الجولاني… “إدلب المفيدة” بين الهدن ووساطة “قاعدة اليمن”

"إدلب بخير ونحن أمام مسار طويل من الهدن ووقف إطلاق النار قد يستمر لعدة سنوات .. فالتقطوا أنفاسكم". هذه خلاصة اجتماع استثنائي عُقد مؤخراً بين قيادة "هيئة تحرير الشام" وقيادات فصائل أخرى لمناقشة الأوضاع في إدلب.

كلامُ أبي محمد الجولاني الهادئ والمطمئن جذب انتباه الحاضرين وبدأ بعضهم يطرح أسئلة حول أسبابه وخلفياته خاصة في ظل المعارك الدائرة، حسب ما نقل لموقع “180” مصدر مطلع على مجريات الاجتماع.

تعرضت منطقة خفض التصعيد في إدلب لثلاث حملات عسكرية كبيرة. انتهت الأولى في مثل هذه الأيام من عام 2018 بعدما سيطر الجيش السوري على ما يقارب 300 قرية وبلدة في ريف إدلب الشرقي وصولاً إلى مطار أبو الضهور العسكري. أعقبتها حملة ثانية في مطلع عام 2019 تمخضت عن سيطرة الجيش على بلدات ريف حماة الشمالي والدخول إلى ريف إدلب الجنوبي باسطاً سيطرته على خان شيخون. ثم جاءت الحملة الثالثة التي وصل فيها الجيش الشهر الماضي إلى مشارف معرة النعمان بعدما أحكم سيطرته على جرجناز.

توحي حصيلة الحملات السابقة بتقدم كبير للجيش السوري وهزائم بالجملة لحقت بالجماعات المسلحة وهو ما تثبته الوقائع ولا يستطيع أحد أن ينكره. لكن هذا التقييم قد تشوبه الكثير من المبالغة إذا نُظر إليه من زاوية “هيئة تحرير الشام” فقط بمعزل عن باقي الفصائل.

في ريف إدلب الشرقي، اندلعت المعركة آنذاك في وقت كانت الخلافات داخل هيئة تحرير الشام قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة جراء الانقسام الذي حصل بسبب الموقف من البيعة لزعيم تنظيم “القاعدة” العالمي أيمن الظواهري. وما زالت الاتهامات تلاحق الجولاني حتى اليوم بأنه قام بتسليم مناطق الريف الشرقي دون قتال فعلي. وسبب ذلك حسب المنتقدين أن قسماً كبيراً من قيادات ومقاتلي ذلك الريف كانوا ضد فك الارتباط مع “القاعدة”، وهو ما دفع الجولاني إلى التخلي عنهم وتركهم لمصيرهم من دون أن يقدم لهم أي دعم لوجيستي. وكأنّ الذين ينتقدون الجولاني لدوره في تلك المعركة يريدون القول أنه لا يفرق بين سيطرة خصومه من المتمسكين ببيعة الظواهري على أية منطقة وسيطرة الجيش السوري.

وبحسب المعلومات التي كشفت لاحقاً تبين بالفعل أن مجموعات وازنة أعلنت انشقاقها عن “هيئة تحرير الشام” كان أبرزها “جيش البادية” و”جند الملاحم” اللذين شرعا بعد ذلك في تشكيل ما بات يعرف باسم “حراس الدين” مع جماعات وفصائل أخرى.

أما في ريف حماة الشمالي، فالأمر واضح وهو أن جميع المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري كانت تحت سيطرة “جيش العزة” وبعض الفصائل الأخرى. وحتى خان شيخون بوابة ريف إدلب الجنوبي، لم تكن معقلاً اساسياً لـ “هيئة تحرير الشام” بل كانت تسيطر عليها بالشراكة مع فصائل مختلفة. وبالتالي فإن خسارة هذه المناطق رغم أهميتها العسكرية وكونها تمثّل خط دفاع أوليّ عن إدلب إلا أنها لا تُحتسب من جغرافيا “الإمارة الاسلامية” التي يتربع الجولاني على عرشها.

ويمكن قول الشيء ذاته عن الحملة العسكرية الأخيرة التي كانت تستهدف السيطرة على معرة النعمان كهدف مرحلي يتوخى في نهاية المطاف السيطرة على الطريق الدولي الذي يمر عبرها وذلك قبل أن تتوقف نتيجة اتفاق الهدنة الروسي – التركي، إذ تشير خرائط السيطرة إلى أن معرة النعمان وأريحا وأجزاء من جبل الزاوية وكفرنبل هي مناطق غير خاضعة عمليّاً للسيطرة العسكرية لـ “هيئة تحرير الشام”. وكانت آخر جولات الصراع بين الأخيرة والفصائل المناوئة لهاقد أفضت  إلى عقد اتفاق يقضي بخضوع كافة هذه المناطق لإدارة “حكومة الانقاذ” التابعة للهيئة ولكن على أن تبقى الفصائل المسلحة الأخرى متواجدة فيها بكامل عدتها وعتادها. لذلك، لا تعتبر هذه المناطق من ضمن الجغرافيا الجهادية التي يحرص الجولاني على الدفاع عنها أو القتال في سبيلها خاصةً أن المدن والمناطق السابقة طالما شكلت بؤراً لخروج المظاهرات المناهضة لحكم الجولاني.

وقد يكون تنظيم “داعش” بحكم معرفته العميقة بالجولاني وتوجهاته كونه كان تابعاً له ودخل إلى الشام مندوباً عنه في بدايات الأزمة السورية، هو الأقدر على فهم ما يجول في ذهن الأخير وما هي مخططاته للتعامل مع الملف الإدلبي.

وانطلاقاً من الحقائق السابقة حول الحملات العسكرية وتأثيرها الضئيل نسبياً على “إمارة الجولاني” حتى الآن، لم يكن من المفاجئ أن يطرح “داعش” مصطلح “إدلب المفيدة” لتفسير ما يجري هناك على صعيد العمليات العسكرية وموقف الجولاني منها.

تشمل “إدلب المفيدة” المناطق التي “يعتقد الجولاني المرتدّ وحزبه أنها مؤيدة لهم أو على الأقل لن تدخل في صراع معه” وتشمل كذلك “المناطق ذات الثقل الاقتصادي والسياسي والإداري التي تؤمن له المزيد من موارد القوة المالية والبشرية داخلياً، وتفتح له أبواب التواصل مع استخبارات الطواغيت والصليبيين خارجياً” وليس من المصادفة أن جميع هذه المناطق تقع شمال وغرب الطريق الدولي M4 وصولاً إلى الحدود التركية.

أما “إدلب عديمة الفائدة” فهي جميع المناطق الأخرى وعلى رأسها تلك التي تعارض الجولاني أو لا تدر عليه موارد أو يتطلب الدفاع عنها سحب قوات من “إدلب المفيدة” مما قد يهدد “إمارة الجولاني”.

ما زال الجولاني ينظر إلى التطورات بمنظور تفاؤلي، وهو مقتنع أن الخطر لن يقترب منه قبل “ثلاث أو أربع سنوات”

وبالعودة إلى المصدر المطلع الذي تحدث إلى موقع “180”، فقد أكّد أن كل ما جرى ويجري في إدلب لم يهز عرش الجولاني، لذلك ما زال الأخير ينظر إلى التطورات بمنظور تفاؤلي خاصةً وأنه مقتنع أن أي خطر حقيقي لن يقترب منه قبل “ثلاث أو أربع سنوات” سيتمكن خلالها من تكريس “سمعته ونفوذه الجهاديين”، ومن مراكمة ثروات مالية ضخمة تمكنه من الاستعداد لأية مرحلة قد تعقب “زمن التمكين”.

ويتراوح ارتكاس الجولاني بين أمرين، الأول هو عدم المبالاة كثيراً بخسارة مناطق تقع جنوب وشرق الطريقين الدوليين طالما أنها غير خاضعة لسيطرته العسكرية اساساً، وطالما أنه يدرك أنها مشمولة بالاتفاق التركي – الروسي، وبالتالي تقتصر استراتيجيته هناك على عرقلة تنفيذ الاتفاق، في مسعى لتحقيق مكاسب أو تخفيف ضغوط من الجانب التركي، من دون أن يستميت في محاولة منع تطبيقه عند اللزوم. والثاني هو الرهان على سلسلة الهدن التي تعمل روسيا وتركيا على فرضها بعد أي حملة عسكرية للجيش. وتمثل هذه الهدن بالنسبة للجولاني الدليل القاطع على صحة توجهاته وسياساته.

ولم تقتصر استفادة الجولاني من الهدنة الأخيرة برغم هشاشتها، على كسب مزيد من الوقت وحسب، بل تشير معلومات المصدر السابق إلى أن من شأن أي هدنة أن تؤدي إلى تهدئة الخلافات بين “هيئة تحرير الشام” و”فرع تنظيم القاعدة في سوريا” ممثلاً بـ”حراس الدين”.

جددت “قاعدة اليمن” مساعيها للتوسط بين “هيئة تحرير الشام” و”حراس الدين”

في هذا السياق قال المصدر: أن “خبيب السوداني” القيادي الشرعي في قاعدة “اليمن”، جدد في الآونة الأخيرة مساعيه للتوسط بين الجانبين “الهيئة” و”الحراس” عملاً بفحوى التسجيل الصوتي الذي وجهه قاسم الريمي زعيم فرع “قاعدة اليمن” إلى “المجاهدين في الشام” وطالبهم فيه بالتوحد وإنهاء الخلافات.

وكان موقع 180 قد أشار في تقرير منشور في تشرين الثاني/نوفمبر  إلى أن قاعدة اليمن أطلقت وساطة ثلاثية في سوريا بعد مقتل أبي بكر البغدادي. ومما لاشك فيه أن أجواء الهدنة يمكن أن تساعد على إنجاح هذه الوساطة لأن الخلاف الرئيسي بين الطرفين بات يتمثل في الموقف من الجيش التركي وتدخله في الملف الإدلبي.

لذلك فإن خفوت صوص الرصاص قد يجعل قيادة حراس الدين أكثر مرونة في تحديد موقفها الشرعي من الجولاني وسياساته، ومن شأن ذلك بطبيعة الحال أن يساعد الأخير في تسويق شرعيته “الجهادية” وفرض نفسه لاعباً أساسياً برغم خلافه مع الظواهري.

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free