سوريا تغيّرت.. هل من مراجعة لبنانية أم فقط تبديل مواقع؟

أعادت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في تموز/يوليو 2026، وحركة زيارات واستقبالات القائم بالأعمال السوري في لبنان إياد الهزاع، طرح سؤال يتصل بالذاكرة اللبنانية المثقوبة؛ فاستعادة العلاقات الطبيعية بين بلدين جارين ضرورة لا يُعكر ضرورتها مسار مضى، لكن هذا التطبيع لا يمحو الذاكرة، كما أن تغيّر الظروف لا يعفي أصحاب المواقف السابقة من تفسير خياراتهم، ماضياً وحاضراً.

في صلب تقاليد السياسة في لبنان أن تعيد القوى السياسية اللبنانية تموضعها تبعاً للتحولات، حتى بات الانتقال من موقع إلى آخر ممارسةً مألوفةً في السياسة اللبنانية. لكن ثمة فرقاً بين مراجعة تستند إلى إعادة تقييم التجربة ونتائجها، وتبديل تفرضه موازين القوى من دون مراجعة معلنة لما سبقها.

ليس التمسك بالمواقف القديمة فضيلة في ذاته، كما أن تغييرها لا يشكّل دليلاً تلقائياً على الانتهازية. فقد يكتشف السياسي خطأ تقديراته، أو تتغير الظروف التي استند إليها موقفه، فيصبح التراجع ضرورة سياسية. لكن المراجعة الحقيقية تقتضي الاعتراف بما تغيّر، وتفسير أسباب التحول، وتحمل مسؤولية الخيارات السابقة. أما الانتقال الصامت بين المواقع، فيطرح سؤالاً مختلفاً: هل تغيّرت القناعات، أم تغيّرت الجهة التي باتت تملك النفوذ؟

المسألة أخلاقية. فالسياسي لا يُحاسَب لأنه غيّر موقفه، بل على الطريقة التي يُغيّر فيها موقفه، لكن الأهم أن يُبدي استعداده أمام جمهوره لمصارجته بأسباب تحوله. وحين يُقدَّم موقف ما باعتباره مبدأ ثابتاً، ثم يُتجاوز بمجرد تغيّر موازين القوة، من دون تفسير أو مراجعة، تصبح المرونة وسيلة لتجنّب المحاسبة، لا أداة لتصحيح مسار ما.

الرمزية الدينية وإعادة ترتيب المواقع

يحمل حضور دار الفتوى في الشمال استقبال وزير الخارجية السوري، وزيارة القائم بالأعمال السوري دار الإفتاء في البقاع، دلالات تتجاوز البروتوكول، من دون أن يثبت ذلك بحد ذاته وجود حسابات سياسية خفية أو نيات محددة لدى المؤسستين. فالمؤسسات الدينية تستطيع أن تسهم في فتح قنوات التواصل، وأن تمنح اللقاءات بعداً اجتماعياً ووطنياً يتجاوز العلاقات الرسمية.

لكن قراءة المشهد السياسي لا تتوقف عند رمزية المكان ومضمون اللقاءات، بل تشمل أيضاً تركيبة الحضور، ودلالة الغياب، والجهة التي وجّهت الدعوة. فغياب عدد من المشايخ والجهات التي ارتبطت بمواقف مؤيدة للثورة السورية، ومنها هيئة علماء المسلمين وممثلون عنها، إضافة إلى الجماعة الإسلامية ذات الاداء الملتبس يلفت الانتباه، خصوصاً في مقابل حضور شخصيات لبنانية عُدّت من حلفاء النظام السوري السابق. ولا يكفي هذا التفاوت لإثبات وجود استبعاد متعمّد، لكنه يثير سؤالاً مشروعاً عن المعايير التي تحكم الدعوات للقاءات من هذا النوع، وما إذا كان الانفتاح شاملاً أم انتقائياً؟

ولا يقف السؤال عند مَن حضر ومَن غاب، بل يمتد إلى مَن دعا، وما الذي أراد تحقيقه من اللقاء. فقد تكون الزيارة خطوة نحو بناء علاقة مؤسسية طبيعية، لكنها قد تتيح أيضاً للجهة الداعية تأكيد حضورها في المرحلة الجديدة، وللجهة الزائرة إظهار انفتاحها على مرجعية دينية واجتماعية لبنانية. وهنا يبرز احتمال تقاطع المصالح، بحيث يستفيد الطرفان من اللقاء والصورة التي أنتجها، من دون أن يعني ذلك وجود اتفاق سياسي مسبق أو نيات خفية.

ففي السياسة، لا تكون الصورة دائماً مجرد انعكاس للواقع؛ فقد تسهم أيضاً في إعادة تشكيله. والسؤال ليس فقط مَن ظهر فيها، بل مَن امتلك حق تحديد مَن يظهر، ومَن بقي خارج المشهد، وأي رسالة أراد اللقاء إيصالها. فالفارق كبير بين انفتاح يوسّع دائرة التواصل، وآخر يعيد ترتيب الحضور ويكرّس أدواراً بعينها. ويبقى السؤال: هل تؤسس هذه اللقاءات لعلاقات مؤسسية مستقرة، أم تسهم أيضاً في تثبيت مواقع قوى تتكيّف مع السلطة الجديدة كما تكيفت مع السلطات الغابرة؟

من البراغماتية إلى إعادة إنتاج الخطأ

من حق دمشق أن تتعامل مع مختلف القوى اللبنانية، وليس مطلوباً منها أن تجعل علاقاتها الجديدة امتداداً لخصومات الماضي. لكن نجاح الانفتاح لا يُقاس بعدد اللقاءات أو باتساع دائرة الشركاء، بل بقدرة العلاقة على تجاوز الآليات التي حكمت التجربة السابقة.

ولطالما استعانت قوى لبنانية بدمشق لتعزيز مواقعها الداخلية، فيما أتاحت الانقسامات اللبنانية للسلطة السورية توسيع نفوذها. وهكذا، لم يكن التدخل الخارجي منفصلاً عن حسابات القوى المحلية، بل ارتبط أحياناً باستعداد هذه القوى للاستعانة به في صراعاتها. ومع تغيّر سلطة دمشق، لا تختفي هذه الآلية تلقائياً. فقد تجد قوى لبنانية في السلطة الجديدة فرصة لتعزيز مواقعها، وقد ترى دمشق في الانقسامات اللبنانية مجدداً مدخلاً لتوسيع حضورها. وإذا التقت المصالح على هذا الأساس، فقد تتغير التحالفات والوجوه، فيما يستمر المنطق الذي جعل العلاقة في مراحل سابقة أداة في صراعات الداخل اللبناني.

هنا لا تكمن المخاطرة في انفتاح دمشق على القوى اللبنانية، بل في أن يتحول الانفتاح إلى إعادة إنتاج لعلاقة تختلط فيها مصالح الدول بحسابات القوى السياسية اللبنانية. فالشريك الذي يتقرب من السلطة لأنه يحتاج إلى نفوذها قد يبتعد عنها عندما تتغير موازين القوة، والسلطة التي تخلط بين توسيع دائرة علاقاتها وبناء شراكات مستقرة قد تكتشف أن كثرة الحلفاء لا تعني ثبات المصالح.

إقرأ على موقع 180  قراءة في رسالة جهاد بنّوت إلى العقل السياسي العربي

بهذا المعنى، لا يكفي أن تتعلّم القوى اللبنانية من تجربتها مع النظام السابق، بل تحتاج السلطة الجديدة في دمشق أيضاً قراءة تلك التجربة. فالمصلحة السياسية لا تقتصر على كسب الشركاء، بل تشمل فهم دوافعهم، والتمييز بين من يريد علاقة متوازنة بين دولتين ومن يسعى إلى توظيف العلاقة في صراعاته الداخلية.. فدمشق، لا تكمن مصلحتها في توسيع دائرة مريديها فحسب، بل في بناء علاقات تستند إلى مصالح واضحة وقواعد مستقرة، لا إلى تقاطعات ظرفية تتبدل مع تبدل موازين القوة. فالانفتاح قد يكون ضرورة، لكنه لا يضمن وحده شراكة متوازنة.

سوريا تغيّرت، ومن حقها أن تعيد بناء دولتها وعلاقاتها. لكن الاختبار اللبناني لا يتعلق بمن وصل إلى السلطة الجديدة، بل بما إذا كانت القوى السياسية قادرة على تفسير لعبها على حبال الخارج وتحمل مسؤولية خياراتها. والاختبار السوري لا يتعلق بمن تستقبل دمشق، بل بقدرتها على التمييز بين الشريك الذي يسعى إلى علاقة مستقرة، والطرف الذي يتكيّف مع السلطة القائمة ما دامت تخدم حساباته.

ولعلّ في دهاليز دمشق ما يختصر بعض قواعد السياسة التي لا تشيخ: ليس كل تقارب مصالحة، ولا كل قطيعة خصومة نهائية، ولا كل حضور شراكة، ولا كل غياب خروجاً من الحسابات. فبين استرضاء الخصم واستيعابه، تُدار معارك النفوذ أحياناً بعيداً عن المواجهة المباشرة.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الجماعة الإسلامية في لبنان.. في زمن التحولات الإقليمية (4)