واضحٌ لي إلى حدٍّ كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبًا جدًا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر.
واضحٌ لي إلى حدٍّ كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبًا جدًا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر.
مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة، عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان، لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة إلى أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر، ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول مجاورة، أولها فلسطين. وجدير بالإضافة هنا أننا، كمجموعة في فريق للجوالة في غزة، حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات، فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. أما ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة فهي السودان، وثالثها المملكة الليبية.
أما وقد بلغتُ أعلى مراتب العمر وأروعها، أظن أنني صرت أقدر، من أي وقت مضى، على أن أُصدر أحكامًا لا غبار عليها، ولا ممالأة فيها، ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة؛ ففي السياسة انحياز لا مفرّ منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها، فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلتُ إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معًا حروبًا وسلامًا، برودة ودفئًا، صداقات وعداوات. عشنا معًا نمارس، أو يُمارس ضدنا، الصدق حينًا والكذب حينًا آخر، ذقنا معًا حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصّرنا في محاربة الشر، حتى وصلنا أخيرًا إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
استمرت تطاردني عقدة "جبل" المقطم، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة، أو بعيدًا عنها في المنيرة وحي الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع، وسافرت إلى أصقاع بعيدة، ولم يعد المقطم عملاقًا. صرت، مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي، أشير إليه بالتلّ المتواضع، مثلُه مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
فكرتُ وفكرتُ ثم فكرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتاب الصحفيين نوعاً من المحرمات.
نشأتُ في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي، أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا، وحصلنا على موافقات أولي أمورنا، ونفذنا سلسلة من رحلات اليوم الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها. أول رحلاتنا أذكرها جيداً، وأذكر دوافعها وأهدافها ونتائجها. كنا قد سمعنا أو قرأنا عن الغابات المتحجرة في تلال المقطم. وكنا قد سمعنا أيضاً، من جلسات "الحواديت" ونحن أطفال نتحلق حول "أم فاطمة"، عن السباع والنمور التي تسكن في مغارات جبل المقطم.
مرة أخرى أقف حائرًا وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء الكثير من القرارات السياسية الأميركية، وبخاصة إذا تعلّق القرار بالشأن الخارجي. أذكر، على سبيل المثال، قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. وأذكر، على سبيل المثال أيضًا، القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة، ولأسباب مفهومة، القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. وتجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة، كما في عشرات غيرها، لم تكن الولايات المتحدة مهدَّدة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
كان يوماً بصباحٍ مختلف. نهضتُ من فراشي وكلي رغبةٌ عارمة في أن أتمرد على عادةٍ من عادات الأيام الأخيرة. كنتُ قد عوّدتُ نفسي، أو عوّدتني سياقاتُ الزمن في آخر تجلياته، على افتتاح نهاري بمشاهدة قنواتٍ تليفزيونية كانت في يومٍ غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات. حدث في الأيام الأخيرة أن تعمّق إحساسي بأن بوادر يأسٍ مختلطةً بمؤشرات قلقٍ وعلامات ضيقٍ ومظاهر نكدٍ تزحف لتهيمن على مجمل سلوكياتي، ممتدةً ساعةً بعد ساعة لتؤثر أيضاً، أو خشيتُ أن تؤثر، على الشكل وتفاصيل الوجه، وصولاً إلى حجم الجسم، منتهيةً برزانة العقل.
أتابعها باهتمام وفضول بالغين منذ اختارها سيلفيو برلسكوني وزيرةً للشباب في حكومته الرابعة، وعمرها لم يتجاوز وقتها الثلاثين إلا بسنة واحدة. سبقتها إلى جدول اهتمامي خلفيتها الفاشية، وإن راحت تتبرأ من بعض مبادئها.. وشكلياتها.
كنت أعدّ لآخر امتحان لي في قسم العلوم السياسية عندما انعقد مؤتمر باندونغ الشهير في الهند في شهر نيسان/أبريل، وبفضله تعلّقت بشخصيات لم أكن أعرف الكثير عنها.