“حلف مكة” في طهران.. في انتظار صناديق واشنطن

ليس حدثاً عادياً أن يزور وفد من "حلف مكة" العاصمة الإيرانية، في خضم ما يجري من أحداث في المنطقة والعالم، ولعل أبرزها الانتخابات الإسرائيلية ثم الانتخابات النصفية الأميركية.

أولاً؛ لا بد من التوقف عند المستوى الرفيع للوفد الثلاثي الذي زار طهران وضم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد الحالي، ومدير المخابرات التركية إبراهيم كالن، إذ لم يسبق للعاصمة الإيرانية أن إستقبلت وفدا بهذا المستوى من الدول الثلاث، وجميعهم من المقربين من دائرة القرار.

ثانياً؛ لعب الجنرال عاصم منير دوراً رئيسياًُ في ترتيبات وفكرة الاجتماع الرباعي، وذلك خلال زيارته الأخيرة إلى طهران الأسبوع الماضي، حيث عرض على القادة الإيرانيين مجيء وفد من حلف مكة لتهنئة القادة الإيرانيين الجدد ولا سيما الجنرال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وكان جواب الأخير أن طهران ترحب بالوفد.

ثالثاً؛ ليس خافياً أن  زيارة من هذا النوع لا يمكن أن تتم إلا بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

رابعاً؛ إن عدم مشاركة المصريين في هذه الزيارة لا تعني أنهم يعارضونها، بل على العكس، ثمة مقاربة مصرية كانت تدعو منذ البداية إلى أن يكون “حلف مكة” خماسياً بانضمام القاهرة وطهران إليه.

خامساً؛ على عكس ما رددته الماكينة الإعلامية الموالية للحرب بأن هذه الزيارة هي بمثابة “الإنذار الأخير” لإيران قبل بدء الجولة الثالثة من الحرب الأميركية، فإن التصريحات الرسمية والمعلومات المقتضبة، بيّنت أن الوفد لم يحمل لا إنذاراً ولا عرضاً أميركياً، بل دعوة إلى إبرام تفاهم بين أهل منطقة الخليج الإيرانية جوهره أن تتولى دول المنطقة الحفاظ على أمنها، وأن ينبع هذا الأمن من داخل المنطقة، لا من خارجها، وبالتفاهم بين دولها.

سادساً؛ اتفق المشاركون على عقد جولة جديدة من المحادثات بين القيادة الإيرانية و”حلف مكة” مطلع الشهر المقبل في إحدى العواصم الثلاث: الرياض أو اسلام أباد أو أنقرة.

في هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على الهدف الأساسي من تشكيل «حلف مكة» والظروف التي نشأ فيها. فقد أُعلن عن تشكيل الحلف في السابع من آب/أغسطس الماضي، وسط حال من المراوحة في الوضع العسكري الميداني للعدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، وفي ظل تمسّك الجانب الإيراني بالدفاع عن سيادته على كامل أراضيه وأجوائه ومياهه الإقليمية، ومن ضمنها مضيق هرمز، واشتراطه لفتح المضيق العودة إلى مندرجات مذكرة التفاهم بينه وبين الجانب الأميركي، التي وُقّعت في نيسان/أبريل الماضي وانقلب عليها الجانب الأميركي. ومن الشروط التي يضعها الجانب الإيراني اليوم إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في دول المنطقة، وأن تتشارك هذه الدول في إيجاد آلية تحفظ الأمن والاستقرار فيها.

لقد اختلفت القراءات بشأن الهدف من قيام «حلف مكة»، بين من اعتبره حلفاً عسكرياً موجهاً ضد إيران، ومن اعتبره موجهاً ضد «إسرائيل»، لا سيما أن علاقات دول هذا الحلف مع «إسرائيل» إما أنها غير موجودة رسمياً، كما هي حال السعودية، أو أنها متوترة، كما هي حال باكستان وتركيا. ولأن دول الحلف الثلاث حليفة لأميركا، على الرغم من رفضها الطلبات الأميركية المتكررة للدخول في الحرب على إيران، التي اندلعت في أواخر شباط/فبراير الماضي، فإن فرضية أن يكون الحلف موجهاً بالأساس ضد الطموحات اليمينية المتطرفة في «إسرائيل»، أكثر منه ضد إيران، تبدو واقعية. وإذا ربطنا ذلك بمذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، التي أجمع المراقبون الدوليون، على أنها إعلان أميركي رسمي بفشل الحملة على إيران، فإن قيام “حلف مكة” من دول حليفة لأميركا، وبضوء أخضر منها، قد يكون الخطة الأميركية البديلة للحرب، بأن تُسلَّم المنطقة إلى هؤلاء الحلفاء إذا ما اضطر الجانب الأميركي إلى الانسحاب منها، وفق أي تسوية يمكن أن تحصل مع إيران.

ومن المعروف أن هذا الحلف، على الرغم من تركيز بنود إعلانه على أنه حلف دفاعي، فإن مكوّناته تشكّل قوة عسكرية وبشرية واقتصادية وجغرافية ضخمة؛ إذ يقارب عدد سكان دول الحلف مجتمعة نصف مليار نسمة، فيما تمتلك باكستان سلاحاً نووياً، وتشكّل تركيا قوة عسكرية وصناعية كبيرة، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم أيضاً.

لكن لكل دولة من دول هذا الحلف حساباتها الوطنية التي تجعلها مقيّدة حيال التفعيل العميق لاتفاقية نشوء الحلف. فلتركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، مشروعها المسمّى «العثمانية الجديدة»، الذي يطمح إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية التي انهارت بعد الحرب العالمية الأولى، في العقد الثاني من القرن الماضي. ويتعارض هذا المشروع، إلى حد احتمال التصادم، مع المشروع الصهيوني في المنطقة، الداعي إلى قيام ما يسمّى «إسرائيل الكبرى». وتركيا، إلى جانب أميركا، دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتلتزم بكل أنظمته وقوانينه، وهي بالتالي لا تستطيع أن تشن حرباً على دول أخرى من دون العودة إلى دول الحلف.

إقرأ على موقع 180  بعد أفغانستان: أوروبا تتكل على الذات.. و"الناتو" مسألة وقت

أما السعودية، فإن أقرب هواجسها ومصاعبها تكمن حالياً في مواجهة حركة «أنصار الله» الحوثية في اليمن، التي تمكّنت من التمدد خلال الشهر الماضي وصولاً إلى باب المندب، وباتت صواريخها ومسيّراتها تضرب في العمق السعودي، وتعطّل حركة الملاحة الجوية، كما حركة استخراج النفط ونقله. وفوق كل ذلك، فإن السعودية تجد صعوبة كبيرة في تقبّل التطبيع مع الكيان «الإسرائيلي»، على غرار ما فعلته بعض الدول العربية، ومنها دول خليجية، في ظل استمرار الاحتلال لمدينة القدس، التي تضم أولى القبلتين، وعدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية يضمن قيام دولة فلسطينية. أما باكستان، فإن حساباتها تكمن في صراعها التاريخي المستمر مع الهند، الذي ينفجر عسكرياً بين الحين والآخر، في ظل تقارب مصلحي مع كل من إيران والصين.

أمام هذه الوقائع، يصبح اللقاء بين دول «حلف مكة» وإيران أقرب إلى البدء ببناء جسور الثقة بين هذه الدول وطهران، للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها بعيداً عن التدخلات والأطماع الخارجية، التي يشكّل المشروع الصهيوني رأس قمتها. وقد لا تعترض الولايات المتحدة على ذلك إذا كان من شأن هذا التقارب أن يضمن لها مصالحها في المنطقة، واستمرار هيمنتها الاقتصادية عليها من خلال حلفائها في دول الحلف، بدلاً من الحليف «الإسرائيلي» الذي أثبت أن مشروعه مشروع حرب لا نهاية لها، ولا يلقى قبولاً شعبياً في المنطقة، على عكس دول الحلف التي يجمعها الإسلام في المقبولية الشعبية.

إن شح المعلومات عن اجتماع «حلف مكة» في طهران، يدفع إلى القول إن الوضع في المنطقة سيبقى في حالة انتظار لما ستسفر عنه الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فهذه الانتخابات تُعتبر “أمّ المعارك” بالنسبة إلى ترامب، لا سيما أنه مُني بهزيمة مدوّية في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، مع فوز الرئيس اليساري لولا دا سيلفا بولاية رابعة، على الرغم من الدعم غير المحدود الذي قدّمه للمرشح اليميني الليبرالي فلافيو بولسونارو، مادياً ومعنوياً وإعلامياً، والدعم المشابه الذي قدّمه لبنيامين نتنياهو من دون أن يتمكن الأخير مع تحالفه من الحصول على أغلبية حاسمة في الكنيست الجديد.

في الخلاصة، ثمة انتظار ثقيل لمآلات ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وكيف ستكون نتائج الانتخابات النصفية؛ وفي هذا السياق، يحاول بعض الوسطاء ملء الوقت الضائع بالمبادرات وآخرها المبادرة القطرية بين طهران وواشنطن والتي يبدو أنها ما زالت تصطدم بالأولوية الأميركية القاضية باخراج أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من إيران، وهو الأمر الذي ترفضه القيادة الإيرانية كلياً حتى الآن.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  من غزّة إلى دمشق مرورًا ببيروت: أميركا ترامب ومسرح الهيمنة الجديدة