافها. ومن خلال سلسلة من القرارات والتعديلات، قد يتشكل نمط عمل مختلف عما كانت تنويه عند البداية.

وهذا لا يعني غياب التخطيط، أو أن العشوائية تنتج بالضرورة استراتيجية ناجحة. بل يعني أن الواقع يقدم باستمرار معطيات لم تكن متاحة عند وضع الخطة، فتتعلم الدولة أو المؤسسة من نتائج أفعالها، وتعدّل سلوكها عبر التغذية الراجعة (Feedback).

إقرأ على موقع 180  زمن ما بعد الذكاء الاصطناعي.. رأسمالي أم شيوعي؟

ومع تراكم التعديلات، قد يظهر اتجاه استراتيجي يمكن التعرف إليه بأثر رجعي، حتى إن لم يكن مقصودًا بصورته النهائية.

ومن هنا فإن الاستراتيجية المتحققة قد تحتوي على عناصر متعمدة تحققت وفق الخطة، وأخرى نشأت خلال التنفيذ. وفي الممارسة الواقعية، نادرًا ما نجد استراتيجية متعمدة خالصة أو منبثقة خالصة؛ فالأولى، في صورتها القصوى، تحدّ من إمكان التعلم، بينما الثانية، في صورتها القصوى، تضعف دور التوجيه المسبق.

العلاقة بين الانبثاق والاستراتيجية المنبثقة

تقوم فكرة الانبثاق في الأنظمة المعقدة على أن تفاعلات العناصر قد تنتج خاصية أو نمطًا على مستوى الكل.

أما في الاستراتيجية المنبثقة، فإن سلسلة من الأفعال والقرارات والتكيفات قد تكشف، بمرور الوقت، عن نمط استراتيجي لم يكن مقصودًا بالكامل.

وهناك صلة تفسيرية بين المفهومين، لكنها لا تعني التطابق العلمي التام بينهما. فنظرية التعقيد تساعد على فهم بعض شروط تشكل الاستراتيجيات المنبثقة، بينما يحتفظ مفهوم مينتزبرغ بنطاقه المتعلق بتكوّن الاستراتيجية من أنماط الفعل المتحقق.

ومن هنا يمكن اقتراح صيغة تفسيرية:

تفاعلات وأحداث متراكمة ← أنماط فعل جديدة ← تعرف الفاعلين إليها وتكيفهم معها ← استراتيجية منبثقة محتملة.

وبهذا المعنى، لا تكون الاستراتيجية دائمًا سببًا سابقًا للأفعال؛ فقد يصبح انتظام الأفعال نفسه، وما ينتج عنها من تعلم وتعديل، أحد مصادر تكوّن الاستراتيجية.

فالتفكير الاستراتيجي المسبق يقول:

نفكر، فنخطط، فننفذ.

أما التفكير الاستراتيجي في البيئات المعقدة فيضيف:

نفكر، فنفعل، فنراقب النتائج، فنتعلم ونتكيف، وقد نعيد تعريف الاستراتيجية نفسها.

وهكذا يصبح الفعل اللاحق جزءًا من إنتاج المعرفة الاستراتيجية، لا مجرد تنفيذ لمعارف سابقة.

الحرب بوصفها بيئة لإنتاج الاستراتيجيات

لنفترض أن دولة تدخل صراعًا وهي تتبنى استراتيجية محددة: إضعاف الخصم بسرعة وإجباره على التسوية.

هذه هي الاستراتيجية المقصودة. لكن الخصم قد يصمد، وقد تدخل أطراف أخرى، وتتغير أسعار الطاقة، وتظهر أدوات عسكرية جديدة، وتتبدل المواقف الشعبية، وربما تُفتح جبهات لم تكن محسوبة.

ومع اتساع التفاعل، قد تتطور أشكال الحرب السيبرانية وحرب المسيّرات والحرب الاقتصادية، فتبدأ الدولة بتعديل عملياتها، ثم أهدافها، ثم تحالفاتها وأدوات الضغط. وقد تضطر، عندما يتعذر تحقيق الأهداف الأولى، إلى البحث عن استراتيجية خروج لم تكن مطروحة بصورتها النهائية.

وبعد مرور الزمن، قد نجد أنها اتبعت استراتيجية مختلفة جذريًا عن تلك التي بدأت بها.

من وضع الاستراتيجية الجديدة؟

قد لا يكون هناك شخص واحد وضعها كاملة في اجتماع واحد؛ فقد تبلورت من قرارات متعاقبة واستجابات متبادلة خلال الصراع.

وهنا يتحول الصراع، من مجال لتنفيذ الاستراتيجية فحسب، إلى بيئة قد تنتج فيها استراتيجيات جديدة.

ومن الأمثلة التاريخية التي تساعد على فهم ذلك تشكّل سياسة الاحتواء الأميركية للاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية.

لم تدخل الولايات المتحدة الحرب وهي تحمل استراتيجية مكتملة لاحتواء حليفها السوفييتي؛ فقد كان الطرفان شريكين في الحرب ضد ألمانيا النازية. لكن نهاية الحرب كشفت تدريجيًا عن خلافات تتعلق بالنفوذ السوفييتي في أوروبا الشرقية، والأزمة الإيرانية عام 1946، والضغوط على تركيا، والتطورات اليونانية، وغيرها من الملفات.

ولم تكن كل واقعة منفردة كافية لتفسير ظهور سياسة عالمية جديدة، لكن تراكمها وتفاعلها أسهما في إعادة تعريف التحدي الذي واجهته واشنطن.

وفي شباط/فبراير 1946، أرسل الدبلوماسي جورج كينان «البرقية الطويلة» من موسكو. وكانت أهميتها أنها قدمت تفسيرًا للسلوك السوفييتي، وأسهمت في بناء الإطار الفكري الذي ستتبلور ضمنه سياسة الاحتواء.

ثم تتابعت محطات رئيسية: مبدأ ترومان عام 1947، ومشروع مارشال، وأزمة حصار برلين بين عامَي 1948 و1949، وتأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949.

ولا يعني ذلك أن الاحتواء نشأ من دون تخطيط؛ فقد شارك في بلورته صناع قرار ومفكرون، وشهدت صيغته نفسها خلافات وتعديلات. لكنه يقدم مثالًا على استراتيجية كبرى تبلورت من تفاعل وقائع واستجابات وتصورات لم تكن موجودة بصورتها المكتملة في بداية الحرب العالمية الثانية.

ويمكن استحضار الثورة الفرنسية من زاوية أخرى. فأحداث عام 1789 لم تبدأ بخطة موحدة لإلغاء الملكية وإقامة الجمهورية وإعادة تشكيل أوروبا. لقد بدأت في سياق أزمة مالية وسياسية واجتماعية، ثم أدت التفاعلات بين الشارع والجمعيات السياسية والملك والمؤسسات والأزمات الداخلية والخارجية إلى نتائج تجاوزت مقاصد كثير من الفاعلين الأوائل.

وهنا ينبغي التمييز بين النتائج التاريخية غير المقصودة وبين الاستراتيجية المنبثقة بالمعنى التنظيمي الدقيق. فالثورة مثال على انبثاق تحولات سياسية كبرى، ويمكن من خلال مراحلها أيضًا دراسة استراتيجيات نشأت أو تغيرت أثناء الفعل.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أوسع:

التحولات التاريخية الكبرى لا تبدأ دائمًا بوصفها مشروعات مكتملة؛ فكثيرًا ما تبدأ وقائع محدودة، ثم تتفاعل لتنتج واقعًا لم يكن أي فاعل قد صممه كاملًا.

والفاعل الاستراتيجي الأقدر على التكيف هو من يستطيع اكتشاف أن ما بدا حادثة منفردة بدأ يتحول إلى اتجاه، وأن ما بدا اتجاهًا أخذ يتحول إلى بنية.

وهذا يمنح التفكير في الاستراتيجية المنبثقة قيمة تتجاوز مجرد توقع المستقبل: إنه محاولة التقاط الأنماط الجديدة في اللحظة التي تبدأ فيها بالتشكل داخل الحاضر.

وهكذا لا يعود السؤال الاستراتيجي مقتصرًا على معرفة الخطة التي سبقت الحدث، بل يمتد إلى فهم الاستراتيجية التي بدأت تتشكل من تفاعلاته. لكن ماذا يحدث عندما تتسارع هذه التفاعلات في عالم الشبكات والذكاء الاصطناعي، وتصبح النتائج الجديدة مدخلًا لإنتاج نتائج أخرى؟

هذا هو السؤال الذي ستيحاول الجزء الثاني من هذا الفصل الإجابة عنه غداً (الجمعة)، حيث لا يعود الانبثاق مفهومًا يفسر نتائج الماضي فحسب، بل يصبح مدخلًا لفهم التحولات الجارية والقدرة على التكيف معها وهي لا تزال في طور التشكّل.

(*) جزء من فصل في كتاب «كيف تغيّرت السياسة» — قيد الإعداد؛ لمراجعة كتابات الدكتور عماد فوزي شعيبي، إضغط على الرابط الآتي في موقع 180 بوست.

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  مرحبا.. أنا ChatGPT سأُحدّثكم عن نفسي!