جميل مطر, Author at 180Post

IMG_6659_0.jpeg

العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى؛ هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون هامة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.

750-11.jpg

كمراقبين، لبعضهم بعض الخبرة السياسية، وبعض الخبرة الدبلوماسية، وبعض الرغبة المستمرة في التعلم، وبعض القدرة على التحليل المتوازن والموضوعي، وبعض النوايا الوطنية والقومية، وبعض الذاكرة القوية، نعترف أننا نعيش أياماً مشهودة، الفضل فيها لرئيس دولة عظمى رأيناه يتصرف تصرفات مدهشة حيناً ولكن كارثية في أحيان كثيرة حتى رحنا نراقبه مراقبة لم يحظ بمثلها سلف ولا رفيق أو عدو.

800-3.png

من مزايا التعود على استحضار الذاكرة القوية، ولو متقطعة أو متباعدة في الزمن، أنه الأقدر على إطفاء بعض النار المشتعلة بفعل حنين مفاجئ أو مضاعف، أو بسبب دفقة من دفقات ظمأ حسي، أو تفاعلاً مع لسعة شوق مباغتة، أو تمرداً على إيقاع ملل مستبد نخاله، لقسوته، مزمناً. وهو، أقصد هذا التعود، ربما يكون الأقدر كذلك على حشد قدرات أخرى فشلت منفردة ومجتمعة في التصدي لصعوبات عسيرة واجهتنا أو تواجهنا، فهو العضد والسند في الأزمات وعند غياب الخيارات والبدائل. كل هذا وأكثر منه مرّ بي وسوف أمرّ ببعضه فيما تبقى لي من زمن.

750-5.jpg

انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا. قيل لي إنه كان فاتراً مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من "الشكّائين" أو "البكّائين" على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف بأنني حزنت نوعاً ما لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية؛ احتفالٌ ينسجم مع قادم الأيام... والأحلام. أتمنى، على كل حال، ألا يتمدد سبب حزني أو يطول.

800-4.jpg

أذكرني في مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأميركية بحي جاردن سيتي في القاهرة وأمامي كتبي وكراساتي اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي.

800-51.jpg

أذكرني مرتديًا "الشورت"، وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة جزار، أو بالأحرى صبي جزار، وأظنه حصل على الفروة أجرًا على ما فعله بالخروف، وعلى الوقت الذي قضاه بعد ذلك لمساعدة "سيدة" وأمها في جهود إزالة آثار ما فعل، وإعادة "السطوح" إلى ما كان عليه قبل الذبح، نظيفًا وأنيقًا كما عهدناه دائمًا ملعبًا للصغار من سكان العمارة.

800-36.jpg

كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص المحفور في صالة استقبال وانتظار، ومائدة كموائد لعب الورق في غرفة تنتظر مولوداً. كلها وغيرها كانت في عهدة مستر “كان”، الطباخ صاحب التجارب المديدة في قصور أثرياء العهد الديموقراطي. ما كان ينقصنا، وهو كثير، موجود في مكان ما. قيل لي من زميل سبقني إن هذا الموجود سوف يصبح متاحاً لي ولأسرتي فور الانتهاء من دراسة أو تحقيق يُجرى عن ميولي وسلوكي وأهداف حياتي في جمهورية الصين الشعبية.

1452026b.jpg

هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم في مرحلة دقيقة؛ مرحلة نودّع فيها نظامًا دوليًا بسمات معينة، ونستقبل نظامًا دوليًا آخر أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوافرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة؛ عقول درست، خلال فترة معتبرة، المتغيرات الرئيسة التي أثرت وتؤثر في سير العلاقات بين القطبين، وأهمها، وفي صدارتها كما لاحظنا، الحرص الصيني الشديد على استمرار التمسك بسياسات وقرارات تضمن التمهل في اتخاذ خطوات نحو الاندماج في نظام قطبي جديد مؤهل لقيادة العالم.

800-44.jpg

لا أذكر يومًا، خلال سنوات النضج، كنت فيه عاشقًا لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي، ولا باحثًا عنها. وفي الوقت نفسه، لا أذكر أنني كنت، إذا فوجئت بواحدة منها، أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها، ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.