فكرتُ وفكرتُ ثم فكرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعاً من المحرمات.
فكرتُ وفكرتُ ثم فكرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعاً من المحرمات.
نشأتُ في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي، أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا، وحصلنا على موافقات أولي أمورنا، ونفذنا سلسلة من رحلات اليوم الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها. أول رحلاتنا أذكرها جيداً، وأذكر دوافعها وأهدافها ونتائجها. كنا قد سمعنا أو قرأنا عن الغابات المتحجرة في تلال المقطم. وكنا قد سمعنا أيضاً، من جلسات "الحواديت" ونحن أطفال نتحلق حول "أم فاطمة"، عن السباع والنمور التي تسكن في مغارات جبل المقطم.
مرة أخرى أقف حائرًا وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء الكثير من القرارات السياسية الأميركية، وبخاصة إذا تعلّق القرار بالشأن الخارجي. أذكر، على سبيل المثال، قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. وأذكر، على سبيل المثال أيضًا، القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة، ولأسباب مفهومة، القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. وتجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة، كما في عشرات غيرها، لم تكن الولايات المتحدة مهدَّدة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
كان يوماً بصباحٍ مختلف. نهضتُ من فراشي وكلي رغبةٌ عارمة في أن أتمرد على عادةٍ من عادات الأيام الأخيرة. كنتُ قد عوّدتُ نفسي، أو عوّدتني سياقاتُ الزمن في آخر تجلياته، على افتتاح نهاري بمشاهدة قنواتٍ تليفزيونية كانت في يومٍ غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات. حدث في الأيام الأخيرة أن تعمّق إحساسي بأن بوادر يأسٍ مختلطةً بمؤشرات قلقٍ وعلامات ضيقٍ ومظاهر نكدٍ تزحف لتهيمن على مجمل سلوكياتي، ممتدةً ساعةً بعد ساعة لتؤثر أيضاً، أو خشيتُ أن تؤثر، على الشكل وتفاصيل الوجه، وصولاً إلى حجم الجسم، منتهيةً برزانة العقل.
أتابعها باهتمام وفضول بالغين منذ اختارها سيلفيو برلسكوني وزيرةً للشباب في حكومته الرابعة، وعمرها لم يتجاوز وقتها الثلاثين إلا بسنة واحدة. سبقتها إلى جدول اهتمامي خلفيتها الفاشية، وإن راحت تتبرأ من بعض مبادئها.. وشكلياتها.
كنت أعدّ لآخر امتحان لي في قسم العلوم السياسية عندما انعقد مؤتمر باندونغ الشهير في الهند في شهر نيسان/أبريل، وبفضله تعلّقت بشخصيات لم أكن أعرف الكثير عنها.
اختلطت في الذاكرة تفاصيل تجربتي في الدبلوماسية مع تجربتي في الصحافة، ومع ما بينهما من تجربة العودة إلى قاعات الأكاديميا، وهي المرحلة التي، على قِصرها، أضافت الكثير، أو بمعنى أدق، عملت على تعميق بعض ما كان تعاملي معه في التجربتين سطحيًا، أو كان صعبًا ومعقّدًا على فهم شاب في أوائل العشرينيات من العمر، شاب قليل الخبرة. بعض تفاصيل هذه التجربة أو تلك أو الثالثة تسرب بقلمي خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن بقيت تفاصيل لم تحصل على حقها من النشر واطلاع قرّاء كلهم أعزاء.
نعيش منذ سنوات في عالم مرتبك في تطلعاته وأساليبه؛ عالمٌ على طريق الانحدار صادف في طريق انحداره رئيساً جديداً للولايات المتحدة اختار تسليط التهديدات وسيلة عساه ينجح في أن يستعيد بها بعض أو جل ممارسات الهيمنة التي درجت عليها أميركا في نهايات القرن الماضي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال نظام القطبين وانفراد أميركا بالهيمنة.
تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطي في القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب في أعقاب موجات تشتت في التفكير وصعوبات في التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة.
بدا لي من على بُعدٍ أن أحد أهم هواجس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الانتخابات المقررة لملء مقاعد نصف عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في الخريف المقبل.