جميل مطر, Author at 180Post

800-5-rotated.jpg

اختلطت في الذاكرة تفاصيل تجربتي في الدبلوماسية مع تجربتي في الصحافة، ومع ما بينهما من تجربة العودة إلى قاعات الأكاديميا، وهي المرحلة التي، على قِصرها، أضافت الكثير، أو بمعنى أدق، عملت على تعميق بعض ما كان تعاملي معه في التجربتين سطحيًا، أو كان صعبًا ومعقّدًا على فهم شاب في أوائل العشرينيات من العمر، شاب قليل الخبرة. بعض تفاصيل هذه التجربة أو تلك أو الثالثة تسرب بقلمي خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن بقيت تفاصيل لم تحصل على حقها من النشر واطلاع قرّاء كلهم أعزاء.

Ablenkungsflut.jpg

نعيش منذ سنوات في عالم مرتبك في تطلعاته وأساليبه؛ عالمٌ على طريق الانحدار صادف في طريق انحداره رئيساً جديداً للولايات المتحدة اختار تسليط التهديدات وسيلة عساه ينجح في أن يستعيد بها بعض أو جل ممارسات الهيمنة التي درجت عليها أميركا في نهايات القرن الماضي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال نظام القطبين وانفراد أميركا بالهيمنة. 

750-6.jpg

تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطي في القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب في أعقاب موجات تشتت في التفكير وصعوبات في التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة.

800-60.jpg

اجتمعت أسباب انفعالي وتنوّعت. كان آخر اجتماع لها قبل يومين في بيت ابنتي الأصغر، خلال احتفالها بخطوبة ابنتها. دُعيتُ بصفتي الجد، وفي الوقت نفسه كبير العائلة، وكان هناك معظم الأحفاد، وبعضهم اصطحب أبناءه وبناته. ذهب جانب من اهتمامي إلى حصر من لم يحضر من الأحفاد المغتربين. إنها، وللحق، شجرة يانعة.

800-52.jpg

خرجت لأتمشى في حديقة ألفت مساراتها والتواءاتها. رحلة المشي لا تتجاوز الدقائق العشر من كل يوم مشمس، أي من كل يوم تقريبًا. لم أشك يومًا في خطأ في إدارة الحديقة وإن لم يتوقف شكي في تراجع صلابة كاحلي الأيسر. المنظر الخارجي للكاحل لا غبار عليه ولكن الثقة المتبادلة بيننا صارت مع الزمن أقل وفاءً وعافية. أمشي كالعادة في طرق مستقيمة، وما أن أصل إلى نهايتها حتى أتوقف لثوانٍ أستعين فيها بالأمل والنية الطيبة على دعم قدرة كاحلي الأيسر على الاستدارة 180 درجة لنخطو معًا أول خطوة في امتداد آخر للطريق الممهد لمشينا. خطوناها يوميًا بسلام لسنوات صعب أن أحصي عددها.

800-38.jpg

كان في مطبخ بيتنا الكائن بشارع سامي القريب من نواصي التقاء شارعي نوبار وخيرت دولاب سحري سمعتهم يطلقون عليه اسم «النملية». كنت طفلًا يبدأ فضوله بأسئلة مستحيلة فتأتيه إجابات مدهشة. أذكر صباح يوم خصصوه لتنظيف المطبخ، رأيته على اتساعه مزدحمًا بلفائف وصحون مكشوفة وأخرى مغطاة، ومعلبات كرتونية وزجاجية ونحاسية من كل حجم ونوع. أشياء عديدة وكأن أهل البيت اشتروا لتوهم محتويات محل جزارة ومحل بقالة ومحل حلوى ومحل عطارة وبهارات في آنٍ واحد. سألت السؤال المستحيل فكانت الإجابة بنعم.. كلامك صحيح، ونستعد الآن لحشرها جميعها في النملية.

799-1.jpg

تزحزحت عن معظم مواقعها الطبقة الوسطى المصرية خلال هذا القرن الذي مضى. لم تنتقل ولم تتحول ولكن تحركت قليلاً، تزحزحت. ما عهدناه عن إنسان الطبقة الوسطى، وبخاصة هذا الإنسان الذي وافق فاشترك عن قرب أو انضم واندمج في مشروع نهضة، عهدناه لا يذهب إلى الجديد إلا وقد ترك خلفه شيئاً أو أشياء. يقال عنه، تهذباً واحتراماً، إنه أخذ معه كل ما خف حمله وثقلت قيمته. أنا شخصياً، وقد عشت في هذه الطبقة في أكثر من حي، أؤكد عن خبرة مبررة أن أحداً من بين من عرفت انتقل من الحي الذي عشنا فيه إلا وكان حزيناً على فقد ما ترك وما تخلف وراءه من أفراد وأشياء.

800-4.jpg

زرتها طفلاً في رحلات مدرسية لألعب وألهو مع أقراني تحت رقابة المُدرّس المشرف على الرحلة. لا أذكر عدد هذه الرحلات، ربما كانت بعدد السنوات الدراسية في المرحلة الابتدائية وعدد الرحلات العائلية التي كان الوالد ينظمها مع أقرب أصدقائه وأشقائه وزوجاتهم وكل أولادهم، وكانت أمي تستعد لهذه الرحلات بالعمل في المطبخ لساعات خلال الأيام السابقة على موعد الرحلة.

4e00.jpg

كان مراهقاً يافعاً عندما صدر القراران 181 و194. لم يكن مؤهلاً أو واعياً ليحكم على عمق وأهمية هذا المنعطف الأول في مسيرته. تنوعت وتعددت الأطراف الصانعة والمحركة لهذه المسيرة الأولى. تعلم أن يثق في قادته في الحركة الكشفية وفي قادته في الحركات "الإيمانية" المبكرة وفي قادته في "التنظيمات السياسية" كفروع بدائية أو مراهقة في المدرسة الثانوية لتنظيمات أقوى خارج أسوار المدرسة. قيل لنا إن القرارين بالفعل نكسة تنضم إلى نكسات في نضالنا المصري ضد الاحتلال البريطاني لمصر، نكسات تكتسي رداء خرق الوعود والاتفاقات الغامضة أو الملتوية الأسلوب.