على بوَّابة أحد الامكنة التي عملت ذات يومٍ بها، أذكر وجودَ امرأةً عَجوز ضِمن أطقم النظافة؛ تلتزم مكانها ولا تغادره قبل موعد الانصراف. كلما وَصَل شخص؛ كلما انتفضت العجوزُ واقفةً ورأسها مَحنيٌّ قليلًا، بينما يداها إلى جانبيها كأنها تؤدي التمام العسكريّ. إن كانت تمضُغ طعامَ الإفطار كفَّت عن المَضْغ وسكنت اللقمةُ جانبَ فمها، وإن كانت تتحدَّث في المَحمول صَمَتت وسُمِعَ صَوتُ مُحدثها مُنفردًا على الجانب الآخر. رجوتها مرةً وعشرًا أن تظلّ جالسَةً على مقعدها وأن تكتفيَ برد التحية دون مظاهر متكلفة؛ لكنها لم تستطع أن تغيرَ عاداتها. فكرت ذات يوم أن أخاطبها بما قد يجد لديها صدى؛ قلت: "كلنا ولاد تسعة". ضحكت ضحكةً كبيرةً وتخلت عن تحفظها وهي تجيب: "ربنا يعزّك يا دكتوره، ما يصحّش".