الأسد يتبلغ “سراً عسكرياً كبيراً”: مقتل الضابط محمد سليمان (124)

يستعرض الكاتب "الإسرائيلي" رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل أولاً" التقييم "الإسرائيلي" لمرحلة ما بعد عملية اغتيال القيادي الكبير في حزب الله عماد مغنية في شباط/فبراير 2008، ولا سيما طرح بعض الرؤوس "الإسرائيلية" الحامية فكرة اغتيال الرئيس السوري بشار الأسد، غير أن رئيس الحكومة حينذاك إيهود أولمرت رفض الفكرة، لينتقل النقاش إلى خطة اغتيال الجنرال السوري محمد سليمان.

يقول رونين بيرغمان عن عملية اغتيال عماد مغنية إنها تركت السوريين في حالة من الصدمة، “فقائد حرب العصابات وسيد العمليات التكتيكية على مدى ثلاثة عقود من الزمن والذي استطاع أن يتملص من كل جهود الاستخبارات “الإسرائيلية” والأمريكية وأربعين دولة أخرى، ليتم اغتياله حرفياً تحت مقر قيادة استخباراتهم، حيث تحطم زجاج بعض نوافذ المباني جراء الانفجار”. وينقل الكاتب عن رئيس “الموساد” مائير داغان قوله “فقط، فكّر ماذا فعل ذلك بالسوريين، تماماً في قلب المكان الأكثر حراسة في دمشق. فكّر ماذا فعل ذلك بالأسد، ماذا فعل بحزب الله عندما اكتشفوا كلهم أنهم ليسوا بأمان حتى في دمشق. بذلك أنت تعطي العدو الشعور بأنه أصبح مخترقاً استخبارياً بشكل كامل، تعطيه الشعور بأنك تعرف كل شيء عن المنظمة وعن الدولة المضيفة لها”.

ويضيف بيرغمان، “أدرك الأسد ضخامة الكارثة وأراد أن يبقى أبعد ما يمكن عن كل الموضوع، فأرسل تعازيه إلى (الأمين العام لحزب الله السيد حسن) نصرالله واقترح ألا يُصار إلى ذكر الهجوم في الإعلام السوري، حتى أنه اقترح أن يُصار إلى نقل حطام سيارة “الباجيرو” وفيها جثمان مغنية سراً خلال الليل إلى بيروت، ليبدو الأمر وكأن مغنية قتل هناك. رفض نصرالله الأمر، يقول الكاتب، فقد كان غاضباً جداً من السوريين الذين فشلوا في الاهتمام بأمن رفيقه، وحتى أن بعض أعضاء حزب الله – ومن ضمنهم زوجة مغنية ـ اتهموا بشكل خاطىء السوريين بتورطهم في قتله. اضطر الأسد أن ينفي وأن يعتذر مراراً وتكراراً، وأصدر نصرالله أوامره بألا تُوجه الدعوة إلى أي ممثل لسوريا للمشاركة في جنازة مغنية في بيروت. جرت مراسم الجنازة تحت طوفان من المطر الغزير، وسار موكب المشيعين الشيعة بمشاركة مُشيعين من السنة الذين كانوا قد سبق لهم أن شيّعوا قائدهم المحبوب رفيق الحريري الذي قتل بأوامر من مغنية تماماً قبل ثلاث سنوات.. هكذا هي الحياة في لبنان”، يقول بيرغمان.

اتصل كبير مرافقي سليمان بالقصر الرئاسي وأبلغ الأسد أن أقرب مساعديه قد قتل بست رصاصات من اتجاهين ولم يرَ أحد منفذي عملية الاغتيال. أصغى الأسد وبقي صامتاً لدقيقة من الوقت، وقال بعدها بحزم “ما حصل قد حصل، هذا سرٌ عسكريٌ كبيرٌ. ادفنوه الآن وفوراً من دون إخبار أحد. هذا كل شيء”

تمكن الآلاف من حشر أنفسهم في قاعة ضخمة جنوب بيروت حيث اعتاد حزب الله أن يقيم احتفالاته، وبقي عشرات الآلاف خارج القاعة. وحمل نعش مغنية إلى منصة فيما حاول الكثير من المشيعين الوصول إليه ولمسه ليتباركوا منه ومن قدسية رحلته الأخيرة، فيما أحاط حرس الشرف من حزب الله بالنعش على المنصة وهم يرتدون الزي الكاكي بمشاركة قادتهم بوجوههم المكفهرة وثيابهم السوداء. وعلى جدران القاعة كما في أيدي المشيعين كانت ترفع آلاف الصور الحديثة لمغنية، التي فقط حينها، بعد موته، سُمح بنشرها وكُتب تحتها “البطل القائد الشهيد”.. وهتف الحشد بحزن عميق مطالباً بالانتقام، حسب رواية بيرغمان.

ووفاء منه لرغبة رفيقه الراحل، بقي نصرالله في ملجأه ولم يظهر في الجنازة، وبكلمات مهيبة وعبر شاشة عملاقة، رثى نصرالله كبير المقاتلين لديه “الذي كرّس حياته للشهادة ولكنه انتظر لسنوات ليصبح هو نفسه شهيداً”. وذكّر بعملية اغتيال سلفه في الأمانة العامة (السيد) عباس الموسوي وكيف أنها لم لم تؤدِ سوى إلى تقوية المقاومة وقادت الى المزيد والمزيد من اذلال “إسرائيل”، وقال “إن الإسرائيليين لم يفهموا ماذا فعلت دماء الشيخ عباس لحزب الله، وما أعطتنا من فرادة روحية وعاطفية، فليسجل العالم اليوم وعلى مسؤوليتي أنه مع (تحول مغنية إلى شهيد) فإننا نُحدّد تاريخياً بداية سقوط دولة إسرائيل”.. فردّت الجموع بهتاف “لبيك يا نصرالله”. فختم نصرالله كلمته بالتهديد “لقد تجاوزتم الحدود أيها الصهاينة فان أردتموها حرباً مفتوحة ـ حرباً خارج حدود إسرائيل ولبنان ـ فلتكن كذلك حرباً مفتوحة”!

يتابع بيرغمان قائلاً “إن نصرالله والإيرانيين عيّنوا على الأقل أربعة اشخاص لتولي مهام مغنية. ولكن “الحرب المفتوحة” لم تحصل، فالخرق الاستخباري الذي أدى إلى زراعة العبوة في سيارة “الباجيرو” لمغنية سمح لـ”إسرائيل” أن توقف كل خطط الهجمات التي كان حزب الله يُعد لها. فقط واحدة من هذه الخطط نجحت وكانت عبارة عن هجوم انتحاري عندما فجّر شخص نفسه على مقربة من حافلة تقل سياحاً “إسرائيليين” في بلغاريا ما أدى إلى مقتل ستة وجرح ثلاثين آخرين”.

وبموته، يقول بيرغمان، ثبت أن أسطورة مغنية كانت حقيقية، ويقول مائير داغان “لقد كانت قدراته العملياتية أكبر من الرباعي الذي حل محله”، فغياب مغنية جعل الأمر يبدو واضحاً من خلال عدم مقدرة حزب الله على الرد على عملية اغتياله”. وينقل بيرغمان عن أحد ضباط جهاز “أمان” قوله “لو كان مغنية موجودا للرد على اغتياله لكن الوضع مختلفاً بشكل كلي، من حظنا أنه لم يكن”.

محمد سليمان بعد مغنية!

ينتقل الكاتب هنا للحديث عن الجنرال في الجيش السوري محمد سليمان. يقول “إنه في أقل من ستة أشهر، خسر الجنرال سليمان منشآته النووية التي نجح في إبقائها سرية لخمسة أعوام، وخسر حليفه الموثوق عماد مغنية الذي تمكن من خداع الموت لعقود من الزمن. أمر الجنرال سليمان بالتحضير لاطلاق صورايخ “سكود” على “إسرائيل”، وبعضها يجب أن يكون مُحملاً برؤوس كيميائية، وطلب أن يقوم الأسد بالرد بهجوم عدائي كبير. رفض الأسد ذلك، فهو كان يتفهم غضب جنراله ولكنه كان يعلم أن هجوماً مفتوحاً ضد “إسرائيل” ـ من دون الكلام عن هجوم كيميائي ـ لم يكن في مصلحة سوريا. هذا السلوك “ينم عن انضباط” قال (رئيس الحكومة ايهود) أولمرت خلال اجتماعه بزعيم الأقلية في الكونجرس الأمريكي جون بونر، وقال أيضاً لأقرب مستشاريه “بشار ليس غبياً” وأضاف “الأسد الذي نحب جميعاً أن نكرهه يُعبّر عن اعتداله وبراغماتيته في الرد”.

إقرأ على موقع 180  هجوم أصفهان في الصحافة العبرية.. وإنتظار رد إيران!

ويتابع بيرغمان، “تماماً مثل الأسد، فإن أولمرت ضغط من أجل تليين مواقف مساعديه الذين كان العديد منهم يعتقد أنه يجب قتل الأسد أيضاً فهو تحالف مع الإيرانيين”. وينقل الكاتب عن أحد كبار مسؤولي جهاز “أمان” قوله “إن كل القصص عن التقدمية الغربية التي يتمتع بها طبيب العيون (الأسد) لم تكن إلا مجرد تفكير يُعبّر عن رغبات لا أكثر. فهو قائد متطرف وعلى عكس والده لديه ميل للمغامرات الخطيرة”. لكن أولمرت رفض الفكرة وقال “إنه بالتحديد مع هذا الرجل بالامكان التوصل إلى معاهدة سلام”. وأضاف أن الجنرال سليمان هو حالة مختلفة “سليمان كان في الحقيقة سيء (وصف بذيء) مع قدرات معتبرة في التنظيم والمناورة”. وتبعاً لوثيقة سرية للغاية لوكالة الأمن القومي الأمريكية (إن إس ايه) فان سليمان “كان ثاني أقوى رجل في سوريا”، وتضيف الوثيقة “هو مساعد الرئيس في ثلاثة أمور اساسية، الشؤون الداخلية السورية المرتبطة بالنظام والحزب (البعث)، الأمور العسكرية الحساسة، والأمور المتعلقة بلبنان التي كان من خلالها مرتبطاً بحزب الله وبآخرين في المسرح السياسي اللبناني”.

هذه المرة، كان معلوماً لـ”الإسرائيليين” أنه لم تكن هناك أي فرصة لأن تتورط الولايات المتحدة. فمغنية الذي قتل مئات الأمريكيين كان شيئاً والجنرال السوري الذي يحمل وظيفة رفيعة المستوى في دولة ذات سيادة كان شيئاً مختلفاً كلياً. وهكذا فقد أخذوا يُخطّطون بطريقتهم ولوحدهم للتخلص من سليمان.

بعد عملية اغتيال مغنية، “تم تشديد التدابير الأمنية في دمشق”، يقول بيرغمان، لذلك، جرى استبعاد أي فكرة لتنفيذ العملية هناك (قتل سليمان). وكان سليمان تحت حراسة لصيقة ويواكبه بصورة دائمة موكب من الآليات المصفحة، لذلك فإن امكانية استخدام عبوة ناسفة كانت مرفوضة أيضاً. فتوصل مائير داغان إلى الإستنتاج بأن “الموساد” سوف يحتاج للمساعدة، وحينها صودف أيضاً أن “الجيش الإسرائيلي” كان تواقاً لتولي العمل. فالمجد الذي ناله “الموساد” جراء اغتيال مغنية فتح شهية القادة العسكريين لأن ينفذوا هم أيضاً عملية اغتيال شخصية مرموقة بحيث تكون “الإصبع التي تضغط على الزناد لجندي وليس لعميل في “الموساد”.

خلال ثلاثين ثانية بعد إطلاق قناصي الفرقة “فولتيلا 13” رصاصاتهم من موقعين مختلفين على الشاطىء كانا قد أصبحا على متن زورقين سريعين يتجهان إلى زورق حربي تاركين خلفهم على الشاطىء سجائر سورية رخيصة كجزء من عملية تضليل إعلامي ليبدو الأمر وكأن الاغتيال نتاج صراع داخلي سوري

يوم الجمعة في الأول من أغسطس/آب عام 2008، عند الرابعة من بعد الظهر، أنهى محمد سليمان يوم عمله في القصر الرئاسي أبكر من المعتاد وانطلق متوجها شمالاً بموكبه الأمني. كانت وجهته هي مقر اقامته الصيفية على شاطىء البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة طرطوس الساحلية وهو عبارة عن فيلا واسعة تطل على البحر مع فناء من الحجر اللامع. في تلك الأمسية، دعا الجنرال سليمان عدداً من المسؤولين المحليين لتناول العشاء معه ومع زوجته رحاب وكبار مساعديه وكان يقوم على خدمته عدد من الخدم وبطبيعة الحال حرسه الخاص. وكانت حفلة العشاء تتم على طاولة مستديرة مطلة على منظر رائع لغياب الشمس في البحر. جلست زوجة سليمان إلى يساره وجلس مدير مكتبه إلى يمينه فيما كان رجلان يدخنان سيجارين كوبيين كبيرين.

يتابع بيرغمان، “فجأة ترنح الجنرال في كرسيه إلى الخلف ليعود ويندفع إلى الأمام ويسقط وجهه في صحن الطعام أمامه. شُقّت جمجمته بفتحة كبيرة وتناثرت قطع العظام وبقايا الدماغ وبقع الدماء على زوجته رباب. أصيب سليمان بست رصاصات، الأولى في الصدر، ثم في الحنجرة ثم في مقدمة جبهته ثم ثلاث طلقات في الظهر بعد سقوطه. كان الرجل قد مات قبل سقوط وجهه في الصحن. خلال ثلاثين ثانية بعد إطلاق قناصي الفرقة “فولتيلا 13″ رصاصاتهم من موقعين مختلفين على الشاطىء كانا قد أصبحا على متن زورقين سريعين يتجهان إلى زورق حربي تاركين خلفهم على الشاطىء سجائر سورية رخيصة كجزء من عملية تضليل إعلامي ليبدو الأمر وكأن الاغتيال نتاج صراع داخلي سوري”.

تبع ذلك بحث محموم عن مطلقي النار في كل أرجاء الفيلا، واتصل كبير مرافقي سليمان بالقصر الرئاسي وأبلغ الأسد أن أقرب مساعديه قد قتل بست رصاصات من اتجاهين ولم يرَ أحد منفذي عملية الاغتيال. أصغى الأسد وبقي صامتاً لدقيقة من الوقت، وقال بعدها بحزم “ما حصل قد حصل، هذا سرٌ عسكريٌ كبيرٌ. ادفنوه الآن وفوراً من دون إخبار أحد. هذا كل شيء”. أقيمت الجنازة في اليوم التالي بسرية تامة. وتتابع وثيقة الأمن القومي الأمريكي قائلة “لقد كانت المرة الأولى التي تقوم فيها إسرائيل باستهداف مسؤول حكومي شرعي”.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  صندوقة اردوغان الرئاسية.. في الشمال السوري!