كثُر الكلام في الصحافة الإسرائيلية، في الأيام التي تلت وقف إطلاق النار، حول خروج إسرائيل خاسرةً استراتيجيًا برغم بعض النجاحات العملياتية.
يشير جدعون ليفي في “هآرتس” إلى أن إسرائيل “تخرج مثخنةً بالجراح، أضعف وأكثر عزلة”، فيما “تخرج إيران مصابة لكنها أقوى”.
أما عاموس هرئيل، فيُقرّ بأن لا علاقة تلقائية بين التفوق العسكري والنتيجة الاستراتيجية، إذ لم يتحقق أيّ من الأهداف الثلاثة التي أعلنها نتنياهو: إسقاط النظام، القضاء على البرنامج النووي، وإزالة تهديد الصواريخ.
ولا يقتصر هذا التقييم على “هآرتس”، إذ أشارت “يديعوت أحرونوت” إلى أن إسرائيل لم تحقق الحسم، بل انتقلت إلى مرحلة “إدارة المخاطر” بدل إنهائها، في اعتراف ضمني بأن الحرب لم تبلغ أهدافها النهائية.
كما لفتت صحيفة “معاريف” في إحدى افتتاجياتها إلى أن الحرب كشفت فجوة واضحة بين الطموح السياسي والقدرة العسكرية الفعلية، خصوصًا في ما يتعلق بفرض نتائج استراتيجية سريعة.
وحتى في الإعلام الأكثر قربًا من حكومة بنيامين نتنياهو، أشارت “يسرائيل هيوم” إلى أنه برغم الإنجازات العملياتية، لا يمكن الادعاء بأن الأهداف الكبرى قد تحققت بالكامل.
تتقاطع هذه التقديرات الإسرائيلية عند خلاصة واحدة: حرب بلا منتصر حقيقي، ونظام إيراني أثبت صموده، مقابل إسرائيل تستيقظ على واقع أكثر تعقيدًا وأقل قدرة على المناورة.
ووفق تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) شكّكت بإمكانية إسقاط النظام، معتبرة ذلك غير واقعي.
وبرغم الانقسام داخل الإدارة الأميركية، ومعارضة نائب الرئيس جي. دي. فانس الذي حذّر من فوضى إقليمية وخسائر بشرية وارتفاع أسعار النفط واستنزاف الموارد الأميركية، حسم ترامب قراره، انطلاقًا من قناعته بأن الحرب ستكون سريعة وفعّالة، وفق التقديرات التي قدّمها إليه الإسرائيليون وتبين لاحقاً أنها كانت غير دقيقة.
هذا الواقع قد يضع إسرائيل في موقع حرج داخل واشنطن. وقد عبّر جدعون ليفي عن ذلك بقوله إن “نتنياهو خدع الإدارة مرة أخرى، لكنه خرج خاسرًا هذه المرة”، فيما رأى عاموس هرئيل أن “هذه الضربة قد تكون الأقسى لمكانة إسرائيل في واشنطن منذ قضية جوناثان بولارد (أشهر جاسوس إسرائيلي عمل في الولايات المتحدة لمصلحة الدولة العبرية)”.
***
يرى الخبير الإستراتيجي العسكري البروسي، كارل فون كلاوزفيتز، أن الحرب أداة سياسية وليست غاية بحد ذاتها، وأن الاستراتيجية هي فن الربط بين الوسائل العسكرية والأهداف السياسية.
فما هي غاية هذه الحرب التي يخوضها ترامب؟
في العام 2006، كشف الصحافي اليساري الأميركي الذي عرّى وحشية إسرائيل، سايمور هيرش أن إدارة جورج دبليو بوش كانت تخطط سرًا لضرب إيران بهدف تغيير النظام. وكان ذلك يتطلب، وفق هذا المنظور، إضعاف الحلفاء أولًا (حزب الله)، وعزل سوريا ثانيًا؛ لكن هذا المخطط لم يكتمل، بعد فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها في حرب تموز 2006. إلا أن الفكرة بقيت حيّة.
اليوم، تبدو المنطقة أمام خطة أُعدّت مسبقًا، دخلت حيّز التنفيذ بعد عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول (طوفان الأقصى)، لتتدحرج الأحداث إلى حرب لم تكن معظم الأطراف مستعدة لها: حزب الله فوجئ بأدواتها، إيران لم تكن تريدها، سوريا لم تكن بحاجة إليها، والعالم العربي لم يكن مهيأً لها.
***
إيران، بثقلها الجغرافي والديموغرافي، تحتل موقعًا استراتيجيًا يتعاظم في ظل الصراع الصيني-الأميركي، ضمن ما يمكن تسميته “الحزام الشمالي للعالم الإسلامي”.
وقد تجلّى هذا الدور، وفق تقارير، في الدعم الصيني غير المباشر لإيران، وفي دعم مبادرات التهدئة، برغم التقديرات الأميركية بأن الصين لا تزود إيران بأية أسلحة أو ذخائر أو تقنيات لا قبل الحرب ولا خلالها.
في المقابل، تجاهل ترامب دروسًا تاريخية، أبرزها أن قصف المدن يعزز تماسك الشعوب بدل تفكيكها، كما حصل في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.. والنتيجة: ازدياد تماسك النظام الإيراني بدل إضعافه.
أما إسرائيل، فواجهت ما وصفه الوزير الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد بـ”المجهول المعلوم”، إذ فوجئت بقدرة خصومها على الصمود، وبأن الوحشية العسكرية ولّدت رد فعل عالميًا مضادًا، خصوصًا في أوروبا.
كما شكّل التضامن اللبناني الداخلي عنصر مفاجأة إضافيًا، مع تجنب الانزلاق إلى حرب أهلية.
وفي العالم العربي، برزت حالة انكفاء مبكر، مقابل مخاوف متزايدة من تعاظم الدور الإيراني، خصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز.
***
على المستوى العالمي، رأت “الإيكونوميست”، نقلًا عن خبراء صينيين، أن الحرب خطأ استراتيجي جسيم، واستحضرت مقولة نابليون بونابرت: “لا تقاطع عدوك حين يرتكب خطأ”.
في المقابل، يظهر أن الصين نجحت في التكيّف مع الصدمات الاقتصادية، مستفيدة من تنويع مصادرها وتعزيز علاقاتها مع الخليج، ما يجعلها مرشحة بارزة لدور رئيسي في إعادة إعمار المنطقة.
أوروبيًا، تراجع الدعم لإسرائيل وتآكلت الثقة بالإدارة الأميركية، ما قد يدفع أوروبا إلى الانفتاح على إيران لتفادي أزمات الطاقة.
